آفاق المستقبل

تصحيح مفاهيم وتكوين رؤى

سورة الكهف: أسرار المستقبل في خبايا الماضي (الجزء السادس)

ذو القرنينقصة ذي القرنين

هذه قصة القمة وقمة القصص، بدأت سورة الكهف بالقصة عن المؤمنين المستضعفين، ثم عن المستقرين الآمنين، ثم عن الصاعدين السالكين، وختمها بقصة ملِك مكين تبوّأ قمة السلطة ووصل إلى ذروة القوة والتمكين، رجل بلغ المشرق والمغرب، دعا إلى الله وأقام العدل ونشر الخير، قصة ذي القرنين…

هذه قصة فتحت لنا أسرارا كثيرة يخبئها التاريخ… وتنكشف بها أستار المستقبل… تحكي قصة رجل موفّق، جاب المشرق والمغرب، أقام العدل، ونشر الفضائل… وتتطرق إلى أحوال الشعوب، وحالات الطبيعة… تتعرّض لعلوم كثيرة وإشارات عديدة… تجرّنا بقوة إلى عمق الماضي… ثم تدفعنا بسرعة إلى مصائر المستقبل…

قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا . إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}[1]

من هو ذو القرنين؟

رغم عِظَم قدر هذه الشخصية وعَظَمة ما وصل إليه ملكه، إلا أن الروايات الصحيحة في حقه شحيحة جدا. والقرآن الكريم لم يذكره إلا في هذا الموضع. أما الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد منها خبرا واحدا يعتمد عليه، فهي إما ضعيفة وإما موضوعة. وقد أنكر ابن كثير رحمه الله على الإمام الطبري إيراده حديثا ضعيفا في الموضوع، وهو حديث روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن نفرا من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: “أنه كان شابا من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملَك في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب”. وفيه طول ونكارة، ورفعه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لا يصح.[2]

قال ابن كثير: وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل. والعجب أن أبا زرعة الرازي، مع جلالة قدره، ساقَه بتمامه في كتابه دلائل النبوة، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني بن فيليبس المقدوني، الذي تؤرِّخ به الروم، فأما الأول فقد ذكره الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل، عليه السلام، أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر، عليه السلام، وأما الثاني فهو إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم. [3]

إن انتقاد ابن كثير على الطبري وأبي زرعة وغيرهما ممن اعتمد تلك الروايات الضعيفة كان في محله، ولكن ترجيحه لروايات الأزرقي يحتاج إلى بيان، ولم يبين رحمه الله سبب اعتماده عليه.

لذلك فقد اختلف الناس في شخصية ذي القرنين إلى أقوال شتى. ذكر ابن الجوزي منها أربعة أقوال: أحدها: عبد الله، قاله عليّ رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه عبد الله بن الضحاك. والثاني: الاسكندر، قاله وهب. والثالث: عيِّاش، قاله محمد بن علي بن الحسين. والرابع: الصعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة.[4]

وقال ابن إسحاق: هو رجل من أهل مصر، اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل: هو ملك اسمه هرمس، وقيل: ملك اسمه هرديس.[5] وقيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحِميَري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حِمْيَر حيث قال:

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما … ملكا علا في الأرض غير مفندي

بلــغ المشــارق والمغـارب يبتغي … أسبــاب ملك مــن كــريم سيد

ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي النادي وذي نواس وذي النون وغير ذلك.[6]

وحكى القرطبي عن السهيلي أنه قال: إن الظاهر من علم الأخبار أنهما – يعني المسمى بالاسكندر – اثنان: أحدهما كان على عهد إبراهيم عليه السلام، والآخر كان قريبا من عيسى عليه السلام.[7] أي قبله ثلاث مائة سنة كما قاله ابن كثير وغيره.[8] وذهب ابن كثير إلى أن المذكور في القرآن هو الأول، كما أثبته في تفسيره وتاريخه “البداية والنهاية.”[9]

وقيل هو أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أروانداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام أو قبله بزمان.[10]

وقيل: أنه كان ملكا من ملوك الصين، لوجوه:

أحدها: أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع.

الثاني: أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه تعريفه بذي القرنين.

الثالث: أن سدا وردما عظيما لا يعرف له نظير في العالم هو موجود بين بلاد الصين وبلاد المغول، وهو المشهور في كتب الجغرافيا والتاريخ بالسور الأعظم.

الرابع: ما روت أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما، أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم خرج ليلة فقال: “ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مِثْلُ هَذِهِ.” وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا.[11] وقد كان زوال عظمة سلطان العرب على يد المغول في بغداد فتعين أن ياجوج وماجوج هم المغول وأن الردم المذكور في القرآن هو الردم الفاصل بين بلاد المغول وبلاد الصين وبانيه ملك من ملوكهم، وأن وصفه في القرآن بذي القرنين توصيف لا تلقيب.[12]

واختلفوا في زمانه وجوده على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من القرون الأُوَل من ولد يافث بن نوح. والثاني: أنه كان بعد ثمود. ويقال: كان عمره ألفاً وستمائة سنة. والثالث: أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم.[13] وقيل أنه بعد موسى عليه السلام. وقيل: في وقت إبراهيم وإسماعيل، كما ذكره القرطبي في تفسيره.[14]

واختلفوا أيضا في سبب تسميته بذي القرنين، قال ابن الجوزي: وفي علَّة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال:

أحدها: أنه دعا قومه إِلى الله تعالى، فضربوه على قرنه فهلك، فغبر زماناً، ثم بعثه الله، فدعاهم إِلى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك، فذانك قرناه، قاله عليّ رضي الله.

والثاني: أنه سمي بذي القرنين، لأنه سار إِلى مغرب الشمس وإِلى مطلعها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

والثالث: لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس.

والرابع: لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء إِلى الأرض وأخذ بقرني الشمس، فقصَّ ذلك على قومه، فسمِّي بذي القرنين.

والخامس: لأنه مَلَك الروم وفارس.

والسادس: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبِّه.

والسابع: لأنه كانت له غديرتان من شعر، قاله الحسن. قال ابن الأنباري: والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين، وجميرتين، وقرنين قال: ومن قال: سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم، قال: لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما: قرنان.

والثامن: لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف.

والتاسع: لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس، وهو حيّ.

والعاشر: لأنه سلك الظُلمة والنور، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو إِسحاق الثعلبي.[15]

وذكر القرطبي أقوالا أخرى، منها: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا. ومنها: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن. ومنها: لأنه دخل الظلمة والنور.[16]

واختلفوا في كونه نبيا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه كان نبيّاً، قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. والثاني: أنه كان عبداً صالحاً، ولم يكن نبيّاً، ولا مَلكاً، قاله عليّ رضي الله تعالى عنه. وقال وهب: كان ملكاً، ولم يوح إِليه.[17]

لم نستطع أن نجزم بواحد من تلك الأقوال على كثرتها، لأننا لم نجد من حقق الروايات الواردة في ذي القرنين إلا ما قام به الأستاذ الدكتور حكمت بشير أستاذ بكلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فقد قام بسبر الروايات الواردة في التفسير واستخرج منها الروايات الصحيحة معتمدا على أقوال العلماء النقاد، وجمعها في كتاب سماه الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور، وهو مطبوع في أربعة مجلدات. فقد قام بعمل مشكور في سبر الروايات التفسيرية.

فمع كثرة الأقاويل في شخصية هذا الرجل الصالح فإننا لا نستطيع أن نعتمد إلا على نزر قليل منها. ومن تلك الآثار القليلة التي وجدنا فيها التصحيح ما أورده الضياء المقدسي بسنده عن أبي الطفيل قال: سمعت ابن الكواء يسأل علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – عن ذي القرنين فقال علي: لم يكن نبياً ولا ملكا، كان عبداً صالحاً، أحبّ الله فأحبه، وناصح الله فناصحه الله، بُعث إلى قومه فضربوه على قرنه فمات فبعثه الله، فسمى ذي القرنين.[18]

ولكن أشكل على قوله – رضي الله عنه – كونه ليس ملكا وقد بلغ من السطوة ما أخضع به أمم المشرق والمغرب. وقد قال الله فيه: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}[19]، ويحتمل أن يكون مراده أنه لم يكن ملِكا أول أمره حتى مكّنه الله فيما بعد، أو كان أميرا من الأمراء يأتمر تحت لواء ملك من ملوك زمانه، كما كان يوسف عليه السلام ممكَّنا في الأرض ولم يكن هو الملك، والله أعلم.

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أَدْرِي أتُبَّع كَانَ لعيناً أم لَا وَمَا أَدْرِي أذو القرنين كَانَ نَبيا أم لَا وَمَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَات لأَهْلهَا أم لَا.[20] قال فيه البخاري: ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحدود كفارة.[21]

ومهما يكن من كل هذه الاختلافات وشحة الروايات الصحيحة، فإن الاستفادة من هذه القصة لا تتوقف على كثير من تلك الأمور، فما ذكره القرآن عنها فإن فيه غُنية وكفاية، وقد عهدنا طريقة القرآن في عرض القصص حيث اكتفى بذكر المهمات من عناصر القصة وترك التفاصيل التي لا يتوقف عليها الانتفاع. قال ابن عاشور رحمه الله: “…ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حكمية أو خلقية.”[22]

فقد روي عن ابن عباس قوله: “أبهموا ما أبهمه القرآن”[23]

وفي هذا السياق يقول الدكتور صلاح الخالدي: “…موقف القارئ من مبهمات القرآن، وهى ما أبهمه القرآن من أسماء الأشخاص والأماكن فى قصص السابقين.

وهى التى يستحيل علينا أن نبينها، وأن نحدد تلك الأسماء لأننا لم نشهدها، ولأن الروايات عن أهل الكتاب فيها مطعون فيها، ومردودة علميا، لتطرق التحريف والكذب إليها وغلبته عليها. موقف القارئ منها أن ينظر فى القرآن، فإذا وجد ما أبهم فى موضع مبينا فى موطن آخر أخذه، فإن لم يجده مبينا فى القرآن، توجّه إلى ما صح من حديث رسول الله عليه السلام، فإذا بين هناك أخذه .. ولا يجوز أن يبحث فى غير هذين المصدرين اليقينيين، فليتركه بعد ذلك على إبهامه، وليسعه ما وسع رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه فى موقفهم منه ..

فإن لم يفعل ذلك قال على الله بدون علم، واتبع من ليس عنده علم. وأشغل نفسه فى ما لا خير فيه، وخرج عن جو النص القرآنى، وأقبل على موانع وحجب تحجب عنه نور القرآن..”[24]

وهذه القصة القرآنية – كما استخلصه ابن عاشور- تعطي صفات لا محيد عنها:

إحداها: أنه كان ملكا صالحا عادلا.

الثانية: أنه كان مُلهَما من الله.

الثالثة: أن ملكه شمل أقطارا شاسعة.

الرابعة: أنه بلغ في فتوحه من جهة المغرب مكانا كان مجهولا وهو عين حمئة.

الخامسة: أنه بلغ بلاد يأجوج ومأجوج، وأنها كانت في جهة مما شمله ملكه غير الجهتين الشرقية والغربية فكانت وسطا بينهما كما يقتضيه استقراء مبلغ أسبابه.

السادسة: أنه أقام سدا يحول بين يأجوج ومأجوج وبين قوم آخرين.

السابعة: أن ياجوج وماجوج هؤلاء كانوا عائثين في الأرض فسادا وأنهم كانوا يفسدون بلاد قوم موالين لهذا الملك.

الثامنة: أنه كان معه قوم أهل صناعة متقنة في الحديد والبناء.

التاسعة: أن خبره خفي دقيق لا يعلمه إلا الأحبار علما إجماليا كما دل عليه سبب النزول.[25]

مقام الشهادة على الناس

إننا لم نتكلم هنا عن شخصية خيالية يخترعها القصاصون. إننا أمام شخصية أثبتها القرآن وسجلها التاريخ. فما وجدناه في هذا الكتاب الحكيم هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو العدل الذي نشهد عليه. وإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مكرَّمة بهذا القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإننا بهذا القرآن الكريم نستطيع أن نقيم الشهادة على الناس بما وجدنا فيه من أخبار الأمم وسِيَر الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[26]

فمقام هذه الأمة هو مقام الشهادة وإقامة الحجة على الناس، وإنّ ما وجدناه في هذا القرآن وما جاء به نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، سيكون عمدة الأنبياء في إقامة الشهادة على قومهم، كما ثبت في الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ.

فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: لاَ، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ.

فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ.

فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ.[27]

وفي رواية للنسائي: فيقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد بلغوا فصدقناه.[28]

وذِكرُ الله لشخصية ذي القرنين بصفات العدل والاستقامة والدعوة إلى الإيمان هو الذي تقوم به الشهادة يوم القيامة على الناس، وإن قصّر التاريخ الذي كتبه البشر في توفية هذا الرجل حقه، فإننا لا نتردد في إعلاء مقام هذا العبد الصالح والاقتداء به والاستفادة من سيرته.

وإنه لمن الخطإ الكبير أن تكون الكتابات التاريخية التي كتبها غير المسلمين هي العمدة في تفسير كتاب الله، إذ إنهم صوّروا تاريخ البشر وفقاً لاهتماماتهم وميولهم، فإنهم لم يسجّلوا حقائق التاريخ كاملة، فقد أهملوا ذكر أنبيائهم، بل كذبوهم، وكتبوا التاريخ خاليا عن آثار الإيمان ودعوة التوحيد، {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}[29].

لذلك لا نسلّم لبعض المفسرين استدلالهم بشهرة الاسكندر المقدوني على أنه هو ذو القرنين المقصود. فإن ما أهمله الناس أكثر مما كتبوه! ولولا الكتب المنزلة من عند الله لما عرفنا الدين ولا النبوة ولا الأنبياء أصلا.

وأهل الكتاب قبلنا، وإن رووا قصص الأنبياء والرسل وسير أتباعهم، فإنهم حرفوا وبدلوا، وكتموا وغيروا. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[30] وقال تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[31] وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}[32]

ويبقى المصدر النظيف المحفوظ بين أيدينا بفضل الله ورحمته: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[33]

أهلية التمكين

وصف الله ذا القرنين أول ما وصف بأنه ممكّن في الأرض، قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ}[34]  والتمكين: جعل الشيء متمكنا، أي راسخا، وهو تمثيل لقوة التصرف بحيث لا يزعزع قوته أحد.[35] فمعنى التمكين في الأرض إعطاء المقدرة على التصرف.[36] فكان أن ملَّكه الله تعالى، ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض، وانقيادهم له.[37] وله من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم.[38]

إن التمكين في الأرض نعمة امتن الله بها على عباده، قال تعالى في حق يوسف: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[39] وقال أيضا: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[40] وقال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}[41]

وقد وعد الله المؤمنين الصادقين بالتمكين في الأرض والاستخلاف فيها، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}[42].

بيّن الله تعالى كيف مكن الله ليوسف في الأرض، وكيف مكن الله لموسى ومن معه من بني إسرائيل، وقد عرفنا كيف مكن الله لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ولم يذكر الله في حق ذي القرنين كيف مكنه الله في الأرض. ومع ذلك نعرف أسباب التمكين من خلال قصص الأنبياء وسيَر المؤمنين.

إن هؤلاء الذين مكنهم الله في أرضه ليقيموا العدل وينصروا الدين، وصفهم القرآن بخصال من أهمها:

الأولى: أنهم مؤمنون، وأما الكفار فلم يحصلوا على شيء من الدنيا إلا استدراجا لا تمكينا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}[43]، وقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ }[44]. والاستدراج من “استدرجه إلى كذا إذا” أي استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه.[45] أي أن الله يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي. وهم لا يعلمون أي وهم لا يشعرون أن هذا استدراج لهم، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة مع أنه في نفس الأمر إهانة لهم واستدراج.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. [46]

الثانية: أنهم تجرعوا مرارة الابتلاء وقساوة الامتحان، سئل الإمام الشافعي: أَيّمَا أَفْضَلُ لِلرّجُلِ أَنْ يُمَكّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ: لَا يُمَكّنُ حَتّى يُبْتَلَى.[47] وهذا حال المؤمن، ابتلاهم الله فصبروا فأثابهم الله تمكينا في الدنيا وتكريما. {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[48]

الثالثة: أنهم صبروا على الابتلاء، لم يعط الله الصدارة والإمامة في الدين إلا لمن ثبت عليه وصبر في سبيله، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا}[49]، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا}[50]. سئل سفيان الثوري عن قول علي رضي الله عنه: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد” ألم تسمع قوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} ، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسا.[51] وقال ابن تيمية رحمه الله: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.[52]

الرابعة: أنهم أيقنوا بآيات الله ووعده وآمنوا بما أنزل عليهم من الهدى والدين، وقد دلت الآية السابقة على أن الإمامة في الدين تنال بأمرين: بالصبر على البلاء واليقين بآيات الله ووعده، قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[53] وقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[54]

الخامسة: أنهم استعانوا بالله ولجأوا إليه، قال ابن عباس: “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ” قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}.[55] وقال تعالى في حق موسى وأصحابه: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[56]

السادسة: أنهم ردوا الإساءة بالإحسان. فلما تمكن يوسف عليه السلام من إخوته الذين كانوا يؤذونه قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[57] وأحسن لهم المأوى وأسكنهم بجواره وأكرمهم، وهذا من خصال أولي الألباب الذين ذكرهم الله من صفاتهم أنهم: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار}[58] وقد عرفنا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش الذين آذوه وحاربوه، فلما فتح عليه قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

السابعة: أنهم لم يستسلموا للوضع ولم يرضوا بالظلم، فمع صبرهم على الأذى واحتسابهم للابتلاء إلا أنهم هجروا البلاد وقاموا ضد الفساد. وقد ذم الله أولئك الذين استسلموا للوضع السيء ولم يحاولوا الخروج منه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[59] إنه القانون الذي لا يحابي أحدا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[60]

الثامنة: أنهم اكتسبوا مؤهلات التمكين قَبل حصول التمكين، فهؤلاء الذين مكنهم الله في أرضه وأكرمهم بالاستخلاف ليسوا أناسا خاملين ولا بُلهًا جاهلين.

فلما اختار مَلِك مصر سيدنا يوسف عليه السلام ليتقلد منصبا ملكيا، كان نبي الله يوسف مستعدا لذلك، وقال بثقة تامة: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}[61]، فرغم ما تعرّض له يوسف من الصعوبات والاضطرابات في حياته إلا أنه لم يفرِّط في التعلم واكتساب المهارات التي تنفعه في العاجل والآجل. وكان اكتساب العلم يسبق المُلك، قال تعالى في حق داود وسليمان عليهما السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}[62]

لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تفقّهوا قبل أن تسودوا”.[63] فالناجحون هم الذين أعدوا أنفسهم للمهام الكبار، وأعرضوا عن سفاسف الأمور، ولم يخلدوا إلى الراحة والغفلة، ولم يضيّعوا حياته باللهو والمتعة. إن مرحلة الاستضعاف عندهم ليست مرحلة السكون والركود فقد جعلوها مرحلة الإعداد والبناء.

وهذا الذي جعل الناس يتفاوتون تفاوتا عظيما، فكثير من الناس يسقطون في الامتحان، محبطون مع الظروف الصعبة، هاربون من المشاكل، فمرحلة الضعف عند المحرومين تدفعهم للاستسلام والركود، وتمنعهم من المقاومة والنهوض. بينما الناجحون الموفّقون فإنهم جعلوا التحديات والصعوبات دوافع للارتقاء واتخذوها سلاليم للصعود، يستفيدون من كل فرصة للتعلم، ويخرجون من كل تجربة بنفع، يقهرون الظروف بإرادتهم وإيجابيتهم، ويغيّرون مجرى الأحداث بتغيرهم نحو الأحسن فالأحسن. نسأل الله التوفيق.

تسخير قانون السببية

إن الله قد وهب لذي القرنين أسبابا توصله إلى ذلك المقام المرموق وتلك القوة المشهودة، قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}[64] يعني – كما قال الطبري رحمه الله- ما يُتسبَّب إليه وهو العلم به.[65] قال ابن عباس: عِلْماً يتسبب به إِلى ما يريد. وقيل: هو العِلْم بالطُّرق والمسالك.[66] والصحيح – كما قال ابن كثير- أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها.[67] وقد قال الله في حق بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}[68] أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك. قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا.[69]

إن القرآن هنا يريد أن يعلمنا بأن النجاح والفلاح إنما يحصل باتباع أسبابه، والله قد جعل حدوث الأشياء في هذا الكون وفق قانون صارم لا يتغير ولا يتبدل، وهو قانون السببية. وكل ما في الكون يخضع لهذا القانون، لا يحدث شيء هنا إلا بسببه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات.”[70] “فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها.”[71]

إن قانون السببية قانون ثابت مقرر في القرآن الكريم، قال ابن القيم: إن القرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب العقاب على الأساب بطرق متنوعة، فيأتي بباء السببية تارة كقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}[72]، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}[73]، ويأتي بذكر الوصف المقتضي للحكم تارة كقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}[74].[75]

فالعقلية التي يبنيها القرآن من خلال أحكامه وقصصه وتوجيهاته هي العقلية التي تربط بين النتائج والمقدمات، تنطلق من أرضية الواقع والعوامل المؤثرة لتنظر إلى النتائج بآليتها المدروسة. فنجاح ذي القرنين – حسب المعطيات القرآنية- لا يشذ عن هذا القانون.

{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . فَأَتْبَعَ سَبَبًا}[76] فقد آتاه الله أسباب التفوق والقوة ثم وظّفها ليتمكن من بلوغ تلك المبالغ البعيدة. وهكذا يرسم الإنسان طريق الريادة والسيادة، هي طريق العلم والاجتهاد والحكنة والصبر وحسن العلاقات وقوة التأثير ووضوح الرؤية وعلو الهمة وتحمل المشاق، ولا طريق لها غير ذلك. ليس طريق القوقعة في الصومعة رجاء نزول خارقة إلهية تنقل الخيال إلى الواقع! فليس للنجاح عصا سحرية ولا “مصباح علاء الدين”، يخرج الجنّيّ الذي يستجيب لكل طلب!!

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لم تجرِ على اليَبَس

وورد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟ قال: سبحان الله، سُخر له السحاب، ومُدّت له الأسباب، وبسط له النور.[77]

ولا تذهبن بك الظنون والخيال إلى تلك الغرائب التي تجدها في مثل قصة ألف ليلة وليلة! فإن الأمر أقرب من ذلك بكثير. فإن السحاب سُخِّر لذي القرنين كما سخر لكل بشر، قال تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ}[78] وتسخيره أن يرفعه الله فوق الأرض، ويحمل قدرا من الماء الطهور، وينزل المطر بقدر، ويلطف الجو كما قدر الله، ويجريه الله وفق سنته الثابتة. ومدت له الأسباب حيث أعطاه بسطة في العلم والجسم، ويسّر له جمع القلوب، ووفِّق لإدارة الجنود، ورزق معرفة البلدان ومسالكها، وطبائع أهلها، وبسط له النور، وهو نور العلم والمعرفة، ونور الهداية والإيمان، كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}[79] وقال: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}[80]

وفي سِيَر العظماء والناجحين أخبار معروفة وأسباب معلومة في هذا السياق. فالنجاح له أسباب معروفة، والقوة والتفوق لهما مسار معلوم.

اتباع الأسباب والتوكل

إن روح القرآن هي روح العمل والاجتهاد، أساسها العلم والمعرفة، فهي تحارب دروشة الرهبان البُله التي أفسدت الدنيا والدين، والتي أقعدت الناس عن العمل الجاد وزهّدتهم في البحث العلمي. لقد انتقلت دروشة الرهبان النصارى والهندوس إلى تراثنا الإسلامي، فقد كان الرهبان الهندوس يعتقدون أن الرقي الروحي لا يكون إلا بالتخلص من كل الماديات، وأن المادة حجاب عن الحقيقة، وإن التحرر من المادة تخليص للروح عن قيودها. فهم يتجنبون كل الأسباب المادية، وينشدون دائما الأمور الخارقة خارج قانون السببية.

وعدوى هذه الهرطقة انتقلت إلى المسيحية ثم إلى الإسلام عن طريقة التراث الصوفي الذي وجد ساحة مفتوحة لهذه الأوهام. فإن جهلة المتصوفة ينشدون الكرامات، ويعتقدون أن بلوغها وحصولها للعابد علامة من علامات القرب إلى الله والمنزلة العليا عند صاحبها. واعتقد جهال العباد أن خلوص التوكل على الله هو بترك الأسباب. وهذا ينافي روح القرآن وهدي السنة.

إن من كمال هدي الإسلام أن المسلم لا بد أن يجمع بين الرقي الروحي والتعامل المادي، أن يتجرد قلبه عن أسر المظاهر وتشتغل جوارحه بالعمل الفعلي، بين أن يتوكل على الله متجردا عن المخلوق وبين أن يعمل بيديه يقدم عملا ظاهرا ملموسا.

قال ابن الجوزي رحمه الله: ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد، وذلك أن التوكل اعتماد القلب عَلَى الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن فِي التعلق بالأسباب.[81]

يقول أبو القاسم القشيري في رسالته: “واعلم أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن اتفق فبتيسيره.”[82]

واستدل لذلك بالحديث المشهور عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل؟ أو أرسلها وأتوكل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل.[83] وفي رواية: قيِّدها وتوكل.[84]

وهذا نص صريح حاسم في مراعاة الأسباب وأنها لا تنافي التوكل.

وقال صلى الله عليه وسلم: “لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.”[85] وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطانا إلا بعد أن غدت خماصا، والغدو حركة وانتشار.

وأحاديثه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس والصناعة والتجارة والاحتراف – ولو بالاحتطاب- كثيرة وشهيرة. وحسبنا منها قوله: “ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”[86]

وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم يعد العدة ويهيّء الأسباب في غزواته وسراياه ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بين لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه صلى الله عليه وسلم. وليست هذه سنته صلى الله وسلم فقط بل هي سنة رسل الله وأنبيائه من قبله.

قال سَهْل بْن عَبْدِ اللَّهِ: من طعن فِي الاكتساب فقد طعن عَلَى السنة، ومن طعن عَلَى التوكل فقد طعن عَلَى الإيمان.[87]

إن القرآن يأمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم باتخاذ الأسباب والتدابير اللازمة لاتقاء العدو فيقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}[88]

وقد أمر المؤمنين بتحصيل أسباب القوة، فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}.[89]

جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس، قال: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}[90].[91]

وهنا يجب التنبيه إلى أن الأخذ بالأسباب لا يعني تعليق الأمل عليها وحدها، وتعلّق القلب بها بالكلية، بل يجب أن يكون القلب معلقا برب الأسباب وخالقها، وأن يعقد الأمل بالله وحده. وما الأسباب إلا وسائل جعلها الله أدوات توصل المقصود عادة، ولكن قدرة الله أكبر من أن تحدها حدود المادة، إلا أن الله تعبَّدنا باتباع تلك الأسباب. وقد يعطل الله تلك الأسباب عن فعلها ويمنعها من إتيان آثارها لحكمة أرادها الله، كسلب حرارة النار التي ألقي إليها إبراهيم عليه السلام، ليُري الله طلاقة قدرته ونصرته لأوليائه وليحق الحق ويبطل الباطل.

وقد ذم الله تعالى تعلق بعض الصحابة بتفوق القوة العددية في غزوة حنين، إذ قال أحدهم: “لن نُغلَب اليوم من قلة!” فقال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}[92] فهنا لم يخطِّئ الله المؤمنين في استخدامهم القوة المادية في الجهاد، ولكن الذم كان منصبًّا على الاغترار بها والاعتماد الكلي عليها ونسيانهم عن حقيقة أن الأمر كله بيد لله وحده.

ومن جمالية هذه السورة أنها جمعت بين صور التوكل على الله والاستسلام الكامل له وبين اتخاذ الأسباب والاجتهاد فيه في نسق مترابط بديع، إن مما تفتتح به قصة أصحاب الكهف ذكر دعاء هؤلاء الشباب ولجوءهم إلى الله {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}[93] لجأوا إلى ربهم بالاعتزال إلى الكهف وبالدعاء الصادق، وكانت الأسباب محدودة، ولكن عناية الله في حقهم أكبر مما يتوقع وأغرب مما يتصور، ثم في قصة ذي القرنين بدأ القرآن بذكر توفر الأسباب وحسن استغلالها، ولكن ختمها بالتسليم لله والشكر له والامتنان به، قال ذو القرنين: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}[94] فقد أراد القرآن أن يصور هذا التناسق البديع بين تحرّك الإنسان بفعله وبين التجائه إلى الله بقلبه في نظم هذه السورة الفريدة. إنها جمعت بين التعبد باتخاذ الأسباب والعبادة بالتوكل على رب الأسباب بتوازن وتناغم بديعَين.

الأسباب مادية ومعنوية

إن عالم الأسباب ليست مادية بحتة. بل إن الأمور المعنوية التي تؤثر في موازنة القوى هي عوامل فعالة لا ينبغي إغفالها. وقد تترجح كفة قوة قليلة العدد والعدة بسبب تفوقها في أمور معنوية غير ملموسة، كالتفوق المعرفي والوفرة المعلوماتية وثراء الآراء والأفكار، وللأسباب السماوية التي يجهلها الأرضيون نفاذ كبير، بل هي الأساس في حقيقة الأمر.

وقد دل على ترجيح القوة المحدودة العدد لاعتبارات معنوية قول الله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}[95] فقد دلت الآية على ترجيح قلة من المؤمنين على كثرة من الكافرين بناء على وصفين أساسيين:

الأول: التفوق العقلي والعلمي، يدل على ذلك قوله تعالى: “ذلك بأنهم قوم لا يفقهون”، وهو وصف للكفار الذين قابلهم المؤمنون. ونفيُ الفقه عنهم يشير  إلى إثباته في المؤمنين، وصفة الفقه هي التي ترجح كفة هؤلاء القلة من المؤمنين، أما عند الكفار فالفقه منافٍ للكفر، لو فقهوا لآمنوا، ولكن عند المؤمنين، فالأمر يحتاج إلى الاجتهاد لاكتساب هذه الصفة. فليس كل مؤمن له حظ وافر من الفقه، والفقه مرحلة متقدمة من العلم والفهم، فكلما ارتقى المؤمنون في علمهم ومستوى فهومهم ترجحت كفتهم، وتضاعفت قوتهم بحسب ذلك. ولم يقتصر الفقه في اصطلاح القرآن على الأمور الشرعية كما هو معلوم عند من تدبر معاني القرآن، ولكن الفقه  هو مطلق الفهم أو الفهم العميق، على قولَي العلماء فيه، سواء في الأمور الدينية أو الأمور الدنيوية، وتدنّي مستوى الثقافة المدنية عموما يخفض من معدّل القوة لدى المسلمين، وإن تفوقوا في الأمور الدينية. وخاصة في عصر المعلومات والتقدم التقني الذي عشناه اليوم، فإن التفوق المعرفي والتقني لدى غير المسلمين جعل في معادلة القوى بينهم وبين أعدائهم بونا جد شاسع، مما يفرض على كل مسلم أن يجتهد ويضاعف الجهد للحاق والسباق العلمي والتقني لكي لا يبقى المسلمون في موضع الذيل في  هذا الباب.

الثاني: الصبر، والصبر قوة نافذة في كل الأمور، فالطائفة الصابرة مع قلة العدد والعدة أقوى من الطائفة المترهلة المسترخية مع كثرة العدد والعدة.

والأساب المعنوية كثيرة جدا، منها قوة الإيمان، ومنها صدق اللجأ إلى الله، ومنها كثرة الابتهال إلى الله، ومنها الثقة بنصر الله، إلى ما هنالك، والقرآن كما أنه نبه على الأسباب المعنوية غير المحسوسة، فإنه أيضا نوّه إلى وجوب الأخذ بالأسباب المادية كقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}[96]، وكثيرا ما يقرن القرآن بين الأمور المادية والأمور المعنوية مثل قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}[97]، فقد أمر الله المؤمنين بأخذ الزاد المادي كالأموال والمراكب، ثم نبه إلى الزاد المعنوي وهو التقوى. ومثل ذلك قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}[98]، هنا امتن الله على الناس بمنحهم اللباس المادي، ثم نبه باللباس المعنوي الأهم وهو التقوى.

فالقرآن لا يعلمنا الاستغراق في عالم المعنويات متجاهلين عالم المادة، ولا يتركنا ننخدع بعالم المادة غافلين عن عالم ما وراء المادة.

بين الدين والقوة

إن أفضل ما ينصر به الدين ويظهر به الحق أن يُسخِّر أهل الحق القوةَ لخدمة الدين. وهي أرفع مراحل الانتصار وذروة مراتب الجهاد، وأكمل صور محاربة المنكر، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ.”[99]

وقد جعل الله إنزال الحديد – الذي هو رمز القوة وأهم مواد الصناعة الحربية، بعد إنزال الوحي والعدل- أحد أركان نصرة الدين، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ}[100] فأركان نصرة الدين وفق هذه الآية ثلاثة عناصر: (1) الكتاب الذي يدل على الحق، (2) والميزان الذي هو رمز العدل ومعياره، (3) والحديد الذي هو رمز القوة وأهم أدواتها.

درجات الإصلاح

إذا أجرينا مقارنة بين طريقة أصحاب الكهف وطريقة ذي القرنين في معالجة قضايا الواقع نستشفّ من خلالها مناهجَ الإصلاحِ والتغييرِ المناسبةَ للظروف المختلفة، فإن أصحاب الكهف اختاروا الاعتزال للحفاظ على الإيمان ولمقاومة الظلم والطغيان، بينما نجد أن ذا القرنين استخدم القوة التي أتاحها الله له لإقامة العدل ودعوة الإيمان. والفرق بين الطريقتين واضح، والسبب بيّن.

وهنا نعلم أن التكليف منوط بالقدرة، إن محدودية قدرة أصحاب الكهف في مواجهة الكفر لا تسمح لهم بالمواجهة المباشرة، والفساد المترتب على المواجهة مع ضعف الإمكانية أعظم بكثير من المصلحة المتوقعة. فكان خيار العزلة هو المتاح لهم. بخلاف حالة ذي القرنين الذي أتيح له أن يمارس التغيير بيده.

فعملية إصلاح الناس على درجات تتناسب مع قدرة المصلحين ومع حالة الناس الذين أريد إصلاحهم. ومن خلال ترتيب القصص المذكورة في سورة الكهف نرى أن مراتب الإصلاح متدرجة، بدءا من حالة ضعف المصلحين في مواجهة القوة الطاغية الفاسدة، وعبورا بالقدرة المتوسطة لدى صاحب صاحب الجنتين حيث يمكنه الإصلاح من خلال الموعظة الحسنة، ثم مرورا بطريقة الخضر الذي قام بالتغيير بيده على نطاق الأفراد، وانتهاء بطريقة ذي القرنين الذي مكنه الله من إصلاح أمم الشرق والغرب.

بين حصول الكرامات وبذل الجهود

ومن اللطائف أيضا أن الله أجرى على أيدي أصحاب الكهف أمورا عجيبة خارقة للعادة مخترقةً قانونَ الطبيعة المعتاد، ولم يُجر على يد ذي القرنين شيئا من ذلك. ولا شك أن ما قام به ذو القرنين أفضل مما قام به أصحاب الكهف من حيث الفعل. ومن هنا نتعلم أن الاعتماد على جلب الأسباب الفعلية أفضل وأشرف من حصول الكرامات وعجائب الأحداث على العبد، إذ الفاعل مأجور على فعله، وليس على جريان الحدث الذي لا دخل للعبد فيه أجر.

لذلك نفهم لماذا كانت الجهود المبذولة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أكبر بكثير من حادثة الإسراء والمعراج، وكان تأثير الهجرة أكبر وأكثر أهميةً من حادثة الإسراء والمعراج، مع التأكيد بعظَمة الثانية وكثرة فوائدها. إن الله قادر على أن يُعفي عن الرسول – صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبي بكر – رضي الله عنه – كلفة السفر ومخاطرته، بنقلهما على ظهر البراق كما في الإسراء والمعراج، ولكن الله أراد من أمة الإسلام أن تتعلم بذل الجهد وسخاء التضحية وجرأة الإقدام في نصرة الدين، كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه من بعده. ولم تعوّل نصرة الدين على حصول مثل تلك الطريقة التي نجى الله بها بني إسرائيل من فرعون وملإه. فإن هذه الأمة أمة مجاهدة أراد الله لها أن تكون لها بصمات فعلية مشرّفة على صفحات تاريخها، ولم يرد الله أن تكون هذه الأمة مدلّلة متّكلة على كثرة الخوارق والتسهيلات.

إشارة إلى التدرج والنمو المستمر

إن ترتيب القصص في سورة الكهف يشير إلى تدرج أحوال المؤمنين من حيث الضعف والقوة. وإن قصص هذه السورة وقعت مع أشخاص مختلفين وفي أزمنة مختلفة، والله أراد بهذا الترتيب أن يشير إلى هذا النوع من التدرج، وهذا يفتح أفق التفكير نحو تحقيق نمط التدرج في نصرة الدين.

وقد أكرم الله محمدا وأصحابه بجمع كل تلك المراتب في فترة قصيرة، وقطعوا المراحل في زمن قياسي، بدؤوا ضعاف الحال بضع سنوات فلم يلبثوا حتى صاروا أقوياء منتصرين، ينشرون الدين في شرق الأرض وغربها. وقد أثبت الله في الإنجيل وصفهم بالنمو المطرد والنهوض المستمر، قال تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}[101]

والعجيب أن كل مراحل النمو والنهوض أدوها بكل صبر وهدوء، فلم يستعجلوا النتيجة قبل وقتها، ولم يقطفوا الثمار قبل نضجها، وكان رسولنا العظيم نهى المستضعفين من الصحابة مع شدة ما عانوه من التعذيب، نهاهم عن الاستعجال والتخلص السريع من المعاناة.

عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟

قَالَ: “كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”[102]

ومع هذا الصبر والهدوء وعدم الاستعجال فقد انتقلوا من مرحلة إلى التي تليها حتى بلغوا الذروة في نيف وعشرين سنة، بدأ من شخص واحد وانتهى إلى ظهور قوة تكسر كل القوى على الأرض.

إن انتقال الدعوة الإيمانية من مرحلة إلى أخرى مبني على تحقق متطلبات كل مرحلة، ومبني على المعطيات القائمة التي تستوجب التعاطي المناسب لها. فلم تكن المدة الزمنية هي المعيار في تحديد المراحل، ولكن المعيار هو مدى تحقق الأهداف وإحراز المكتسبات في كل مرحلة، وحيثية المعطيات التي يجب التفاعل معها والاستجابة لها. إن سر سرعة الوصول إلى الهدف يكمن في سرعة تحقيق ما يجب تحقيقه، وإنّ تأخُّر الاستجابة – بله عدم إدراك ما يجب فعله في كل مرحلة- يؤدي إلى إبعادهم عن بلوغ المطلوب.

وفي حديث خباب الآنف الذكر إشارة إلى أن مسيرة هذه الأمة لم تصل بعد إلى قمتها الموعودة. فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تمام أمر الإسلام هو إلى أن “يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ”، وهو أمر لم يتحقق بعد إلى وقت كتابة هذا السطر، فإن طريق ما بين صنعاء إلى حضرموت محفوفة بالمخاطر طيلة تاريخنا الطويل، وهو يعني إننا لم نصل بعدُ إلى حالة التمام الموعود، ولم تبلغ الأمة إلى قمة توسعها وذروة قوتها. وهذا الخبر ينضاف إلى أخبار أخرى كمثل فتح الروم[103] والانتصار على اليهود[104] وتحوّل الجزيرة العربية إلى المروج والأنهار بعد أن كانت صحراء قاحلة[105]، وغيرها من الأخبار الثابتة الصحيحة يدل على أن الأمة الإسلامية أمامها طريق صاعد ومستقبل واعد.

ومع ذلك فإن مثل تلك الأخبار لا تفيد النائم شيئا، سواء كان النوم مع الأحلام الوردية بتلك الأخبار الطيبة، أو كان النوم مع كابوس أخبار الفتن وأشراط الساعة ونهاية العالم. فإن المستقبل للعاملين لبنائه والصانعين لأمجاده.

وعظ الشرع في خوض المعترك السياسي

لقد سبق الكلام على أهمية تحصيل القوة وإفادتها للدفاع عن الحق ونصرة الدين، ولكن تحصيل القوة -خاصة إذا كانت المسألة تمس السلطة السياسية- تكتنفها قضية شائكة، لا يصلح فيها نظر سطحي أو كلام عام بلا تفصيل. إن الحقيقة كثيرٌ من يدعيها، وإذا قررنا أن الدفاع عنها يتطلب قوة سياسية وعسكرية، فإن هذا الكلام يُغرِي المحق والمبطل، ويشجع المخلص والمغرض، ويجتمع فيه الصادق والكاذب. وهذا الباب إذا لم يضبط يستغلّه صاحب هوى قبل أن يدخله مصلح مخلص.

لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يزهِّد الناس في الإمارة ويحذِّرهم من خطورة تحملها. ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: “يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا.”[106]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه وسلم يقول: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ.[107]

عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ،

فَقَالَ: “إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ.”[108]

وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا؟

قَالَ: “سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ.”[109]

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟

قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي،

ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا»[110]

هذه الأحاديث كلها تدل – بقوة وبوضوح – على تحييد الناس عن هذا المجال الخطير، وتزهيدهم فيه، وهذا التوجيه هو الأصل في عامة الناس لأن الولاية العامة لا تصلح إلا لقلة من الناس. إذا فُتح الباب على مصراعيه لتزاحم عليه الناس وتصارعوا من أجله، حتى لولم يجدوا إلا ثقبا ضيقا لحاولوا توسيعه والدخول فيه، ولكن إذا أغلق كليا لم يقم لولاية الناس وقيادتهم أحد، فهذا فساد كبير أيضا. فلذلك لم يكن ذلك النهي الذي وجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بلا استثناء، لأن حياة الناس ومصالحهم لا بد لها من راعٍ يرعاها، والبشر يحتاجون إلى قائد يقودهم، وحاكم يضبط أمورهم ، وقاض يبتّ في قضاياهم. والإسلام دين ينظم حياة الفرد والمجتمع على السواء، لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة  إلا  بطاعة، فمن سوّده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم.”[111]

وقال ابن تيمية رحمه الله: “إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض. ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم.”[112] رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم.”[113] فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة.”[114] اهـ

فتقلّد المناصب العامة من فروض الكفاية، ولكن هل يحصل ذلك بطلب من الشخص يسعى إلى السلطة أو بتعيين الناس له وإعطائه صلاحية عامة ترعى أمورهم؟

الأصل أن منصب الإمامة والقيادة والرئاسة وما شابه ذلك يحصل باختيار الناس له، وليس بطلب من الشخص أو سعي منه. كما يدل على هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا.” وقوله: “إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ.” لأن هذه الطريقة أسلم لمنع الطامعين الذين لم يقدّروا عِظَم المسؤولية ولم يعرفوا ثقل الأمانة.

والأصل أن الناس يجدون طريقا وآليات للوصول إلى أشخاص مؤهَّلين مخلصين لتلك المناصب العليا والمسؤوليات العامة. وإذا اختاروا لم يختاروا إلا الأكفاء المقتدرين، وليس الاختيار مبنيا على القرابة والمحاباة والمصالح الضيقة. فالفساد في هذا الباب لا يأتي من جهة الأشخاص الذين تبوّأوا تلك المناصب فقط، بل المسؤولية الكبرى تقع أيضا على عاتق ثلة من الناس الذين أتاحوا الفرصة وساعدوا على تسلّق الفاسدين، حتى لولم يكونوا هم الذين اختاروهم، فإن السماح باستمرار الفاسدين في البداية أيضا مسؤولية جماعية، ولا تبرأ ذمة الناس إذا قدروا على التغيير وإيقاف الفساد قبل تفاقم الأمر واستحكامه واستعصائه على كل محاولات التغيير.

وقد استدل البعض على جواز طلب المنصب بقول يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}[115] وهذا الاستدلال غير مسلَّم به، لأن يوسف عليه السلام لم يكن يطلب المنصب ابتداء، ولكنه رُشِّح من قبل الملك وطُلِب منه شخصيا، فقد قال تعالى في الآية التي قبلها تماما: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}[116] فمن الواضح أن يوسف عليه السلام، لم يكن هو الذي طلب المنصب، ولكن كان يختار المكان الذي رأى أنه الأقدر والأنسب والأصلح لذلك، وهذا بيّن جدا في سياق القصة.

الدليل الصحيح في جواز طلب المنصب هو حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، أنه لما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا.[117]

وهذا دليل صريح في عدم ممانعة من يطلب المنصب، إذا كان صالحا لذلك، ويعتبر هذا استثناء للقاعدة العامة التي قررتها الأحاديث السابقة التي تدل على عدم جواز طلب المنصب.

وليس الاستثناء هو الأصل. وهي تصلح في حالة خاصة تؤمن فيها الفتنة. وكان سبب هذا الاستثناء لعثمان بن أبي العاص – رضي الله عنه – أنه كان أحرص القوم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.[118] فإنه لما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عثمان بن أبي العاص أصغرهم سنا، وكانوا إذا أتوا رسول الله خلّفوا عثمان بن أبى العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن العلم واستقرأه القرآن، فإن وجده نائما ذهب إلى أبى بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام وأحبه رسول الله صلى الله غليه وسلم حبا شديدا.[119]

وهذا الأصل قد لا يكون مناسبا في حالة عزوف أكثر الناس عن تحمل المسؤولية العامة، فإذا عزف الناس عن تحمل المناصب، فترغيبهم للخوض في هذا المجال هو الأولى من تزهيدهم، وإذا كان أكثر الناس يرغبون بل ويتكالبون عليه فيجب تزهيدهم وتحذيرهم من خطر هذا المنصب، كما هو الأصل.

التوجه إلى المغرب، رحلة إصلاحات واكتشافات

ماذا فعل ذو القرنين بتلك القوة التي منحها الله إياه؟ إنه الرجل الصالح الذي لا يذكره الله إلا بخير، فلا يستخدم نعمة الله إلا في طاعته ورضاه سبحانه، فكما أن “المال الصالح للرجل الصالح”[120]، فإن القوة الصالحة أيضا للحاكم الصالح.

توجه ذو القرنين إلى مغرب الأرض بجيشه العرمرم، وسيواجه هناك اختبار العدل والإنصاف، وسيكتشف في رحلاته القادمة أمورا عجيبة، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}[121]

وقبل التطرق إلى ما قام به ذو القرنين في ناحية المغرب وما وجده هناك، نشير إلى لفتة مهمة انطوت عليها هذه القصة…

السبق العلمي لدى علماء المسلمين

إن هناك شرارة التفوق العلمي قدحها قول الله {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}[122]، فهذه العبارة فتحت لنا أفقا معرفيا لم يصل إليه غير المسلمين في زمنٍ ساد فيه الظلام على القارة الأوربية التي كانت ردحاً من الزمن حاملة راية العلم ورائدة التقدم الحضاري.

كان التصور البشري عن الكون والأجرام السماوية تصورا غاية في السذاجة، مبنيا على المشاهدة بالعين المجردة، وقد تلفّه أساطير عن آلهة في العالم العلوي يتحكمون في العالم السفلي، وكان الناس يحسبون في قديم الزمان أن الشمس تخرج من شرق الأرض وتغيب في غربها، لتختفي تحت سطح الأرض، ويعتقدون أن الأرض ثابتة مسطَّحة، كأنها جزء سفلي من الكون، والسماء هي الجزء العلوي الذي يغطي الفضاء.

إن تصورات الأمم عن الكون غلبت عليها الأساطير والمعتقدات الخرافية، يتصورون أن أجرام السماوات من الشمس والقمر والنجوم آلهة يستحقون العبادة بحكم قدرتهم على التصرف وتأثيرهم في حياة الإنسان.

وقد نزل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من سنة 610 م إلى سنة 632 ميلادية[123]، وهي داخلة في فترة سماها المؤرخون الغربيون العصور المظلمة. وهي مظلمة في الغرب ومضيئة في الشرق بفضل هذا الدين، وفي هذه الفترة لم يكن علم الفلك فيها مبنيا على الاكتشاف العلمي المتطور، ولم تغربل تلك التصورات الخاطئة عن الكون عموما وعن الشمس والأرض خصوصا، فهل تابع المفسرون تلك المعتقدات السائدة في ذلك الزمن؟ أم أن القرآن فعلا فتح العقول وأسس العلوم والمعارف؟

ماذا فهم الإنسان في القرن السابع الميلادي إلى الخامس عشر الميلادي عبارة أن “الشمس تغرب في عين أو في بحر”؟ علَمتنا المناهج الدراسية “المعلمنة” أن البشرية كانت تجهل نهائيا عن الأجرام السماوية وعن كروية الأرض وعن حجم الشمس، إلى أن جاء علماء عصر النهضة مثل كوبرنيك[124] وغاليليو[125] وأمثالهما. وهل كان ذلك صحيحا؟ أم أن علماء المسلمين من قديم الزمان كانوا على جانب كبير من التقدم العلمي والتطور المعرفي بحيث لا يستسلمون للمعتقدات السائدة في بناء بنيانهم المعرفي؟

لننظر ماذا يقول المفسرون القدامى في هذه الآية…

قال الإمام البغوي (المتوفى سنة 510 ه الموافق 1117 م): وَلَيْسَ معنى قَوْله: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الْكَهْف: 86]، أَنَّهَا تسْقط فِي تِلْكَ الْعين فتغمرها، وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَنِ الْغَايَة الَّتِي بلغَهَا ذُو القرنين فِي مسيره حَتَّى لَمْ يجد وَرَاءَهَا مسلكا، فَوجدَ الشَّمْس تتدلى عِنْدَ غُرُوبهَا فَوْقَ هَذِهِ الْعين، وَكَذَلِكَ يتَرَاءَى غرُوب الشَّمْس لمن كَانَ فِي الْبَحْر، وَهُوَ لَا يرى السَّاحِل كَأَنَّهَا تغيب فِي الْبَحْر، وَاللَّه أعلم. اهـ[126]

رغم أن ظاهر الآية قد يوحي بأن الشمس تغرب فتدخل في مياه العين، إلا أنه لم يكن واحد من المفسرين قال بذلك. لم يكن علماؤنا بتلك السذاجة، كما في العالم الغربي الذي حاربت الكنائس فيه كل تصور خارج فهمها القاصر للعالم والطبيعة.

والبيهقي (المتوفى سنة: 458 هـ): “… وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}[127]  أَنَّهَا تَسْقُطُ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَتَغْمُرُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنِ الْغَايَةِ الَّتِي بَلَغَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي مَسِيرِهِ حَتَّى لَمْ يَجِدْ وَرَاءَهَا مَسْلَكًا، فَوَجَدَ الشَّمْسَ تَتَدَلَّى عِنْدَ غُرُوبِهَا فَوْقَ هَذِهِ الْعَيْنِ، أَوْ عَلَى سَمْتِ هَذِهِ الْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَتَرَاءَى غُرُوبُ الشَّمْسِ لِمَنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ لَا يَرَى السَّاحِلَ، يَرَى الشَّمْسَ كَأَنَّهَا تَغِيبُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ تَغِيبُ وَرَاءَ الْبَحْرِ.[128]

فمن تكريم الله لهذه الأمة أن يحفظ الله عقلها ويرقيه، بل إن حفظ العقل هو من أهم ضروريات الشرع. فقد نفى الإمام ابن الجوزي (ت560هـ) بصراحة ذلك التصور القاصر الذي يمكن توهمه تجاه هذه الآية، قال رحمه الله: “وربما توهَّم متوهِّم أن هذه الشمس على عِظَم قدْرها تغوص بذاتها في عين ماءٍ، وليس كذلك. فإنها أكبر من الدنيا مرارا، فكيف يسعها عين ماء. [129]

وقد ذهب إلى أكثر من ذلك فقد أثبت أن الشمس أكبر بكثير من الأرض. وهذا يدل على استنتاج علمي متقدم بمقياس إمكانية ذلك الزمان، ويدل على سلامة علمهم من وهم العوام، وأكثر من ذلك فإنه نَقَل أقوال علماء ذلك الزمن نسبة حجم الشمس إلى حجم الأرض، حيث قال بعده: “… وقيل: إِن الشمس بقدر الدنيا [أي الأرض] مائة وخمسين مَرَّة، وقيل: بقدر الدنيا مائة وعشرين مَرَّة، والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة .[130]

ولا يضر أن تكون الحسابات في ذلك العصر لم تكن بالدقة التي وصل إليها العلم في هذا الزمان، فإن فلكيي هذا العصر قدّروا أن حجم الشمس يُقدَّر بـ1.412×1018 كم3، بينما يبلغ حجم الأرض 1.08321×1012 كم3، أي أنَّ حجم الشمس يساوي 1،300،000 × الأرض، وبذلك تتسع الشمس لحوالى مليون وثلث كرة أرضية، لأن المقصود هو التصور السليم بأن الشمس أعظم من أن تغمس في المياه فتغرب فيها.

ثم إن كروية الأرض لم تكن محل جدل عند علماء المسلمين منذ عهد بعيد، وقد عقد ابن حزم رحمه الله (ت 456 هـ/ 1064 م) في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل مطلبا في “بيان كروية الأرض”، وبيَّن فيه أن كروية الأرض مسألة متفق عليها عند علماء المسلمين، خلافا لعوام الناس، قال رحمه الله: “… وذلك أنهم قالوا إن البراهين قد صحت بأن الأرض كروية، والعامة تقول غير ذلك، وجوابنا وبالله تعالى التوفيق: إن أحدا من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها. قال الله عز وجل {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}[131] وهذا أوضح بيان في تكوير بعضها على بعض مأخوذ من كور العمامة وهو إدارتها، وهذا نص على تكوير الأرض ودوران الشمس كذلك، وهي التي منها يكون ضوء النهار بإشراقها وظلمة الليل بمغيبها، وهي آية النهار بنص القرآن قال تعالى: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً}[132] …”إلخ[133]

وتوارد القول بهذا الفهم عن غروب الشمس لدى المفسرين، هذا الإمام الرازي رحمه الله (ت606 هـ) يفصّل القول ويناقش في كيفية غروب الشمس وفقا للمعطيات العلمية في ذلك الزمان، يقول: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: {ووجد عندها قوما} ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: تغرب في عين حمئة من وجوه:

الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء، فقوله: {تغرب في عين حمئة} إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة.

الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة، وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفا قمريا فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل. ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار. فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق. بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث. ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار. وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات، كأن الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاما على خلاف اليقين. وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه.[134]

لذلك لم يتردد ابن كثير (ت 774 هـ) في معنى قوله تعالى: {وجدها تغرب في عين حمئة} أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه.[135] وفنّد التصورات التي تماثل المستوى الضحل الذي عليه أهل الكتاب من سوء الفهم وهرطقة التفسير، قال رحمه الله في قوله تعالى {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ}[136] “أي: فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم.”[137]

“ليست على ظاهرها”

ومع ذلك التفوق والسبق العلمي وحسن الفهم لدى علمائنا المتقدمين،  لا أننا لا نعدم من يصرّ على حمل الآية على ظاهرها الموهوم. ورغم أن ابن حزم، الذي هو إمام الظاهرية، كان من أوائل من دافع عن التصور العلمي الدقيق لهذا الآية التي يوهم ظاهرها بذلك التصور الخاطئ، إلا أن بعضهم تمسك بذلك الظاهر الموهوم، ظنا منهم أن الإيمان بقدرة الله المطلقة يشفعهم فيه، وأن بعض النصوص تؤيدهم. فقد انبرى الإمام الألوسي (ت 1270 هـ) في تصحيح هذا المفهوم، وأطال البيان في ذلك، ننقله هنا بطوله دفعا لتلك الشُّبَه التي قد يُؤتَى المسلمون من قبلها، فإننا بأمسّ الحاجة إلى تطهير العقول من أعراض التخلف العلمي والفكري لننطلق إلى ريادة الأمم وأستاذية العالم.

قال رحمه الله: “ومن الناس من زعم أن الآية على ظاهرها ولا يعجز الله تعالى شيء، ونحن نقر بعظم قدرة الله عز وجل ولا نلتفت إلى هذا القول، ومثله ما نقله الطرطوشي من أنها يبلعها حوت. بل هذا كلام لا يقبله إلا الصبيان ونحوهم! فإنها قد تبقى طالعة في بعض الآفاق ستة أشهر وغاربة كذلك، كما في أفق عرض تسعين، وقد تغيب في مقدار ساعة ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض كما في بلغاريا، في بعض أيام السنة. فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم، غاربة على آخرين بحسب آفاقهم. بل قال إمام الحرمين: لا خلاف في ذلك.

ويدل على ما ذكر ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: “الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من شرقها، وكذلك القمر.”

وكذا ما أخرجه ابن عساكر عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف، فقال: “إن الشمس إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها، فإذا طال الليل كثر لبثها في الأرض فيسخن الماء لذلك، فإذا كان الصيف مرت مسرعة لا تلبث تحت الأرض لقصر الليل فثبت الماء على حاله باردا.”[138] ولا يخفى أن هذا السير تحت الأرض تختلف فيه الشمس من حيث المسامتة بحسب الآفاق والأوقات، فتُسامت الأقدام تارة ولا تسامتها أخرى. فما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن قال: إذا غربت الشمس، دارت في فلك السماء مما يلي دبر القبلة، حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلع منه، وتجري منه في السماء من شرقها إلى غربها، ثم ترجع إلى الأفق مما يلي دبر القبلة إلى شرقها، كذلك هي مسخرة في فلكها وكذلك القمر،[139] لا يكاد يصح.

ويشكل على ما ذكر ما أخرجه البخاري عن أبي ذر قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها}[140].

وأجيب بأن المراد أنها تذهب تحت الأرض حتى تصل إلى غاية الانحطاط، وهي عند وصولها دائرة نصف النهار في سمت القدم، بالنسبة إلى أفق القوم الذين غربت عنهم. وذلك الوصول أشبه شيء بالسجود. بل لا مانع أن تسجد هناك سجودا حقيقيا لائقا بها… وعلى ما ذكر فالمراد بمستقرها محل انتهاء انحطاطها. فهي تجري عند كل قوم لذلك المحل ثم تشرع في الارتفاع.

وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارا لا نحيط به نحن، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها. انتهى

وبالجملة لا يلزم على هذا التأويل خروج الشمس عن فلكها الممثل، بل ولا عن خارج المركز وإن اختلف قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في ذلك الخارج.

نعم ورد في بعض الآثار ما يدل على خروجها عن حيزها، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: “أن الشمس إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة، وتحبس تحت العرش، فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع؟ ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة، فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء، فذلك حين ينفجر الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء، فذلك حين تطلع الشمس.” وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائر الممكنات وعدم امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقا، إلا أنه لا يتسنى مع تحقق غروبها عند قوم وطلوعها عند آخرين وبقائها طالعة نحو ستة أشهر في بعض العروض إلى غير ذلك مما لا يخفى فلعل الخبر غير صحيح.

وقد نص الجلال السيوطي على أن أبا الشيخ رواه بسند واهٍ ثم إن الظاهر على رواية البخاري ورواية ابن أبي شيبة ومن معه أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه سئل مرتين، إلا أنه رد العلم في الثانية إلى الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، طلبا لزيادة الفائدة ومبالغة في الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسّلام، والله تعالى أعلم.”[141]

علاقة بين البيئة والمجتمع

قال تعالى: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا}[142]

إن الإشارة الأهم التي لوّحت بها هذه الآية ليست في كيفية غروب الشمس ومعنى غروب الشمس في تلك العين، فهي واضحة وجليّة كما سبق، ولكن المعلومة الأهم هنا هي الإشارة إلى الطبيعة التي عاش فيها القوم الذي قابلهم ذو القرنين هناك.

وفي قوله تعالى “عين حمية” قولان بناء على قراءتين متواترتين، فقد قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «حَمِئَة» وهي قراءة ابن عباس.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «حَامِيَة» وهي قراءة عمرو، وعلي، وابن مسعود، وابن الزّبير، ومعاوية، وأبي عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، وأبي جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأعمش، كلُّهم لم يهمز.[143]

أما على القراءة الأولى تعني أنها عين ماء ذات حمأة،[144] والحمأة: الطين الأَسود المُنتن.[145] وأما على القراءة الثانية تعني عين ماء حارّة.[146] وليس بين القراءتين والقولين تعارض، قال الطبري رحمه: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه،[147] فقد تكون العين حارَّة وذاتَ حَمْأَة في نفس الوقت.[148]

والظاهر أن البيئة برية وليست بَحرِيّة كما خلص إليه العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله، قال: “الظاهر لديّ أنه ماء نهر، لا ماء محيط، لأنه ذكر أنه عين، وماء العيون في أكثر أحواله ليس ماء ملحا، وإن كان فهو معدني إلى العذوبة أميل، ولأنه ذكر عين حمئة، أي التي اختلط ماؤها بطين، وتلك تكون في الأنهار لا في البحار.”[149]

فهذه البيئة – بناء على تلك الفرضية- ليست صافية ولا معتدلة، فليس من الغرابة بمكان أن تكون طبيعة الناس فيها غير صافية ولا هادئة.

لعل في ذكر القرآن لهذه المظاهر البيئية تنبيها إلى هذا النوع من العلاقة، وخاصة وقد مررنا بأنماط متعددة من عمليات الإصلاح والتغيير، بدءا من قصة أصحاب الكهف التي كانت في غاية الضعف والمحدودية إلى أن وصلنا إلى قصة ذي القرنين التي كانت في ذروة القدرة والتمكن. فلا بد من الربط بين أوضاع الناس وأحوالهم والطريقة المناسبة للمعالجة وفقا للمعطيات القائمة. ولعلنا بحاجة إلى تقليب النظر كرات وكرات لنكشف أكثر عن هذه العلاقة، فإنه علم دقيق ونفع غزير، أن يتأمل الإنسان في طبائع الكون وتأثيرها على طبائع الشعوب.

وهي إشارة إلى ما لحظه ابن خلدون ومن بعده من علماء الاجتماع من تأثر البشر بالبيئة والطبيعة التي يعيشون فيها. وهو علم مهم قصّر فيه المسلمون، ووقفوا عند ابن خلدون، بينما بنى الآخرون عليه وطوروه. إلا أن علم الاجتماع بعد ابن خلدون ابتعد كثيرا عن طابعه الإسلامي، بل واعتبر الأديان – كلها بلا استثناء – ضربا من تخلف الماضي وواسطة بين الخرافة والعلم. فنشأ علم الاجتماع بعد ابن خلدون رحمه الله مضادا للدين ومنكرا للوحي. فمن هنا لا بد من التنبيه والتنويه بضرورة قيام علماء المسلمين في تصحيح مسار هذا العلم الذي خرج عن أصوله واقتلع من جذوره.

اختبار السلطة

في هذه البقعة من الأرض عُرض على ذي القرنين خياران، إما التعذيب وإما الإحسان، قال تعالى: {قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}[150]

وفي قوله { قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ} هنا احتمالات: إما يقصد منه أن الله ألقى في نفس ذي القرنين هاتين الفكرتين، فتردد في نفسه حتى قرر ما قرر، وإما أن الله أخبره عن طريق نبي من الأنبياء كان معه، وإما أن الله أوحى إليه كما أوحى إلى الأنبياء. لذلك قيل إن ذا القرنين كان نبيئا يوحى إليه، فيكون القول كلاما موحى به إليه يخيّره فيه بين الأمرين، مثل التخيير الذي في قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}[151]، ويكون قوله: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} جوابا منه إلى ربه. وقد أراد الله إظهار سداد اجتهاده كقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}[152].[153]

وقد ذهب الإمام الألوسي إلى أن ظاهر الآية تدل على نبوة ذي القرنين، لكن هذا الظاهر مرجوح بسبب الأخبار الدالة على خلاف ذلك. [154]

ولا يضر أي القولين هو الصواب، ففي كلتا الحالتين لم يخرج ذو القرنين عن إرشاد الوحي، إما مباشرة وإما عن واسطة نبي.

واللافت للنظر أن الوحي لم يكن حاسما في توجيه ذي القرنين، بل خيّره بين أمرين. ففي هذا اختبار لمدى نصح وإخلاص ذي القرنين لرعيته ولدعوته. ولعل في هذا إشارة إلى سعة الخيارات المتاحة في مجال السياسة الشرعية. وجوّز بعض المفسرين حمل “إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ” على التوزيع دون التخيير، والمعنى على ما قيل: ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان.[155]

والذي عليه الجمهور أنهم كانوا كُفّارا فخيّره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإيمان.[156] وزعم ابن السائب أنه كان فيهم مؤمنون وكافرون.[157] ورأى الفخر الرازي أن هذا التخيير يدل على أن القوم كانوا كفارا، فخيّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم، وبين المنّ عليهم والعفو عنهم. وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين، كما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين المن على المشركين و بين قتلهم.[158] قال إبراهيم بن السريّ: خَيَّره بين هذين كما خَيَّر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال : {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}[159].[160] وقال ابن كثير: أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم، وأظفره بهم، وخيره إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى. فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه.[161]

ومن رجاحة رأي الحاكم أن يحسن استخدام الخيارات المتاحة لديه، وكان بإمكان ذي القرنين الاكتفاء بأحد الخيارين ويريح نفسه، لكنه عمد إلى الأصلح للناس وتحرى الأنسب لأحوالهم، واستقصى كل الخيارات المعروضة أمامه لتحقيق أكبر قدر من المصالح ودفع أكبر قدر من المضار.

{قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا}[162]

لقد جمع ذو القرنين بين العدل والإحسان، وبين القوة والرحمة…

واختار العدل بدل الظلم…

واختار الأفضل بدل الأسهل …

واختار التمييز بدل التعميم…

واختار الإحسان بدل الإهمال…

 

العدل قوة واستمرار للملك

أما عن العدل فإن ذا القرنين قرر أن يعامل كل شخص بما يستحقه وما يصلحه، لا بما يشتهيه أو ما تمليه عليه مصلحته الشخصية أو رغبته في إظهار القوة وفرض السيطرة وتحصيل المغانم. فإنه صاحب رسالة، وحامل راية الدعوة، وقائم على نصرة الدين ودعوة الإيمان.

فقد بدأ أعماله بمعاقبة الظلم، وإزالة الفساد، وهو أول وأهم عمل يقوم به حاكم مسلم. والعدالة أهم عناصر بقاء الدولة على الإطلاق، وأهم ما يوصف به الحكم والحاكم هو العدل، وكما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة.”[163] وقال في موضع آخر: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.” [164]

ومن القوانين العمرانية الخلدونية: أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وعلل ابن خلدون ذلك بأن عمران الدولة وازدهارها مرتبط برغبة الناس وسعيهم في كسب مصالحهم فيعملون من أجل ذلك وتعلقت آمالهم بتحصيلها تحت ظل النظام القائم. فإذا كان النظام لا يضمن لهم الحق في تحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. [165]

وأضاف ابن خلدون بأن الظلم المسبِّب للخراب ليس مقتصرا على أخذ المال أو المِلك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقاً لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله.[166]

وعدالة الدولة درجات، أقلها أن يكون الحاكم عادلا في حكمه وسياسته، والأفضل من ذلك أن تسعى الدولة إلى نشر العدالة بين الناس، فلا تقتصر العدالة في أجهزة الحكم وقراراته فحسب، بل تكون العدالة والإنصاف جزءا متأصلا من ثقافة الناس وشائعة في حياتهم اليومية. فالدولة الفاضلة لا تقتصر على إصدار الأحكام بل تسعى أيضا إلى نشر القيم والدعوة إلى الفضائل.

الأفضل لا الأسهل

إن شأن العظماء دائما السعي نحو أفضل ما يقدر عليه وأحسن ما يمكن فعله، ومِن نُصح الحاكم لرعيته أن يتحرى ما هو أصلح لهم وأنفع. والإمارة مهمة شاقة، وأمانة ثقيلة، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[167]

وأمانة ولاية الناس وإمامتهم أثقل الأمانات، إذا لم يجتهد الحاكم في تحري ما هو أصلح لهم حُرم من دخول الجنة معهم. عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: “مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمْ يَحْتَطْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهم الْجنَّة.”[168]

من أحب حياة الراحة وركن إلى الخيارات السهلة لم يصلح لهذه المهمة وليس أهلا لهذه الأمانة.

لم يكن ذو القرنين من النوع الذي يتساهل في أداء الأمانة، ولم يعمد إلى الخيار الأسهل ليبرئ ذمته. لم يَبنِ حكمه وقراره على ما يعود عليه بالمصلحة، بل كانت سياسته قائمة على تقديم الأفضل واختيار الأصلح.

التمييز والتفصيل

خُيِّر ذو القرنين بين أمرين، {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}، وكان يسوغ له أن يأخذ بأحد الخيارين بناء على الحكم الغالب، يعني أن يبني على حالة أكثر الناس، إن كان أكثرهم ظلمة كفرة كان بإمكانه أن يعمّم العقاب على الكل، وهو أمر اعتاد عليه الحكام والملوك.

وقد يجد له مبررا لذلك، وفي قواعد الشرع ما يسوِّغ ذلك، فمن القواعد الشرعية: “العبرة للغالب الشائع لا للنادر،”[169] وهناك عدد من القواعد الفقهية وعبارات الفقهاء ما يمكن أن يستند إليه أمثال: “العبرة للغالب الأعم”، و”النادر لا حكم له”، و”الأقل يتبع الأكثر”، و”للأكثر حكم الكل”، و”الترجيح بالكثرة” إلخ…[170]

ولكن ذا القرنين بدل أن يتجه هذا الاتجاه، اختار ما هو أحسن منه وأحكم، اختار التمييز بدل التغليب، واتجه للتفصيل بدل التعميم. وهذا يكلّفه جهدا أكثر، ولكنه أبرأ لذمته وأصلح لرعيته.

والبشر في الحقيقة ليس أرقاما يمكن تجاهل القلة تغليبا للكثرة دائما، وإن جاز ذلك في حالات كثيرة، فإن الأصل أن كل إنسان له قيمته واعتباره. وكلما أمكن التمييز لا يتجه إلى التغليب، وإذا تيسر التفصيل لا يلجأ إلى التعميم.

{ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا}[171]

وليس من العدالة أن يساوى بين ظالم وغيره، وبين مؤمن وغير مؤمن. وبهذا القرار سلم ذو القرنين من مقارفة الجور والتعسف في استعمال صلاحيته.

“العدالة السلبية والعدالة الإيجابية”

يحسب بعض الناس أن تطبيق القوانين – مهما كانت – فيه كفاية لإقامة العدل، وأن محاسبة ومعاقبة المخالفين تكفي لرعاية الحقوق وبناء مجتمع عادل. وهي نظرة قاصرة، وهي من السلبيات التي تؤاخذ عليها القوانين الوضعية. فإن القوانين في الغالب تعاقب المسيء ولا تجازي المحسن، فهي تحدق النظر نحو المخالفين لكنها تهمل الملتزمين.

وقد تجاوز ذو القرنين هذه السلبية منذ قديم. فإنه لم يكتف بمعاقبة الظالمين، لكنه إضافة إلى ذلك اهتم بمكافأة المحسنين ومعاملتهم بالحسنى، قال: { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [172]

فالدولة التي أقامها ذو القرنين ليست دولة عادلة فحسب، لكنها أيضا دولة محسنة. وسنرى ما هو أكثر من ذلك في سياسته مع شعوب المشرق وشعوب ما بين السدين.

بين العدالة الشكلية والعدالة الحقيقية

من العيوب في تطبيق القوانين أيضا هو الاقتصار على الدلالة الحرفية، ولم يجتهد الحاكم في تحقيق مقاصدها والنفاذ إلى حقيقتها وروحها. وما أكثر الأحكام الجائرة التي تصدر بلباس القانون والشرعية الموهومة، بناء على ظاهر النص متجاهلة معناه ومهملة مقصده!

إن النص الذي تلقاه ذو القرنين هو “إما أن تعذّب، وإما أن تتخذ فيهم حسنى”، فلو كان ذو القرنين حرفيا في فهمه لوقف عند التعذيب فقط أو الإحسان فقط. لكن روح العدالة والإحسان أمر يقصده كل ضمير حي ويعرفه كل عقل سليم. فهكذا يجب أن يكون الحاكم المسلم.

مطلع الشمس

واصل ذو القرنين رحلاته إلى ناحية المشرق، قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا}[173] أي طريقا آخر يوصله إِلى المَشْرِق، كما قاله ابن الحوزي وغيره. [174]

{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا}[175]

مطلع الشمس هو مشرق الأرض بلا خلاف، لكنهم اختلفوا في معنى عدم سترهم من الشمس، على قولين: الأول، أنهم هؤلاء القوم يسكنون في منطقة مفتوحة منسبطة، لا جبل فيها ولا بناء ولا شجر مما يمكن يحميهم من حر الشمس، والقول الثاني: أن هؤلاء قوم عراة، مكشوفة أجسادهم أمام ضوء الشمس. وقد جعله الإمام الماوردي هذه الصورة في سياق واحد يجمع كل تلك الصفات، قال رحمه الله في قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً } يعني من دون الشمس ما يسترهم منها من بناء أو شجر أو لباس.[176]

وقد زاد العلامة عبد الرحمن السعدي معنى ثالثا لعدم سترهم عن الشمس، فقد رأى أن كونهم ليس لهم ستر من الشمس، إما لعدم استعدادهم في المساكن، وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، لا تغرب عنهم غروبا يذكر.[177]

وهذا الاحتمال الأخير الذي ذكره – رحمه الله – لم يسبق إليه، فيما أعلم، لكنه احتمال قائم معتبر، إذ يحتمل أنهم من سكان القطب الشمالي والمناطق المجاورة له التي لم تغب عنها الشمس في الصيف. وإن كان الشيخ مثّل بشعوب إفريقية الجنوبية.

وفي هذه الآية أورد بعض المفسرين قصصا غريبة عن وصف هؤلاء القوم، لم تستند إلى مصدر موثق، وقد سايرها بعضهم معتذرا له كالإمام الماوردي إذا يقول: “وهذه الأسماء والنعوت التي نذكرها ونحكيها عمن سلف إن لم تؤخذ من صحف النبوة السليمة لم يوثق بها, ولكن ذُكِرتْ فذكرتها.”[178] ومثله قول الألوسي: “… أن مثل هذه الحكايات لا ينبغي أن يلتفت إليها ويعول عليها وما هي إلا أخبار عن هيان بن بيان يحكيها العجائز وأمثالهن لصغار الصبيان.”[179]

وإننا في غنى عن مسايرة ذلك النمط من المعلومات التي لا تتصف بالوثوق ولا الصحة. ويكفينا تلك الاحتمالات التي ذكرها المفسرون بناء على نص الآية. أما القصص التي لا زمام لها ولا خطام فإنها ستضيّعنا وتذهب بنا إلى مجاهيل لا نهتدي بها إلى المقصود.

معرفة أحوال الشعوب

ما وجده ذو القرنين في المشرق هو شعب تختلف طبيعة حياتهم عن غيرهم، وأهم ذلك الفارق أنهم يتعرضون للشمس كثيرا، ولا يكاد يسترهم عنها شيء، إما بسبب الطبيعة المفتوحة، أو انعدام العمران، أو التخلف الحضاري لديهم، فكل ذلك وارد.

وقد تعرّفنا على طريقة القرآن في إطلاق الإشارات المجملة والإعراض عن التفاصيل التي لا تهم كثيرا في هذا السياق. وإذا كان القرآن اختار الإجمال في بيان مواصفات هؤلاء القوم، فإن القرآن تعمد أن يوقفنا على الاحتمالات المتعددة، وتحديد أحد هذه الاحتمالات دون غيرها قد لا يكون مطلوبا بالدرجة الأولى، وإن هذه الإشارات المفتوحة أنفع لنا من تحديد أحدها، لأنها تجعلنا نبحث عن أرجاء مختلفة من العالم تنطبق فيها هذه الصفات.

وكما قال ابن عاشور: وفي هذه الحالة عبرة من اختلاف الأمم في الطبائع والعوائد وسيرتهم على نحو مناخهم.[180]

إن الطبيعة المفتوحة التي تُعرِّض الناس إلى الشمس كثيرا تنطبق على البيئة الصحراوية وعلى السهول المنبسطة وسط آسيا وأفريقيا، وأستراليا، فهناك شعوب تعيش في الصحارى، وهناك شعوب تعيش في السهول المنبسطة المفتوحة، وأكثرهم يعيشون في الخيم أو الأكواخ، بعضهم يتنقلون كالبدو الرحّل، وبعضهم يثبتون في أماكنهم إذا سكنوا قريبا من الماء، إما نهرا أو عينا أو بئرا.

أما الشعوب العارية التي لا يهتدون إلى صناعة الملابس أو اقتنائها، فإنهم يعيشون إما في الغابات النائية أو الجبال المعزولة.

وعلى القول بأن المقصود أن الشمس لا تغرب عنهم إلا قليلا، فهي حالة فترة محدودة من السنة، في جزء محدد من الأرض، وهي تنطبق على منطقة القطب الشمالي وما جاوره من شمال أوربا، وسهول سيبيريا وأجزاء شمالية من كندا حاليا.

وجمع كلَّ تلك المناطق والشعوب في ذلك الزمان حالةُ التخلف الحضاري. وتحضّر البشر ينقلهم من حالة الاستسلام لقساوة الطبيعة إلى حالة التغلب عليها واصطناع الوسائل الواقية من قساوتها وضراوتها. فالشعوب المتحضرة يتّقون الشمس إما ببناء البيوت الثابتة واختيار الطبيعة المناسبة وصناعة الأدوات والوسائل التي تيسر حياتهم وتسهل معيشتهم.

إن ذا القرنين وجماعته كانوا أكثر تحضرا من كل الشعوب الذين لاقوهم، فليس التفوق الذي حظي به ذو القرنين مقتصرا على المجال العسكري فحسب، بل كان هو وجماعته أرقى ثقافة وقيما وتمدنا، يدل على ذلك تلك الصفات التي استنتجناها، فكان يقوم بالدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح مستخدما كل إمكاناته المتقدمة، والحركة الدعوية أكثر تأثيرا وأقوى فاعلية مع التفوق التقني والعلمي والمادي.

إشارات بين العين الجارية والشمس الحارقة

ومن الإشارات التي أطلقها القرآن في وصف الشعبين المذكورين، أن الشعب الأول عندهم وفرة في الماء لأنهم يسكنون عند العين الجارية، وإن كانت مخلوطة بالطين، أو كانت بالغة السخونة. بينما الشعب الثاني عندهم وفرة بالغة في ضوء الشمس، وإن لم يهتدوا إلى الاتقاء من حرها. وإن الماء والشمس من أهم مقومات العيش على الأرض، لكنهما لم يستفرغا وسعهما في الاستفادة المثلى من مطعيات الطبيعة التي توفرت لهما، فكان عدم الصفاء وعدم الاعتدال شكّلا إشكالات نفسية واجتماعية عند شعب مغرب الشمس، وكانت قسوة الطبيعة وعدم ابتكار الوسائل المعيشية المناسبة لهم هي إشكالية شعب مطلع الشمس.

إن الشعوب التي تنجح في بناء حياتها وتشييد صرح حضارتها هي التي تهتدي إلى الطرق المثلى في الاستفادة من معطيات الطبيعة التي تعيش فيها، إن عطاء الطبيعة المحيطة بنا يمكن أن تكون نافعة ويمكن أن تكون ضارة. وإن الرؤية الإيجابية والأفكار الإبداعية هي التي أخرجت الناس من مآسيها إلى معاليها، وهي التي فتحت العقول وطورت الحياة.

إن وفرة الماء عطاء رباني عظيم، يحرم منها كثير من الناس، ويُعطاها كثير من خلقه، ولكن هذه دار الدنيا دار ابتلاء، فلا تخلو الحياة من عنصر صعوبة وقدر من الخلط، والإنسان الناجح ليس ذلك الذي لا يجد صعوبة في حياته، والذي توفرت لديه كل التسهيلات، وخلت طريقه من المعوقات، كلا، بل كل إنسان له حظ من الصعوبة والمعوقات، لكن الناجح هو الذي انشرح صدره لمواجهة التحديات وتشجّع لإزاحة المعوقات.

والشمس مصدر الطاقة لكل كائن حي في هذه الأرض، وهو مما قرره علم الأحياء. وتوفُّر ضوء الشمس نعمة منحها رب العالمين لخلقه، وكل ما على الأرض خلقها الله من أجل الناس، {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ}[181]، الطقس فيها يتفاوت من شديدة الحر إلى شديدة البرودة، لكنه لا يخرج عن قدرة البشر على العيش فيه. فهذا الكوكب الوحيد – على حدود معرفتنا المحدودة – الذي تتوفر فيه مقومات الحياة. إن الشمس نعمة، والظل الواقي من حر الشمس جزء مكمل لهذه النعمة، امتن الله به في كتبابه العزيز، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}[182] وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا}[183]

وهؤلاء القوم الذين لم يجعل الله لهم سترا من الشمس، إذا كان السبب هو انبساط الطبيعة وخلوها من الأجسام الواقية، فعليهم أن يتكيفوا مع هذا الوضع ببناء المباني وصنع الخيم والملابس، أو أن يتحينوا الأوقات التي خف فيها ضوء الشمس. فالظروف الطبيعية لم تكن حائلة من ممارسة الحياة السليمة. وأما إن كان السبب هو عدم معرفتهم لصناعة الملابس وبناء البيوت أو الخيم، فالعائق الفكري ليس عذرا، وقد فضّل الله البشر على سائر الخلق بالعقل.

الثروة الفكرية قبل الثروة المادية

ومن هنا نعرف أن الثروة الحقيقية هي ثراء الفكر والعلم، أما الثروات الطبيعية بلا ثقافة ولا فكر ولا علم فهي فقر حقيقي، وقد رأينا كثيرا من الشعوب المتقدمة يعيشون في مناطق لا توجد فيها وفرة من الثروات الطبيعية، لكنهم بحرصهم على التقدم، وبتفوقهم العلمي وثرائهم الفكري يفوقون كثيرا تلك الشعوب التي يعيشون على أراضٍ غنية بالثروات الطبيعية القابعة على سطحها والمودعة في بطونها.

إنها الثروة الفكرية والقدرة العقلية، وبه نعلم لماذا بدأ الله تهيئة المسلمين لمهمة الدعوة والريادة بقوله تعالى: {اقْرَأْ}[184]

ومن أهم أقوال مالك بن نبي رحمه الله، قوله: “لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار.”[185]

المشتركات الإنسانية

ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا}[186] فقوله تعالى: “كذلك” يعني مثل ذلك، وهو يدل على الإلحاق والتسوية، ولكن إلحاق ماذا بماذا؟ وتسوية أي شيء بأي شيء؟

قال ابن عطية: وقوله “كَذلِكَ” معناه: فَعَل [أي ذو القرنين] معهم كفعله مع الأولين أهل المغرب، فأوجز بقوله “كَذلِكَ”.[187] يعني أن سياسة ذي القرنين وحكمه في كلا الشعبين واحد، فهو يعاقب الظالمين ويكافئ المحسنين، وهذا يدل على اتحاد المعايير في الحكم والتزام الثوابت ووضوح الرؤية.

وهي – كما استشفه العلامة المجدد محمد أبو زهرة رحمه- إشارة إلى ما كان منه أولا من إقامة العدل، ووضع الموازين العادلة بينهما. والتشبيه هو بين ما قام أولا في المغرب وبين ما يقوم الآن، أو ما يجب أن يقوم به الآن في المشرق، أي أنه بمقتضى ما وهبه اللَّه تعالى من مواهب القوة والقدرة على التنفيذ والشعور بالعدالة الواجبة، ووضع موازين قد كلفه مرة ثانية في المشرق أن يصلح ويدفع الفساد في المشرق، كما أصلح في المغرب، وهكذا يهب اللَّه البشرية في بعض الأزمان رجلا صالحا ينشر العدل والإصلاح ويمنع الفساد، وفي بعض الأزمان يختبر اللَّه تعالى الناس ليظهر الخبيث من الطيب ببعض رجال الفساد – أو دول الفساد – يسيطر، فيضل ويفسد كما نرى في عصرنا ولا حول ولا قوة إلا باللَّه تعالى.[188]

مبادئ العدالة والقيم الإنسانية المشتركة لا تختلف من المغرب إلى المشرق رغم ما بينهما من مسافة بعيدة، ورغم ما بينهما من اختلاف الطبائع، فالعدالة مطلوبة في كل مكان، والظلم مذموم عند جميع البشر، والإحسان محمود في كل الأعراف.

هذا على أن اسم الإشارة “كذلك” تعود إلى فعل ذي القرنين في الشعبين، وللمفسرين في معنى “كذلك” هنا أقوال، كما ذكرها ابن الجوزي أن فيه أربعة أقوال: أحدها: كما بلغ مَغْرِب الشمس بلغ مطلعها. والثاني: أتبع سبباً كما أتبع سبباً. والثالث: كما وجد أولئك عند مَغْرِب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم. والرابع: أن المعنى: كذلك أمْرُهم كما قصصنا عليك.[189] وللإمام الرازي رحمه الله أقوال مقاربة لتلك المعاني المذكورة.[190]

ويمكن أن نخلص من خلالها أن هذه إشارة إلى المتشابهات والمتماثلات بين الأقوام، مما يمكن القياس عليها، ويصلح أن تكون مبادئ مشتركة وحقائق متماثلة، حتى لا يتوهم متوهم أن بُعد المسافة واختلاف الطبائع وتنوع الأعراف وتعدد الثقافات، يوجب الاختلاف في كل الأمور، والتغير في كل الجوانب، فإنما من الحقائق الكونية والأحوال البشرية ما لا يختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص.

وهذا مبدأ مهم في معرفة البشر. فالناس في هذا على طرفي نقيض ووسط، فمنهم من جعل البشر على طبيعة واحدة وحكم واحد، ولم يعتبروا الاختلاف والفروق بينهم ألبتة، ومنهم من جعل كل الأمور نسبيا، ومتغيرا، ولم يعترفوا بشيء ثابت قط. والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء.

إشارة إلى العظمة

ثم قال الله تعالى معظِّما ما لدى ذي القرنين من الإماكات والإنجازات، بقوله: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا}[191] أي: وقد أحطنا بما عند مطلع الشمس علما لا يخفى علينا ما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم ولا من غيرهم شيء.[192] وبه أخبر الله تعالى عن إحاطته بجميع ما لدى ذي القرنين، وما تصرف من أفعاله.[193]

إن ذكر علم العليم بما يشعر عطمة المعلوم أسلوب من أساليب التضخيم والتعظيم، لذلك قال أبو السعود في هذه الآية: يعني أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علمُ اللطيفِ الخبير.[194]

ولم يمكَّن ذو القرنين من السيطرة على هؤلاء الشعوب إلا بتفوقه وتفوق جيشه على غيرهم، فهي إشارة إلى عظمة ما أعطاه الله لذي القرنين وجيشه من التفوق المعنوي والمادي، وقد جنح إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير إذ فسر الآية بقوله: أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض.[195]

ولمح الأستاذ محمد أبو زهرة رحمه الله جانبا آخر من هذه الإشارة، قال: “وإن ما يستقبل ذا القرنين في مطلع الشمس أقوى وأشد مما استقبله في مغربها، وذلك لجهلهم، وعدم درايتهم وبداوتهم؛ ولذا قال تعالى: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا}، أي أحطنا بحاله والواجبات عليه وكفايته لها وما تستلزمه حال الأقوام من واجبات على الحاكم يقوم بها، ولا يتوانى عنها، أحطنا علما دقيقا بذلك، وهو علم الخبير العليم… والمقصود الظاهر من النص أن اللَّه إذ كلف ذا القرنين ذلك التكليف هو محيط علما دقيقا بما لديه من قوى عقلية ونفسية وطاقة قادرة على ما كلف ومحيط بما يحتاج إليه ما كلفه من جهد في علاج هذه التكليفات.”[196]

بين مُلك ذي القرنين ومُلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم

بلغ ملك ذي القرنين المغرب والمشرق، وهو إنجاز لم يحظ به قبله غيره. ومن تكريم الله للأمة الخاتمة أنها تقوم بنشر الدين مرورا بكل تلك المراحل التي رأيناها في هذه السورة، وكما أنها مرت بفترة الضعف والاضطهاد، ثم الصحوة ثم النهضة، فإنها ستصل إلى ذروتها في سعة الانتشار بإذن الله، وسيبلغ ملك أمة محمد صلى الله عليه وسلم مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم. كما في المسند وسنن أبي داود وصحيح ابن حبان عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ زَوَى لِي الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.[197]

نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل مشرق الأرض ومغربها، بل قال “مشارق الأرض ومغاربها” لأن انتشار الإسلام لا يقتصر على جهة محددة، بل كل بقعة من هذه الأرض ستصلها دعوة الإسلام بإذن الله، يؤكد ذلك حديث تميم الداري، إذ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ.[198]

ومما يساعد على انتشار الإسلام توفر تكنولوجيا الاتصالات المتطورة في هذا الزمان، وستشهد الأيام تطورات أكثر في هذا المجال. ولكننا لا نحتاج إلى تفاؤل كسول، يتوقع الخير ولا يعمل لتحقيقه. بل هذه الأخبار تشجع على الاجتهاد والعمل بمعنوية عالية من أجل نشر هذا الدين. وإذا كان زمام التطور والتفوق المعرفي والمعلوماتي في أيامنا هذه ليس بأيدي المسلمين، فينبغي أن نجتهد من أجل تغيير هذه الموازنة.

ثم إننا لسنا بصدد ظهور نمط قديم من السيطرة والتحكم، يبرز فيه شخص واحد وبقية الناس له تبع، بل الأدوار ستتوزع على الأشخاص والشعوب، وقد تشَارَك في شغل هذا المجال أفراد وجماعات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في شتى بقاع الأرض. وهي حركة وتيار غير قابل للتراجع، بل تدل كل المؤشرات على تناميها وتسارعها. وقد اتفقت كل الدراسات والأبحاث على أن الإسلام هو أسرع الديانات انتشارا في هذا الزمان، ولله الحمد.

ما بين السدين

ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا . حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}[199]

لقد جاب الأرض من المغرب إلى المشرق، ثم ماذا بعد؟ لم يبق إلا أن يتجه إلى الشمال أو الجنوب، وتكاد تجمع أقوال المفسرين على أن منطقة ما بين السدين هي في جهة الشمال، وهو الذي رجحه الرازي رحمه الله.[200]

والسَّد والسُّد جميعا: الحاجز بين الشيئين، كما قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري.[201] ورأى أنه لا فرق في المعنى بين السَّد بفتح السين والسُّد بضمها.[202]

وحسّن صاحب الصحيح المسبور ما أورده الطبري عن قتادة أنهما جبلان.[203] وروي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أنه بين أرمينية وأذربيجان.[204] لكنها رواية مقطوعة لا يمكن الاعتماد عليها، وقد شكّ الإمام الألوسي في صحتها.[205]

ولا يكاد المفسرون يخرجون في تحديد موضع السدين عن قولين ذكرهما الماوردي: أحدهما: فيما بين إرمينية وأذربيجان، والثاني: في منقطع التُّرك مما يلي المشرق.[206]

وحكى الرازي عن أبي الريحان قوله: “مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي الغربي من المعمورة، والله أعلم بحقيقة الحال.”[207] وذلك بناء على الرواية التي أوردها الطبري في تاريخه أن حاكم أذربيجان أيام فتحها وجّه إنسانا إليه من ناحية الخزر فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق منيع.[208] والخزر مملكة قديمة تدين باليهودية تقع شرقي أوربا جنوبي روسيا.

وذكر في كتاب المسالك والممالك أن الخليفة العباسي الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه، وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبِن من حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع، أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند.[209]

وباب الأبواب لقب لمدينة فيما يعرف الآن بداغستان. وهي أيضا تقع   شرقي أوربا جنوبي روسيا. وضعف الألوسي هذه الرواية، قائلا: ” فثقات المؤرخين على تضعيفه، وعندي أنه كذب.[210]

ورأى ابن عاشور أن موضع السدين هو الشمال الغربي لصحراء قوبي (Gobi) الفاصلة بين الصين وبلاد المغول شمال الصين وجنوب منغوليا.[211]

وكل تلك الأماكن تقع في شمال الكرة الأرضية، جانحة إلى الشرق أكثر منها إلى الغرب. وقول أبي الريحان أنه في الشمال الغربي من المعمورة فذلك مبني على التقسيم الجغرافي في ذلك الزمان. أما في عصرنا الحالي فدول مثل أذربيجان وأرمينيا تعتبر داخل قارة آسيا.

وتلك المناطق الممتدة من شرق أوروبا إلى شمال شرق آسيا، كانت يسكنها قبائل معروفة بالعدوانية والوحشية، كالمغول[212] والتتار[213] والهون[214] والقوط.[215] وقد سجل التاريخ القديم والوسيط تلك الإغارات الساحقة والكاسحة من شعوب تلك المنطقة على المناطق المجاورة لهم وحتى البعيدة عنهم.

صعوبة التواصل وعائق التفاهم

في ذلك المكان المنزوي بين جبلين، وهما سدان طبيعيان، يسكن أناس لا يجيدون التفاهم، وصفهم الله بـ {قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}[216] أي: لا يكادون يفهمونه،[217] والسبب لأنهم لا يعرفون غير لغتهم[218] إما لاختلاف اللغة وبعدها عن اللغة التي استخدمها ذو القرنين وقومه وإما لقلة فطنتهم لأساليب التعبير وأدوات التفاهم. [219]

وليس معنى “لا يكادون يفقهون قولا” أنهم لا يقدرون على الفهم والتواصل نهايئا، بل يحصل ذلك بصعوبة، بدليل أنهم خاطبوا ذا القرنين وخاطبهم ذو القرنين. وخرج الإمام الرازي فيه مخرجين: الأول: أن إثباته نفي، ونفيه إثبات، فقوله: “لا يكادون يفقهون قولا” لا يدل على أنهم لا يفهمون شيئا، بل يدل على أنهم قد يفهمون على مشقة وصعوبة. والثاني: أن كاد معناه المقاربة، وعلى هذا القول فقوله: لا يكادون يفقهون قولا أي لا يعلمون وليس لهم قرب من أن يفقهوا. وعلى هذا القول فلا بد من إضمار، وهو أن يقال: لا يكادون يفهمونه إلا بعد تقريب ومشقة من إشارة ونحوها، وهذه الآية تصلح أن يحتج بها على صحة القول الأول في تفسير كاد.[220] وقيل: كلَّم ذا القرنين عنهم مترجِمون ترجموا لهم.[221]

إذا كان النقص عند شعب مطلع الشمس في الحاجات الأساسية كالملبس والمسكن، فالنقص عند شعب ما بين السدين هو النقص في الحاجات الاجتماعية، وهو وسائل التواصل. وقد تكون صعوبة التواصل منحصرة في تواصلهم مع ذي القرنين وقومه، وقد تكون شاملة مع سائر الناس، وفي ذلك إشكال كبير في حياتهم الاجتماعية.

بناء على ذلك استنتج أبو زهرة أن هؤلاء أعلى تمدنا من أولئك، قال رحمه الله: “وقد ذكر سبحانه وتعالى أنه وجد بين الجبلين قوما {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} هذا وصف لهؤلاء القوم، وهم كما يبدو أعلى درجة في الإنسانية من الذين وجدهم في مطلع الشمس الذين لم يُجعَل بينهم وبينها ستر.”[222] مع التحفظ من التعبير بتفاوت درجات الإنسانية، فكل البشر متساوون في الإنسانية، لكن التفاوت في التحضر والتمدن والثقافة.

أثر الضعف اللغوي على مستوى التحضر

ومع ذلك التفوق المدني نسبيا لهؤلاء القوم إلا أن النقص في وسائل التواصل شكّل عائقا إلى حد معين في بناء حياتهم وعلاقتهم مع غيرهم. وهنا تحسن الإشارة إلى ارتباط مهم بين القدرة اللغوية وبين مستوى تحضر مجتمع من المجتمعات.

إن الارتقاء بالقدرة اللغوية وإجادتها وتحسين أدائها يصب في رقي المستوى الثقافي للمجتمع، ومن اللافت للنظر أن الإغريق والرومان يربطون بين الهمجية وبين رداءة المهارة اللغوية، فهم يُسمّون الشعوب المتوحشة “برابرة” (بالإنجليزية: barbarians/ باللاتينية:  barbarismus/ بالإغريقية: βαρβαρισμός)،[223] فإن أصل الكلمة نابع من سخرية الإغريق من ناطقي اللغات الأخرى غير الإغريقية أو ناطقي اللغة الإغريقية بطريقة خاطئة. وكانت تستخدم للإشارة إلى شخص غريب أو قبيلة أجنبية والتي لا يتحدث أفرادها اللغة الإغريقية، وكانت تطلق أيضا على الإغريق الذين لا يجيدون اللغة. أما الرومان فكانوا يطلقونها على القبائل الجرمانية وغيرها. أطلق اللاتينيون مصطلح البربرة على كل عيب لغوي يقع في كلمة من كلامهم.[224] وإن كانت الحالة قد تغيرت مع مرور الزمن وقد تم استخدامها لاحقا بشكل غير ازدرائي في الكتاب المقدس،[225] وعند ظهور الحضارة الإسلامية،  أطلقت على شعوب شمال أفريقيا المعروفين بالبربر أو الأمازيغ.[226]

إن القدرة على التعبير وإفصاح المعاني الكامنة في النفوس من أعظم النعم التي امتن الله بها على خلقه وفضل بها البشر على سائر الكائنات، قال تعالى: { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }[227]

وإن حسن البيان وجمال التعبير من أكثر ما يميز الإنسان، يقول الشاعر:

ومل حسن الرجال لهم بحسن ** إذا لم يُسعِد الحسنَ البيانُ

كفـــى بالمرء عيبـــا أن تـــــــراه ** له وجه وليـس لــه لســــانُ

الحاجة إلى الأمان وحسن الجوار

رغم صعوبة التفاهم، فإن هؤلاء قدروا على تجاوز هذه المشكلة واستطاعوا أن يتواصلوا مع ذي  القرنين، وبيّنوا حالهم ورفعوا حاجتهم إليه، {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}[228]

وهكذا فإن ذا القرنين هنا مطلوب منه خدمة أخرى غير تلك التي قدمها للأقوام السابقين، فإن القوم معرضون لتهديد أمني من جيرانهم، الذين أغاروا عليهم ونهبوا أموالهم وسفكوا دماءهم. شكَا هؤلاء القوم جيرانا لهم أفسدوا حياتهم، وآذوهم أشد الإيذاء. وهذا يدل بجلاء على شهرة ذي القرنين بالعدل والإحسان والقوة، ولو لم يكن كذلك ما طلبوا منه هذا الطلب.

وواجه ذو القرنين هنا إشكالا أكبر من كل الإشكالات التي واجهها في كل ما سبقه من تحديات. إن هذا الإشكال الذي عرضه هؤلاء القوم كان أصعب من كل الإشكالات السابقة، لأن الفساد الذي شكوه إليه لم يكن بشكل فردي، كما كان في مغرب الشمس. كان ذو القرنين في المغرب يعاقب المفسد ويجازي المحسن. أما هنا فإن القائمين بالفساد مجموعة كبيرة من البشر يقال لهم يأجوج ومأجوج.

فمن هؤلاء؟ وما نوع إفسادهم؟

من هم يأجوج ومأجوج؟

روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ!

يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ!

فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ!

قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟

قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ.

فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.”

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ.

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ – أَوْ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ – وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا.

ثُمَّ قَالَ: «ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا.

ثُمَّ قَالَ: «شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا.[229]

فهذا الحديث بيّن أن يأجوج ومأجوج بشر من ذرية آدم، كفار، يستحقون النار، عددهم أضعاف عدد المسلمين.

وقد ذكر كثير من كتب التفسير روايات عن يأجوج ومأجوج ضعيفة جدا، يمجها العقل السليم، ويرفضها العلم الصحيح. وقد أنكر ابن كثير على ابن جرير ما ذكره هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا عجيبا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، وطولهم وقصر بعضهم، وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها.[230] وأنكر أيضا على ما حكاه النووي – رحمه الله – في شرح مسلم عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء. قال: وهذا قول غريب جدا، لا دليل عليه لا من عقل ولا نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة.[231]

إننا بحمد الله في غنى عن تلك الروايات الضعيفة والأقوال الغريبة، التي اجتمع فيها ضعف السند ونكارة المتن. وإن ما تضمنته الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في شأن يأجوج ومأجوج لم يشر إلى تلك الغرائب والأعاجيب بشيء، وإنما حكى القرآن وصحاح الأحاديث عن قوم معتدين مفسدين في الأرض، كثير العدد، لا يقوى جيرانهم على مواجهتهم ولم يأمنوا لأنفسهم بمجاورتهم. هذه المعلومات كافية في فهم الأمور.

وذهب جمهور المفسرين إلى أن يأجوج ومأجوج اسمان لقبيلتين من نسل آدم وحواء، وحدد بعضهم أنهما من أولاد يافث بن نوح عليه السلام، واتجه بعضهم إلى التحديد أكثر بأنهم من الترك، وحدد فريق آخر أكثر بأن يأجوج ومأجوج هم المغول والتتار. وذلك لا يخرج عن دائرة الظنيات. وقد غلب على ظنهم ذلك لأن المغول والتتار هجموا العالم ذلك الهجوم الكاسح والوحشي بشكل مرعب لم يشهد له نظير.

ويقوي ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عَنِ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ خَالَتِهِ قَالَتْ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَاصِبٌ إِصْبَعَهُ مِنْ لَدْغَةِ عَقْرَبٍ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ لَا عَدُوَّ، وَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ تُقَاتِلُونَ عَدُوًّا حَتَّى يَأْتِيَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، شُهْبُ الشِّعَافِ، مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ.[232] ورواة الحديث -كما قال الهيثمي- رجال الصحيح.[233] وله شاهد من حديث حذيفة رضي الله عنه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.[234]

وقد خاض فيه حُطَّاب ليل يجمعون الغث والسمين، ومع ذلك لا نبخس حق كُتّاب بذلوا جهدا مشكورا واجتهدوا للوصول إلى الحقيقة. من بين أولئك العلامة أبو الكلام آزاد، أول وزير التعليم للهند بعد الاستقلال، فقد كتب رسالة ضافية عن ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، وذكر فيها أن لهم غارات متتالية عبر التاريخ فقال بعنوان: الأدوار السبعة لخروج يأجوج ومأجوج: الدور الأول منها كان قبل العصر التاريخي عندما بدأت هذه القبائل تهاجر من الشمال الشرقي وتنتشر في آسيا الوسطى. وكان الدور الثاني في فجر التاريخ فترى في ضوئه معالم عبارتين مختلفتين: حياة البداوة، وحياة الاستقرار، فتخلد القبائل المهاجرة إلى السكينة، ومباشرة الحياة الزراعية، إلا أن سيولا جديدة لَا تزال تتدفق من الشرق، ومدى هذا الدور من 1500 إلى 1000 قبل الميلاد. ويبتدئ الدور الثالث، من سنة ألف قبل الميلاد، فتجد قوما همجا من البدو في بلاد بحر الخزر والبحر الأسود، ثم لَا تلبث أن تظهر بأسماء مختلفة من جهات مختلفة، وأخذ بعضها يظهر على مسرح التاريخ من سنة 700 قبل الميلاد. أما الدور الرابع ففي سنة 500 قبل الميلاد الزمن الذي ظهر فيه عوزوش. وكان الدور الخامس في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد تدفق فيه سيل من القبائل المنغولية، وانصب على الصين، وفي هذا العصر بني الجدار العظيم الذي اشتهر بجدار الصين، وقد بدأوا بنائه في سنة 294 ق م وأتموه في مدة عشر سنين. . وعاصر هذا الجدار حملات المغول في الشمال والغرب توجهوا إلى آسيا الوسطى من جديد. ثم ذكر الدور السادس والسابع وكان ذلك بعد الميلاد.[235]

مذهب القرآن في عدم الشخصنة

قد يستهوينا الكلام عن تفاصيل الشخصيات والعرقيات والأماكن والصفات الظاهرة لهذه الأشخاص التي ذكرت في هذه القصة، كما فعله غالب من كتب في هذا الموضوع. ولا نقول أن ذلك غير مفيد، ولكننا هنا أردنا أن نقتصر على فوائد من السورة ما يفتح لنا أفق التصور المستقبلي، مستفيدين دلالات القصة تصريحا وتلميحا. وكان الإغراق في الشخصنة آفة متأصلة عند اليهود ومن تأثر بهم من النصارى ومن بعدهم، وقد حارب القرآن ربط القيم والمبادئ بالأشخاص والجهات والبلدان. وعالج القرآن هذا الداء عند الأمم بقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}[236] فإن الله تعالى يشير هنا أن حقيقة البر لم ترتبط بجهة دون أخرى، بل العبرة بالأفعال.

قال ابن كثير في هذه الآية: “إن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه.”[237]

وبمثل هذه الأوهام ظن اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفة دون أخرى بغض النظر عن الأفعال والأعمال، قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}[238] وقال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[239]

إن أهم ما يهدفه القرآن هو غرس القيم وليس ذكر الأشخاص وسرد الأحداث، لذلك فإننا أحوج إلى معرفة أفعال يأجوج ومأجوج أكثر من حاجتنا إلى معرفة أشخاصهم وهيئاتهم.

إفساد يأجوج ومأجوج

{إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}[240]  هذا هو جوهر المشكلة التي رفعها القوم إلى ذي القرنين. فليست المشكلة تتمثل في يأجوج ومأجوج كأشخاص، بل هي الإفساد الذي لا يمكن معه العيش المشترك وينتفي معه حسن الجوار. وكان يأجوج وكأجوج يمثل تهديدا مستمرا لهؤلاء القوم، فرفعوا القضية إلى ذي القرنين.

أورد ابن الجوزي في ماهية إفسادهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يفعلون فِعْل قوم لوط، قاله وهب بن منبِّه. والثاني: أنهم كانوا يأكلون الناس، قاله سعيد بن عبد العزيز. والثالث: يُخرِجون إِلى الأرض الذين شَكَوْا منهم أيام الربيع، فلا يَدَعون شيئاً أخضر إِلا أكلوه، ولا يابساً إِلا احتملوه إِلى أرضهم، قاله ابن السائب. والرابع: كانوا يقتلون الناس، قاله مقاتل.[241]

ورأى ابن عطية أن معنى «إفسادهم» هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، قال: وهذا أظهر الأقوال، لأن الطائفة الشاكية إنما تشكت من ضرر قد نالها.[242] وهذا القول هو الأليق بالقصة وهو المعنى الظاهر الذي لا يعدل عنه إلا بتكلف.

دوافع الإفساد

لعل من أهم موضوعات هذا الباب هو البحث عن الدوافع التي تجعل الإنسان فردا أو مجموعا يقدم على عمل إجرامي ضد أخيه الإنسان. وهذا باب مهم في علم الاجتماع الجنائي، وهو من العلوم التي لم تتوقف فيها إنضاجها جهود العلماء والباحثين. وإن معرفة هذا العلم يقودنا إلى القضاء أو تقليل حدوث الإجرام والعدوان بين البشر.

وإن كثيرا من الدول المتقدمة تهتم بتفادي أسباب الإجرام أكثر من التركيز على ملاحقة المجرمين ومعاقبتهم. وإن الدول التي حققت قدرا كبيرا من العدالة الاجتماعية شهدت نسبة متدنية من الأعمال الإجرامية مقارنة بتلك الدول التي شهدت فجوة كبيرة من طبقات المجتمع.

إن هناك نظريات وتفسيرات عدة لحدوث الإجرام بين البشر. أسوأ هذه النظريات هي التي تقول إن الحياة عبارة عن الصراع من أجل البقاء، وبالتالي فمن الطبيعي أن يعتدي القوي على الضعيف ليبقى القوي ويفنى الضعيف. وهذه النظرية تحط بالإنسان إلى درجة الحيوانية، بل أحطّ، وينتفي معها أي معنى إنساني.

وأقل منها سوءا هو التفسير الماركسي المادي للحياة، فهو يعزو كل تصرفات البشر إلى الأسباب المادية والاقتصادية، فإن الإنسان في نظر أصحاب هذا الفكر كائن اقتصادي مادي بحت. فالصراع عندهم أمر محتوم نتيجة الفجوة الحاصلة بين طبقات المجتمع. وبعض أصحاب هذه النظرية لا يرون الصراع حتميا إذا أمكن التوصل إلى العدالة الاجتماعية بطريقة سلمية كالتفاهمات السياسية ووضع الدستور الذي يضمن حقوق الطبقة الضعيفة.

وهناك التفسير النفسي للإجرام فهو يعزو الأعمال الإجرامية إلى أسباب نفسية حيث حصل خلل ما في نفس المجرم يخرجه عن حالة الاعتدال يدفعه إلى الاعتداء. والحالات النفسية كالحقد والحسد والطمع والشره وانعدام الرحمة في القلب هي الأسباب الحقيقية التي تدفع الإنسان إلى الاعتداء على الآخر.

وهناك أسباب ثقافية وعقدية تدفع مجاميع بشرية إلى أتون حرب ساحقة. فإن بعض الشعوب ترى نفسها فوق الآخرين فيحق لها السيطرة على الشعوب الأخرى، وترى لنفسها الحق في استضعاف الآخرين. وهذا داء تكرر ظهوره مع ظهور إنسان متغطرس مختل فكريا ومتمكن سياسيا، يقنع أتباعه بفكره المتطرف. وشهد مثل هذه الظاهرة في الحرب العالمية الثانية من دولة ألمانية النازية واليابان القرن الماضي. ولا يخفى أيضا الأساس العقدي الذي بنيت عليه دولة إسرائيل. وأية فكرة قومية متطرفة اعتنقتها مجموعة بشرية ما ستؤدي إلى نشوء كيان ظالم معتد غاصب.

عزل الشر

{قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}[243] لم يكن الطلب هو مواجهة هؤلاء المفسدين ولا قتالهم أو معاقبتهم، بل اكتفوا بإقامة سد عازل بينهم وبين هؤلاء المعتدين. وهذه المعالجة تختلف عن تلك التي فعلها ذو القرنين مع الأولين حيث عاقب الظالمين، فهنا لم يقم ذو القرنين بذلك، بل اكتفى بعزل هؤلاء الأشرار عن إيذاء الناس.

ولعل السبب في مثل هذا الإجراء هو كثرة عدد يأجوج ومأجوج، مما جعل عملية الحسم صعبة المنال. وكان الحل الأمثل والأمكن هو إقامة بناء عازل يحول دون تلك الإغارات التي تفسد حياة الآمنين. أو لأن فكرة إقامة السد أسهل من فكرة المواجهة العسكرية التي تؤدي إلى سفك الدماء، وأن إقامة السد ستكون مفيدة على المدى البعيد، بخلاف القتال الذي إذا نفع في رد العدوان اليوم فقد يعودون إلى العدوان في قابل الأيام، والله أعلم.

وهنا نصل إلى مرحلة متقدمة من مراحل دعوات الخير التي دعا إليها القرآن، فقد بدأنا بقصة انعزال أهل الخير لضعفهم وقلة إمكانيتهم مقابل قوة الشر وتسلطه، ثم الآن توجت السورة بقصة قدرة أهل الخير على عزل الشر وقمع أهله وحصرهم في زاوية ضيقة من العالم، لينعم الناس بالأمان والحياة الطيبة.

نُبل وإنسانية

هؤلاء القوم الذين طلبوا مساعدة ذي القرنين أصحابُ مبادئ، عزت نفوسهم أن يطلبوا شيئا دون أن يقدموا له مكافأة يستحقها، قالوا: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}[244]، قدموا عرضا ماليا قبل أن يعرضوا ما يحتاجونه من مشروع الحماية.

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله: (فهل نجعل لك خرجا) ، أي أجرا.[245] قال ابن كثير: يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدا.[246]

كثيرا ما يطمع الناس في عون المحسنين المعروفين بالعطاء والسخاء بلا مقابل، ولكن هؤلاء القوم فضلوا أن لا يحصلوا على المساعدة المجانية، بل أرادوا دفع الثمن مقابل ذلك.

إن العقلية المادية قد لا تستوعب هذا التصرف، ولكنه مبدأ الكرامة الإنسانية وعزة النفس الذي استقر عليه القوم، وما أسعد النفس التي تجعل المادة أداة طيعة تحت تصرفها، بدل أن تكون النفس هي المطية الذلول تلهث من أجل المادة!

وهذا هو الذي علمَناه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: “اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى.”[247]

كان القوم بحاجة إلى مساعدة ذي القرنين، لكنهم لم يريدوا أن يكونوا عيالا على قوة مهمينة عليهم. وهكذا تبني الشعوب كيانهم باحترام الآخرين. فإن الشعوب التي لا تقدر على حماية نفسها إلا بالاستناد إلى القوى الخارجية ستبقى مأسورة مقيدة بإرادة ومصلحة غيرها. فليس من العيب أن تبدأ ضعيفة، ولكن العار أن تكرس الضعف والعجز أبد الدهر بالاعتماد على الغير.

ومن حسن الحظ أن تكون القوة التي تمدهم بالمساعدة ليست قوة تتكسب من ضعف الآخرين، ولم تستغل الوضع من أجل مصلحتها الذاتية. كان ذو القرنين صاحب رسالة ومبدإ إنساني نبيل. ورغم أن العرض الذي قدمه القوم كان لصالح الطرفين، لكن ذا القرنين كان عنده موقف أسمى وأنبل من ذلك.

إن فكرة المقايضة العادلة التي قدمها القوم ليست سيئة ولا خاطئة، لكن ذا القرنين عرض فكرة أخرى أشرف وأعلى قيمة إنسانية، وهي فكرة التشارك والتعاون.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}[248] أي ما جعلني فيه مكينا من المال والملك، أجلّ مما تريدون بذله. فلا حاجة بي إليه، “فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ” أي بعَمَلَةٍ وصنّاع وآلات.[249]

ليس ذو القرنين طامعا في جمع الدنيا، ولقد أراد الله بهذا القرآن وبمثل هذه القصص أن يرفع الإنسان عن مستوى الحيوانية في شهوة القهر والغلبة. إن الرسالة التي يحملها ذو القرنين ليست بسط السيطرة كما فعله عامة المحاربين، لكنها رسالة إنسانية إيمانية.

عرض ذو القرنين للقوم خدمة لم يسخ بها إلا أتباع الأنبياء أهل الصدق والإخلاص والوفاء. قال عليه رحمة الله: “أعينوني بقوة”، رفع ذو القرنين شأن هؤلاء القوم من كونهم طالبي العون، إلى كونهم مطلوبين منهم الإعانة. يا له من خلق رفيع…

جعل ذو القرنين المسألة قضية مشتركة، يضرب كلٌ فيها بسهم، وبذلك فقد ضربوا صورة جميلة للتعاون البشري على صنع واقع عالمي يسوده الأمن والأمان.  فهي ليست صفقة تجارية ولا سياسية بحتة، لكنها تكاتف وتعاون على مبادئ مشتركة لا محاصصة فيها ولا مشاحة.

بين السد والردم

إن القوم طلبوا بناء سد، ولكن ذا القرنين عرض عليهم تشييد ردم، فما الفرق بينهما؟

قيل أن الردم هو السد. ولكن الصحيح أن الردم أكبر من السد وأوثق، لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة. ويقال: سحاب مردم أي متكاثف بعضه فوق بعض، وذكر أن أصل معناه سد الثلمة بالحجارة ونحوها، وقيل: الردم سد الخلل، قال عنترة:

هل غادَرَ الشعراءُ من متردّمِ

أي خلل في المعاني فيسد ردما.[250]

ويؤيد كون الردم أشد من السد، ما أخرجه ابن أبي حاتم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا قَالَ: هو كأشد الحجاب.[251]

وعليه يكون قد وعدهم بالإسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه، وهو اللائق بشأن الملوك.[252]

والابتكار والتفوق التكنولوجي

ليس الأعجب هو هذا السخاء من ذي القرنين، وإن كان ذلك يستحق الإعجاب حقا، ولكن أعجب ما في الأمر هو أن ذا القرنين صمّم بناء عازلا لم يخطر على بال أحد، لم يأت به أحد قبله، ولم يقم به أحد بعده … أراد أن يبني سدا عظيما من حديد مغطى بالنحاس!

قال رحمه الله: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}[253]

طلب ذو القرنين أولا الإتيان بزبر الحديد، والزبر جمع زبرة أي قطعة عظيمة من الحديد.[254] وهذا بحد ذاته عجب، فإن عامة البنايات تتكون إما من الأحجار أو اللبنات، أما أن يكون قوام البناء قطعا كبيرة من الحديد فهذا غاية في القوة والمتانة، وهي فكرة إبداعية عجيبة، وتجاوزت حدود الإحسان المعهود!

وبعد أن جاء القوم بقطع الحديد الكبيرة، بدأ البناء بأعجوبة هندسية، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا}[255] قال الإمام الرازي مفصلا لهذا الإجراء: “فأتوه بها – أي زبر الحديد – فوضع تلك الزبر بعضها على بعض، حتى صارت بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافخ عليها {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}[256] والقطر هو النحاس المذاب،[257] أي حتى إذا صارت كالنار، صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمى، فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. [258]

حقق قمة في المواد المستخدمة وقمة في طريقة التركيب والبناء… وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته.[259] وثبت علميا – كما نقله الدكتور زغلول النجار حفظه الله- أن أقوى سبيكة هي سبيكة الحديد المضاف بالنحاس.

ثم إن نتيجة هذا الإبداع ومتانة البناء: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}[260] أي ما قدروا على الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته ولا على نقبه لأجل صلابته وثخانته.[261]

نجح ذو القرنين في إرساء قواعد الأمن والاستقرار في تلك المنطقة باستخدام أفضل ما توصل إليه العلم البشري آنذاك، بل لم يلحقه من بعده في تلك التقنية المتطورة.

وهكذا توِّجت مسيرة ذي القرنين الحضارية، فقد بدأها بإرساء مبادئ العدالة والرقي القيمي وانتهى به المطاف إلى تحقيق التفوق التقني، وما أجمل أن تكون التقنية العالية عند أصحاب القيم السامية!

رسالة حضارية

لقد رأينا من كل ما سبق أن دور ذي القرنين لم يقتصر على إقامة العدل ودحر العدوان، بل تعدى إلى “تحضير” الشعوب، حمل إليهم مبادئ وقيم العدالة ونشر قيم الخير والإحسان، وعلم أساليب الحياة المتحضرة ثم أسس قواعد الأمن والاستقرار.

والحقيقة أن الدين – بالإضافة إلى تعليمه العقيدة والعبادة – فإنه يحمل أيضا رسالة حضارية، فعلم الناس أسلوب حياة أفضل ودلهم على طريق الرقي الإنساني. لهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه – رضوان الله عليهم- عن سكنى البادية ويعتبر ذلك ارتدادا، يعني ارتدادا عن خط التقدم الذي حث عليه الدين، وليس الارتداد بمعنى الخروج عن الدين بالكلية. يدل على هذا المعنى ما أخرجه الشيخان في الصحيحين، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي البَدْوِ.[262]

وَمعنى “تعربتَ” كما قال ابن الجوزي رحمه الله : عدتَ أَعْرَابِيًا بعد صُحْبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.[263]

تبين من الحديث أن العودة إلى حياة البداوة بعد مصاحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة يعتبر ارتدادا منكرا، ولولا إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع لكان ذلك منكرا لا يقبل منه، ومع ذلك فإن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه لم يرض أن تقبض روحه وهو مقيم في البادية، فقد انتقل إلى المدينة قبل وفاته بليالٍ رضي الله عنه.

وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: «لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ المَدِينَةَ»[264]

إن إن حياة التمدن والتحضر أكمل في تحقيق مقاصد الدين وامتثال شرائعه وإقامة شعائره، وإن حياة البداوة فيها جفاء وبعد عن الرقة التي تتهذب بها النفوس. أخرج أحمد في مسنده عن أبي هريرة والبراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ بَدَا جَفَا.[265] أي من قطن بالبادية صار فيه جفاء الأعراب.[266] وبين ابن الأثير رحمه الله سبب ذلك أن مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ غَلُظَ طَبْعُهُ لِقِلَّةِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ.[267]

وبنى الإمام الشافعي على هذه الحقيقة مسألة فقهية أنه إذا تنازع رجلان على رعاية لقيط، أحدهما بدوي والآخر قروي، دفع إلى القروي، قال: “لِأَنَّ الْقَرْيَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْبَادِيَةِ.” وتابعه الإمام الماوردي، فقال: “… لِأَنَّ الْقَرْيَةَ أَمْكَنُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَبْلَغُ فِي التَّأْدِيبِ وَأَحْسَنُ فِي الْمَنْشَأِ…”[268]

الدين محفز التحضر

إن الدين في حقيقة الأمر هو العامل الذي جعل عناصر الإنسان والأرض والزمان تكوّن الحضارة. وهو من أهم ما خلص إليه مالك بن نبي في تأملاته الفكرية عبر تواريخ الأمم، قال: “…أن الحضارات جميعها إنما نشأت من الروح الدينية، والفكرة الدينية دائما – قديما وحديثا – هي المركِّب والمحفِّز (Catalyseur / Catalyst) لنشأة الحضارات.”[269]

إن قيم السماء هي التي وجهت البشر إلى بناء حياة أرفع مما مارسته الحيوانات، رغم كونهم يعيشون في بيئة مشتركة وحاجات متشابهة مع تلك الكائنات، لكن الدين جعل للإنسان قيما ومهام وأفكارا تسمو عن غرائز الشهوات الحيوانية، وتقودهم إلى نمط حياة كريم فوق سائر المخلوقات. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[270]

إن الدين هو الذي حول كثيرا من الشعوب المتوحشة إلى أمم متحضرة، وعلى قدر رقي التدين يترقى المجتمع بقدره ويرتقي مستواه الحضاري.

التحضر يُكتسَب

رأى بعض الفلاسفة والمؤرخين أن التحضر مسألة وراثة أزلية، ليست ناتجة عن الاكتساب والحركات الإرادية الواعية. وقرروا أن شعوب العالم على ثلاثة أقسام: شعوب راقية متحضرة بنّاءة وشعوب همجية وحشية مدمرة، وشعوب ذلول تابعة لكل غالب. ويُرجعون ذلك إلى “الجينات” وليس ذلك مسألة الثقافة المكتسبة أو الفكر الذي يدفع إلى هذا الاتجاه أو ذاك.

وتلك نظرة عنصرية متعصبة تدفع إلى التشاوفينية[271] الممقوتة، فإن كل إنسان قابل للتحضر والتخلف، فإن شعوبا كانوا برابرة متوحشيين أول ظهورهم على مسرح التاريخ، ثم صاروا يعتنقون ديانة سماوية حتى صاروا من أرقى الشعوب تحضرا، رأينا ذلك في شعوب إسكندنافيا التي كانوا قراصنة أبعد الناس عن معنى الإنسانية والخضارة، ومثل ذلك ألمان، كانوا قبائل متوحشة متفرقة في أوربا، فاعتنقوا المسيحية واحتكوا بالشعوب المتحضرة فصاروا يتحولون إلى حياة الحضارة والبناء والصناعة. ومثل ذلك في شعوب الشرق كالعرب والبربر والتُرك والكُرد، كانوا بَدواً لم يعرفوا الحضارة إلى بعد دخولهم في دين الله أفواجا.

فالتحضر ليست مسالة عنصرية أو “جينية”، ولا ننكر تأثير عامل الوراثة في مسيرة البشر، ولكن أساس تحضّر الإنسان هو الثقافة والفكر الذي يكتسبه بالتعلم والممارسة والمعايشة.

كما أن الحركة العكسية أيضا مشهودة في سجل التاريخ حيث إن بعض الشعوب التي كانت متحضرة صارت متوحشة متخلفة، كما حدث مع الرومان في عصورهم المظلمة، صحيح أن آثار التقدم المادي باقية، ولكن الفكر والسلوك وصلا بهم إلى القاع. والمعادلة نفسها حدثت مع الشعوب الإسلامية في القرون المتأخرة.

وهكذا حركة التاريخ البشري، فإن التداول الحضاري سنة من سنن الله في خلقه. وهذه حركة مستمرة سجلها الله في القرآن بأساليب مختلفة. مرة يخبر الله تعالى أن الأحوال تتبدل وعبر عنه بالمداولة، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[272]، ونبه الله الناس أنهم إنما نشأوا نتيجة تزاوج والتقاء بين أجناس مختلفة، قال تعالى: {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}[273]، ونبه الله أيضا بأن أصل البشر على اختلاف أجناسهم وتنوع انتماءاتهم واحد، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}[274] ، فلم يخلق الله جنسا فوق جنس، فكلهم من آدم، وآدم من تراب، والتفاضل عند الله بالتقوى وليس بشيء آخر، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[275]

إخبات الملك

ختم الله القصة بإخبات هذا الملك العظيم وتسليم أمره إلى الله، {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}[276] والإشارة في “هَذَا رَحْمَةٌ من رَّبِّي” إلى أن البناء وتدبيره، ومادته، ليس من قدرة الإنسان، إنما هو من توفيق الديّان وقال: إنه من رحمة اللَّه بعباده؛ لأن من رحمته -تعالت قدرته- أن الفساد وأهله يُدفع بأهل الخير والصلاح.[277] كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}[278]

وهكذا شأن العظماء الذين ذكرهم الله في كتابه، إذ نسبوا الفضل إلى الله عز وجل، لا إلى أنفسهم، وهو نظير قول يوسف {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[279] وقول سليمان {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}[280]

وهذا الاستسلام والتواضع لله هو الذي رفع قدر الإنسان عند الله، وليست تلك المنجزات والمكتسبات التي ما هي إلا عطاء وكرم من الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “… وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ الله.”[281]

الاجتياح الأخير

فقد استطاع ذو القرنين أن يرسي لشعوب العالم أسس الأمن والاستقرار، وحمل إليهم رسالة التحضر، وامتدت آثار ما فعله لقرون طويلة، وقدر السد الذي بناه على منع يأجوج ومأجوج من الإغارة على جيرانهم. ولكن لكل شيء أمدا، ودوام الحال من المحال، وقدّر الله أن لا يستمر ذلك العازل في منعه ليأجوج ومأجوج عن الخروج للإفساد، سيأتي اليوم الذي يندكّ ذلك الردم فينفتح المجال لسيل جرار من هؤلاء المفسدين فيجتاحوا العالم ويعيثون في الأرض فسادا.

وأعلن ذو القرنين هذه الحقيقة: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}[282]

ومعنى “دكاء” أى مدكوكا مبسوطا مسوّى بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه: الجمل الأدك: المنبسط السنام.[283]

هي دورة التاريخ ومداولة الأيام، لم يجعل الله الدنيا مقرا لشيء ولا دواما لخلق، بل المدافعة بين الحق والباطل سجال، والتجاذب بين الخير والشر في استمرار… بعد أن مكن الله لأهل الحق ستأتي دورة جديدة ليبقى البشر في امتحان مستمر، وتبقى هذه الدار تميّز وتمحّص الخبيث من الطيب، ويبرز الذهب الخالص باشتعال نار الفتنة التي تحرق الكل، لكنها في النهاية ترفع الخير وتخفض الشر.

سيحدث في آخر الزمان أن يخرج هؤلاء الأقوام، لينفجروا في الأرض فسادا، وينشروا عليها خرابا، ويستفرغوا كل طاقاتهم في التقتيل والتدمير…. ثم ينكمشون ويتلاشون…

وصور القرآن هول ذلك الاجتياح الكبير الذي يجرف الكرة الأرضية كالأمواج المتلاطمة، فقال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}[284]

وقد أخبر رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام تفاصيل هذه الأحداث، كما أورده مسلم في صحيحه عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا،

فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ.

فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً[285] بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا»

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟

قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟

قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟

قَالَ: “كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ[286] أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ[287] لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ[288]، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ[289] رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ.

فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ[290]، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ[291] كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ[292]، فَيَقْتُلُهُ،ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ.

فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: “إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ[293] لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.” وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَئمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ[294]، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ[295] فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى[296] كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.

ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ[297] وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللهِ، فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ.

ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ.

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ[298]، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ .”[299]

هكذا ستكون الأحداث كما أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم. وهي ستحدث في وقتها المحدد، لا يتقدم ولا يتأخر، وكل الأحداث تسبقها أسبابها.

عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»[300]

هكذا ربط الرسول صلى الله عليه وسلم حدوث ذلك المصاب بوجود السبب وهو كثرة الخبث في المجتمع.

ومهما بلغ من هول أحداث خروج يأجوج ومأجوج، فإنها ليست نهاية أحداث العالم، فإن شعائر الدين باقية بعدها، ويبقى الناس على دين الله، يحجون ويعتمرون، فضلا عن الصلاة والزكاة. يدل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ».[301]

ظن بعض الناس أن أشراط الساعة تأتي بضربة واحدة من الأحداثة المهولة التي ليس فيها إلا الكوارث والمصائب تنهي الحياة وتقطع الأمل، ولكننا إذا قرأنا مجموع النصوص الصحيحة في القرآن والسنة باستيعاب وتمعّن نجد أن لأشراط الساعة فصولا مرتَّبة، كلها مبنية على قوانين ثابتة تتفق مع سنن الله لا تخرج عنها، فهي ليست ضربة واحدة مدمرة، لكنها أحداث تقع وفق ترتيب معين. وقد جعل الله خروج واجتياح يأجوج ومأجوج حدثا ضخما مدمرا، لكنه لم يقض على كل الخير، بل سيعود الخير بعده أعظم مما كان، كما دل على ذلك الأحاديثة الآنفة الذكر.

ويؤكد ذلك رواية البخاري وابن حبان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ البَيْتُ»[302]

وتوهم البعض أن هذا الحديث يعارض الحديث السابق، مع أن الحديثين متناسقان تماما إذا عرفنا تسلسل الأحداث، وهو مبيّن في حديث النواس بن سمعان أعلاه. ففيه أن بعد خروج يأجوج ومأجوج يعود الناس إلى أماكنهم، بل تزدهر الحياة بعد هلاك يأجوج ومأجوج وتعم الأرض البركة. وفي هذه الفترة تقوم الشعائر الدينية كالمعتاد. ولا تقوم الساعة إلا بعد أن يقبض الله روح كل مؤمن على وجه الأرض، فلم يبق إلا شرار الناس.

وعلى هذا المعنى يفهم ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ .”[303]

لن تطوى صفحة الحياة الدنيا إلا بعد انقراض القلوب المؤمنة على وجه الأرض واختفاء الألسنة الذاكرة فيها، فحينئذ ليس لبقاء الأرض أية قيمة عند الله…

بين الروم ويأجوج ومأجوج

ذكر يأجوج ومأجوج مرتين في القرآن، مرة في هذه السورة وأخرى في سورة الأنبياء في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ}[304]

ومن اللطائف المثيرة هنا أسلوب القرآن في ذكر خطر يأجوج ومأجوج مقارنة ببعض الشعوب الذين لا يكون خطرهم مجهولا لدى كل من عرف تاريخ البشر، وهم الروم. ورغم أن الروم لهم جولات وصولات مع المسلمين في حروبهم الطويلة قديما وحديثا، فإن القرآن لم يصرح بذكرهم إلا في سياق لا يشير على الخطر للمسلمين، حيث قال الله: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ}[305]

وهذا سياق لا يدل على التهديد والتحذير، بل فيه تبشير ورفع معنويات. وبطبيعة الحال، لا نغفل أن القرآن حذر من عداوة أهل الكتاب[306] وحقدهم الدفين والمعلن[307] على المسلمين، والروم غالبهم من أهل الكتاب نصارى ويهود. مع أن القرآن أيضا ذكر أن من أهل الكتاب من يحمل بذور الإيمان[308]، ويقوم بالأمانة[309] ويمدحهم الله لصلاحهم[310]، ولكن القرآن لم يذكر خطرهم وتهديدهم كشعب، بخلاف يأجوج ومأجوج.

وتكمن أهمية التعريج على موضوع الروم بعد الكلام عن يأجوج ومأجوج، أن يأجوج ومأجوج مع عظيم خطرهم واستحالة مواجهتهم فإن تهديدهم منقطع لا يستمر طويلا، ومحدود في زمن معين. أما مواجهة الروم فإنها مواجهة مستمرة، والروم لا ينقرضون مثل يأجوج ومأجوج. ولا تقوم القيامة إلا وقد أصبح الروم أكثر سكان الأرض. كما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ.”[311] وإذا ربطنا هذا الحديث بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ.”[312] عرفنا أن شأننا مع هؤلاء القوم أطول وشغلنا معهم أكثر.

ولكن من المقصود بالروم؟

قال الياقوت الحموي: الرُومُ: جيل معروف في بلاد واسعة تضاف إليهم فيقال بلاد الروم، واختلفوا في أصل نسبهم، فقال قوم: إنهم من ولد روم بن سماحيق بن هرينان بن علقان بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.[313] وقال الإمام الألوسي: الرُّومُ هي قبيلة عظيمة من ولد رومي بن يونان بن علجان بن يافث نوح عليه السلام وقيل: من ولد يافان بن يافث، وقيل: من ولد رعويل بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.[314] وهذا من حيث الأصل والنسب، ولكن لم يبق الروم على أصل واحد ونسب واحد، فقد شمل اسم الروم قبائل وشعوبا مختلفة شكلت أمة كبيرة يقال لها الروم.

وعلى هذا المنحى قال ابن عاشور رحمه الله: والروم اسم غلب في كلام العرب على أمة مختلطة من اليونان والصقالبة ومن الرومانيين الذين أصلهم من اللاطينيين سكان بلاد إيطاليا نزحوا إلى أطراف شرق أوروبا. تقومت هذه الأمة المسماة الروم على هذا المزيج، فجاءت منها مملكة تحتل قطعة من أوروبا وقطعة من آسيا الصغرى وهي بلاد الأناضول. وقد أطلق العرب على مجموع هذه الأمة اسم الروم، تفرقةً بينهم وبين الرومان اللاطينيين، وسموا الروم أيضا ببني الأصفر كما جاء في حديث أبي سفيان عن كتاب النبيء صلى الله عليه وسلم المبعوث إلى هرقل سلطان الروم وهو في حمص من بلاد الشام إذ قال أبو سفيان لأصحابه «لقد أَمِر أمرُ ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر».[315]

إن شأن المسلمين مع الروم كثير الجوانب ومتعدد العواقب، قد أشارت سورة الروم إلى نوع من التوافق بين المسلمين والروم، ثم حكى التاريخ عن حروب بينهما، ثم فترات من السلم، ثم حملات من الحروب الصليبية، وهكذا.

وقد صور هذا الواقعَ الحديثُ الذي رواه ابن أبي شيبة: “فَارِسُ نَطْحَةٌ أَوْ نَطْحَتَانِ ثُمَّ لَا فَارِسَ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ أَصْحَابُ بَحْرٍ وَصَخْرٍ، كُلَّمَا ذَهَبَ قَرْنٌ خَلَفَ قَرْنٌ مَكَانَهُ، هَيْهَاتَ إلَى آخَرِ الدَّهْرِ، هُمْ أَصْحَابُكُمْ مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ.”[316] والحديث ضعيف الإسناد[317]، ولكن يشهد لصحة مضمونه شواهد التاريخ.

وقد لحظ عمرو بن العاص ميزات للروم تساعدهم على البقاء والصمود في ظروف صعبة. روى مسلم في صحيحه عن المستورد بن شداد رضي الله عنه يقول وعنده عَمْرِو بْن الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ»

فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ!

قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.[318]

ومن المفيد أن نعرف تلك الميزات ونتعلمها، ولكل شعب ميزاته. وترتقي الشعوب أكثر كلما استطاعت أن تكتسب صفات حميدة وتتخلص من الصفات الذميمة.

وقد يُستشكل هذا الكلام، كيف يكون لهم تلك الميزات الحميدة ثم يوصف بأنهم شرار الخلق؟ يجاب بأن الشر والخير قد يجتمع في شخص واحد، بأن يكون مثلا الإنسان صابرا وكافرا في نفس الوقت، وقد كان الكفار تواصوا فيما بينهم بالصبر على مناصرة الأوثان، قال تعالى عن سعي الكفار وحرصهم في الدفاع عن شركهم وضلالهم: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}[319] .  ويصح أن يقال أيضا أن أصحاب الصفات الحميدة ليسوا بالضرورة أن يكونوا هم الذين تقوم عليهم الساعة. والجيل الذي تقوم عليه الساعة ليس بالضرورة أيضا يتصف بتلك الصفات المذكورة. ويمكن أن يقال أيضا أن تلك الصفات الحميدة المتأصلة لدى الروم لم تمنعهم عن ممارسة المعاصي التي تغضب الله وتجلب العذاب. وهي تفيدهم في أمور دنياهم ولكنها لا تردعهم عن العصيان ولا تنجيهم من العذاب. أو يقال بأن هؤلاء الذين وصفهم عمرو بن العاص إنما هم الروم الذين عاشوا في زمانه، أما أولئك الذين تقوم عليهم الساعة فليسوا كذلك. ولكن هذا لا يستقيم مع مغزى ما قصده عمرو رضي الله عنه، فإن السياق يشير إلى أنه كان يريد أن يبين للناس الأسباب التي جعلت الروم أطول بقاء وأكثر انتشارا في الأرض. والله أعلم.

فتح روما

وبفضل الله ورحمته ألا تحرم الروم من نعمة الإسلام ونعمة الاستظلال بظلاله، فإن بلاد الروم ستكون جزءا من بلاد المسلمين، وهو حدث تاريخي أخبر به النبي، صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه أحمد وغيره عن عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن العاص قال: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا» يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ.[320]

فقد حصل أحد شطري الحديث وهو فتح قسطنطينية. وسميت بعد فتحها بـ”إستنبول”، وصارت عاصمة الخلافة العثمانية قرونا طويلة، وبقيت صرحا من صروح الإسلام الشامخة ومعقلا من معاقله الحصينة إلى يومنا هذا. وسيأتي اليوم الذي ارتمت فيه العاصمة الرومية الأخرى في حضن المسلمين، تصديقا لنبوءة محمد عليه الصلاة والسلام.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟»

قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: “إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ!” فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ.”[321]

هذا الفتح الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلم ليس فتح قسطنطينية، لأن قسطنطينية تفتح بالقتال الكثير، وهذه المدينة تفتح بمجرد التهليل والتكبير. قال الملا علي القاري رحمه الله: “هذه المدينة في الروم، وقيل الظاهر أنها قسطنطينية.” ثم قال مستدركا: “ويحتمل أنها مدينة غيرها، بل هو الظاهر ; لأن قسطنطينية تفتح بالقتال الكثير، وهذه المدينة تفتح بمجرد التهليل والتكبير.”[322]

والظاهر أنها البندقية (venezia/ venice)، وهي إحدى المدن الإيطالية المتميزة بجزءها البحري. وهي أشبه المدن بتلك الصفة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم كون جانب منها في البر وآخر في البحر. وهي تبعد عن روما 385 كم تقريبا. وتقع شمال شرق إيطاليا، مطلة على بحر أدرياتيك. وكانت البندقية تتمتع بحكم ذاتي أثناء العصور الوسطى وما بعد ذلك. وكانت تسمى جمهورية البندقية. وتعد من أهم مرافئ أوروبا تجاريا أثناء الحملات الصليبية وتتمتع بقوة بحرية هائلة. ويبدو أن فتح هذه المدينة تقع في سلسلة من فتوحات المسلمين القادمة لبلاد الروم.

(يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ) قال القاضي عياض: كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم: “من بني إسحاق”. قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ من “بني إسماعيل”، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه.[323] وهذا الاعتراض ضعيف، وقد أثبت القاضي أن جميع أصول صحيح مسلم – أي نسخها المعتمدة – تذكر “بني إسحاق” وليس بني إسماعيل. وهذا لا يستبعد أبدا.

بل إن ابن كثير رحمه الله رأى أن الفاتحين هؤلاء هم من الروم أنفسهم، لأنهم من بني إسحاق. قال رحمه الله: والروم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، فمنهم أولاد عم بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق، فالروم يكونون في آخر الزمان خيراً من بني إسرائيل.[324]

وأيّد هذا الرأي صاحب الإفصاح عن معاني الصحاح، يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، قال: يجوز أن يكونوا من أهل المدن، أسلموا من أهل الكتاب.[325]

وهذا ينسجم تماما مع سياق الأحداث التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تفتح المدينة بالتهليل والتكبير، وليس بالقتال. وهذا يكون بإعلان إسلام أهل المدينة نفسها. وهذا الإعلان المدوّي يصيّر حكم المدينة بيد المسلمين وتصير لهم الكلمة العليا، ومن المعروف أن شعب أوربا الغربية يحترمون رأي الأغلبية. فإذا أعلنت غالبية سكان المدينة إسلامهم، فقد يذعن الجميع لهذا الموقف وهذا الاختيار.

وأفاد الحديث بأن فتح روما حدث قبل خروج الدجال. وخروج الدجال –كما أفاده حديث مسلم الأسبق- يسبق نزول عيسى، ونزول عيسى يسبق خروج يأجوج ومأجوج. وهو آخر كربة على المؤمنين، حتى يقبض الله كل نفس مؤمنة فلم يبق على وجه الأرض مؤمن واحد، وتقوم القيامة على شرار الخلق، والله المستعان.

إطلالات مستقبلية

إن التأمل في قصة ذي القرنين هذه فتح لنا آفاقا فكرية، تبعث الأمل وتوسع الأفق وتشد العزم. ويطل بالنظر إلى ما يمكن وما يتوقع  وما يأمل أن يحدث في قادم الأيام.

ومن تلك الحقائق والآفاق التي بثتها هذه القصة حقيقة أن الله يمكن دينه وينصر أهله ويعزهم في الدنيا قبل الآخرة. وهذه الحقيقة مبثوثة في القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}[326] وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[327] وقوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}[328] وإن البلايا والنكبات التي مني بها المسلمون في هذا العصر ما هي إلا حالة طارئة، وإن الأمور ستتجه إلى العودة نحو تمكين الدين وانتشاره وقوة تأثيره.

وقد قامت مؤسسات عالمية برصد ظاهرة انتشار الإسلام في العالم، وكل تلك الدراسات تشير إلى أن الإسلام هو أكثر الديانات تزايدا وأسرعها انتشارا في الأرض. وتشير الإحصائيات العالمية أيضا أن الشعوب الإسلامية أكثر الشعوب نموا سكانيا في العالم.

ولكن مع هذا التزايد الكمي المبشر بخير، إننا بحاجة أكثر إلحاحا إلى الارتقاء النوعي، فإن حالة التخلف المادي والعلمي ما زالت سائدة لدى الشعوب الإسلامية. والحكم على واقع المسلمين اليوم لا يصح أن يعتمد على الانطباعات السلبية التي اعتدناها وعوّدنا عليه من لم يرد الخير لهذه الأمة. إن واقعنا شهد تغيرات عدة، الإيجابيات منها كثيرة، والسلبيات أيضا غير خافية. فالمسألة نسبية، وهي تتغير باستمرار.

ومن المتغيرات التي لا بد أن نعرفها أن تقسيم العالم إلى ثلاثة أقسام وهي: العالم الأول هو الدول المتقدمة التي تتمثل في دول غرب أوربا وشمال أمريكا، والعالم الثاني هو الدول المتوسطة التي تتمثل في دول شرق أوربا، والعالم الثالث وهو الدول المتخلفة التي من ضمنها كل الدول الإسلامية، إن هذا التقسيم لم يكن صحيحا. وثمة معايير أدق لتوصيف أحوال الدول. وإن منتدى الاقتصاد العالمي (World Economic Forum) اعتمد 12 معيارا[329] لقياس وضعية دول العالم في مضمار التنافس العالمي. وبناء على هذه المعايير، تنقسم دول العالم إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: الدول التي ما زالت تسعى إلى بناء أساسات الاقتصاد (basic requirements)، والمجموعة الثانية: الدول التي تتجاوز الأساسيات وتركز على تنمية كفاءتها الاقتصادية (efficiency enhacers)، والمجموعة الثالثة: الدول التي تعتمد على الأعمال المتطورة والابتكارات (innovation and sophisticated factors ). وليس كل الدول الإسلامية في الخانة الثالثة. بل – حسب تقرير التنافسية العالمية الذي أصدره منتدى الاقتصاد العالمي سنة 2015- دخلت واحدة من الدول الإسلامية في الخانة الأولى وهي قطر. ودخلت ستة منها مرحلة انتقالية من الخانة الثانية إلى الأولى، وهي البحرين وكزاخستان ولبنان وماليزيا وتركيا والإمارات. وستة منها في الخانة الثانية وهي: ألبانيا ومصر وإندونيسيا والأردن والمغرب وتونس.[330] وهذه الأوضاع تتغير بين فترة وأخرى، والتقريرات السنوية لمنتدى الاقتصاد العالمي تتجدد، فهناك دول تتقدم وأخرى تتأخر وثالثة تجمد، وهكذا.

وتشير الدراسة التي قامت بها مؤسسة برايس واتر هاوس كوبرس (Pricewaterhouse Coopers) العالمية أن بحلول سنة 2050م لم تكن تلك الدول الأوربية المتقدمة هي التي تقود اقتصاد العالم، وستكون القيادة بيد الدول الآسيوية. وأن بحلول سنة 2030م ستكون الدول الناهضة مثل المكسيك وإندونيسيا يفوق اقتصادهما اقتصاد بريطانيا وفرنسا، وسيفوق تركيا اقتصاد إيطاليا.[331]

فالعالم الإسلامي يتغير، ونحن بحاجة إلى معرفة دقيقة لعالمنا مبنية على الحقائق والدراسات والإحصائيات، وليست على المعلومات القديمة والانطباعات السائدة. إن التركيز على الأمور السلبية معول هدم لمستقبلنا وسلاح قاتل لحياتنا، علينا أن نعرف عالمنا بجانبَيْه الإيجابي والسلبي، وتغليب الإيجابي للانطلاق منه والبناء عليه ضروري جدا.

ومن الومضات التي تطلقها هذه القصة على المستقبل هي قانون السببية الذي اعتمده ذو القرنين. فإنه لم يقفز على الواقع ولم يتجاوز العلم والمنطق. وهذا هو الذي علّمنا إياه رسولنا الكريم، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يستخدم عصا ليعبر البحار ويفجر الأنهار، بل كان يعتمد – بعد الله عز وجل- على الأسباب الطبيعية. وهذا هو الطريق الصحيح لبناء المستقبل. وليس هناك طريق آخر يغني عن انتهاج مراحل النمو المتدرج واتباع الخطوات الممنهجة.

كما أن هذه القصة تخبرنا أيضا بأنه لا تمكين بلا أهلية، فإن الله لم يمكّن أحدا إلا بعد تحصيله المؤهلات التي تساعده على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات. إن مؤهلات التمكين تُكتسَب ويُسعى إليها، وهي بالترتيب على أربعة أقسام: علمية ونفسية ومهارية ومادية.

ومن الحقائق المهمة التي تنير لنا الطريق هو أن إقامة العدل هي التي تجعل الدولة تبقى وتستقر. وقد بدأ بها ذو القرنين وحرص عليها. وهي بداية لا بد منها، إذا قصر فيها أو تلكأ لسارع الناس إلى إسقاطه ومقاومته.

ثم أردف ذو القرنين العدل بالإحسان إلى من يستحق الإحسان. وهذه خطوة مهمة بتثيبت الملك وترسيخ الاستقرار وبث الاطمئنان للناس. وهو واجب إلهي قبل كل شيء كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}[332] إن العدل يبعث الأمن، والأمن يساعد على النماء. ثم إن الإحسان يشجع على البذل والعطاء، ويكرس ثقافة الإنتاج بإخلاص ورضى. وبهذه المقومات تنمو الدولة وتقوم على سوقها. إن الإحسان يقود إلى التفوق، ويوفر جو التنافس والتسابق إلى الخيرات وتقديم الأفضل والأحسن.

كان ذو القرنين أحرز التفوق في جوانب كثيرة، ولكن أول تفوقه كان تفوقا قيميا. وكانت القيم التي حملها وتفوق فيها هي قيم العلم والإيمان والعمل الصالح والعدل والإحسان والاجتهاد والكرم والشجاعة. وهذا التفوق القيمي هو الذي قاده إلى التفوق التقني والمادي.  وهذه هي الطريقة القرآنية في إحراز التقدم وتحقيق المجد. ليست المادة هي الأساس والشرط الأول، كما يحسبها السطحيون. وإذا انعكس الوضع بحيث حقق الإنسان تفوقا ماديا وتقنيا مع فقر في القيم، فالنتيجة دمار العالم، وقد شهدنا كيف دمرت العالم دولٌ متقدمة ماديا وتقنيا لكنها ضعيفة فقيرة في القيم والمبادئ والأخلاق…

إن القوة المادية قد تؤدي إلى قوة التأثير وقد لا تؤدي. وذلك خاضع لبراعة صاحبها ومدى نفاذه الفكري. فالمال وحده ليس له أي قيمة إلا بقدر معرفة صاحبه بفوائدها وطرق استخدامها. فقوة المعرفة هي الأساس والقوة المادية لها تبع. فلما سخر ذو القرنين إمكاناته المادية في سبيل نشر الخير والعدل بين الناس كانت تلك الثروة تتضاعف قيمتها، ولو سخرها في منافعه الشخصية لتضاءلت قيمتها أو تلاشت.

لم يذكر القرآن أن ذا القرنين كسب شيئا من الثروة مثلما قصدها ملوك الأرض قديما وحديثا. لكن من الواضح أنه كسب قلوبا وكسب مواقف مؤيدة له، ليصبح تأثيره في العالم لا يقاوَم، ونفوذه في شعوب الدنيا يتوسع. فالمال يسخر من أجل إثبات القيم، لا تنتهك القيم من أجل المال، كما فعله أكثر لناس. وهذا الذي فعله ذو القرنين يدل على منهجية رشيدة وأولوية سليمة. وتقديم الأهم على المهم. لو كان كسب الأموال عنده أهم من كسب القلوب لكان يصارع الناس من أجل جمع الثروات، كما فعله أكثر ملوك الأرض، ولكانت معركة شائنة لا تستحق أن يتربع ذكرها في هذا الكتاب الكريم. ولكنه كان يسخى بالمال تأليفا للقلوب. وهذا هو منهاج النبوة. كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أعطى الناس عطاء من لا يخشى الفاقة، فدخل الناس في دين الله أفواجا.

وفي هذه القصة نرى علاقة تكاملية بين الإيمان والعلم والتقدم. وهذه الحقيقة ينقض نظرية أوغس كونت القائلة بأن تاريخ البشر تمر على ثلاث مراحل، مرحلة الخرافة ثم مرحلة الدين ثم مرحلة العلم. ورأى أن التقدم جاء بالتخلص أولا من الخرافات ليكون الدين هو مرشد البشر، ثم “يتقدم” إلى التخلص من الدين ليحتل العلم هو المرشد الوحيد للبشر. وباستقلال العلم عن الدين والخرافة وصل البشر إلى تقدمهم الحضاري. وهي نظرة غربية قام بترويجه العلمانيون والملحدون. وإن نطرة القرآن عموما، وما يتجلى في قصة ذي القرنين خصوصا، لم تقر بتلك النظرة الانفصامية بين العلم والدين والتقدم. فليس الإيمان في الإسلام حرمانا عن العلم، ولا العلم إنكارا للإيمان، ولا الإيمان مانعا للتقدم، ولا التقدم تمردا على الإيمان. بل الإيمان هنا داعٍ إلى العلم ومؤيَّد به، والعلم والإيمان المترابطَين يقودان إلى التقدم. والتقدم يخدم الإيمان والعلم.

ونرى هنا أيضا أن الثروة والقوة ليستا بالضرورة تدعوان إلى البطر والجشع والتجبر. بل الشخصية القرآنية التي روجها القرآن هنا تجمع بين الغنى والزهد، بين القوة والتواضع، بين الثراء والسخاء. فتطلعنا إلى القوة والتمكين لا يجب أن تصحبه تلك الآفات. فهنا لا بد من المزاوجة بين تزكية النفس والتحصيل المادي، ولا يجوز أن يُترك السعي نحو التمكين بدون الاجتهاد في إصلاح النفوس.

ونرى بقوة في هذه القصة جانب الإبداع والتطور، واللافت للنظر هنا أن إبداعه كان مدعوما بالتقنية المتطورة والإمكانية الكبيرة، بخلاف جانب الإبداع لدى الخضر الذي جاء مع الإمكانات المتواضعة. وكلاهما مبدع.

كما أن ذا القرنين لم يكن يجمد على  طريقة واحدة في معالجة فضايا مختلفة، بل كان له أساليب متعددة ومقاربات متنوعة. وهكذا يستمر مسير المؤسسات، فإن تغير الأحوال وتنوع الإشكالات يتطلب تنويعا في التعاطي وتفننا في طرح الحلول.

ثم إن هذه القصة مليئة بالإشارات إلى العلوم المختلفة، كعلم الفلك وعلم الاجتماع والجغرافيا والهندسة. بالإضافة إلى علم القضاء والسياسة والعسكرية. وهي العلوم التي أجادها المسلمون الأوائل وطوروها. وحق لنا أن نواصل تلك المسيرة الحضارية. كما أن ابتكار العلوم الجديدة أيضا سنة سنها أسلافنا، كابتكارهم علم الجبر والخوازمية والبصريات والكيمياء والإسناد، فهي سنة متروكة في زمن التخلف. أما جيل النهضة فعليهم متابعة هذا الخط الصاعد، واكتشاف طريقه الجديد بإتقان العلوم وتطويرها وابتكارها.

[1] سورة الكهف: ٨٣ – ٨٥

[2] تفسير ابن كثير (5/189)

[3] تفسير ابن كثير (5/189)

[4] زاد المسير (3/105)

[5] فتح القدير (3/362)

[6] التفسير الكبير (21/494)

[7] الجامع لأحكام القرآن (13/366)

[8] تفسير ابن كثير (5/189)

[9] البداية والنهاية (2/123)

[10] الجامع الأحكام القرآن (13/366)

[11] أخرجه البخاري (11/133 رقم: 3097) ومسلم (4/2207 رقم: 2880)

[12] التحرير والتنوير (16/22) بتصرف

[13] زاد المسير (3/106)

[14] الجامع لأحكام القرآن (13/367)

[15] زاد المسير (3/105)

[16] الجامع لأحكام القرآن (13/367)

[17] زاد المسير (3/105)

[18] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/346 رقم: 31914) والضاء المقدسي في الأحاديث المختارة (2/175 رقم: 555) وصححه الحافظ ابن حجر بعد عزوه للمختارة للحافظ الضياء (الفتح 6/383) . وأخرجه الطبري من طريق أبي الطفيل قال: سمعت عليا وسألوه…. فذكره (تفسير الطبري 16/9) وسنده صحيح، انظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور،  أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين (3/322)

[19] سورة الكهف: 84

[20] الدر المنثور (5/435)

[21] التاريخ الكبير (1/153)

[22] التحرير والتنوير (16/18)

[23] قال الألباني: لم أقف على إسناده بهذا اللفظ. وقد علقه ابن كثير بصيغة التمريض بنحوه , فقال فى ” تفسيره ” (2/393) : ” وروى عنه أنه قال: إنها مبهمة , فكرهها “. وهذا قد وصله البيهقى (7/160) من طريق عبد الله بن بكر حدثنا سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ” هى مبهمة وكرهه “. قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخارى , فلا أدرى وجه إشارة ابن كثير إلى تضعيفه. وعبد الله بن بكر هو أبو وهب البصرى ثقة من رجال الشيخين. وعزاه السيوطى فى ” الدر المنثور ” (2/135) لابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

ثم أخرج البيهقى عن مسروق فى قول الله عز وجل (وأمهات نسائكم) قال: ” ما أرسل الله فأرسلوه , وما بين فاتبعوه ثم قرأ. (وأمهات نسائكم , وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن , فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) , قال: فأرسل هذه , وبين هذه “. قلت: وإسناده صحيح أيضا. وقد أخرجه كذلك سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد. (إرواء الغليل: 6/286 رقم: 1879)

[24] مفاتيح للتعامل مع القرآن ص95-96

[25] التحرير والتنوير (16/20)

[26] سورة البقرة: ١٤٣

[27] أخرجه البخاري (4/134 رقم: 3339)

[28] أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/292 رقم: 11007)

[29] سورة الروم: ٧

[30] آل عمران: ٧٨

[31] سورة البقرة: ١٤٦

[32] سورة البقرة: ٧٩

[33] سورة الحجر: ٩

[34] سورة الكهف: 84

[35] التحرير والتنوير (16/23)

[36] التحرير والتنوير (16/34)

[37] تيسير الكريم الرحمن (1/385)

[38] تفسير ابن كثير (5/189)

[39] سورة يوسف: ٢١

[40] سورة يوسف: ٥٦

[41] سورة القصص: ٥ – ٦

[42] سورة النور: ٥٥

[43] سورة الأعراف: ١٨٢

[44] سورة القلم: ٤٤

[45]  تفسير الكشاف (2/592)

[46]  أخرجه البخاري (4/1726 رقم 4409) ومسلم (4/1997 رقم 2583)

[47] زاد المعاد (3/11)

[48] سورة العنكبوت: ٢ – ٣

[49] سورة الأعراف: ١٣٧

[50] سورة السجدة: ٢٤

[51] تفسير ابن كثير (6/372)

[52] مدارج السالكين (2/153)

[53] سورة الأحزاب: ٢٢

[54] سورة آل عمران: ١٧٣

[55] أخرجه البخاري (6/39 رقم: 4563)

[56] سورة يونس: ٨٤ – ٨٦

[57] سورة يوسف: ٩٢

[58] سورة الرعد: ٢٢

[59] سورة النساء: ٩٧

[60] سورة الرعد: ١١

[61] سورة يوسف: ٥٥

[62] سورة النمل: ١٥

[63] أخرجه البخاري معلقا في باب الاغتباط في العلم والحكمة، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/187 رقم: 5 بعد 118 ما جاء في طلب العلم وتعليمه) والبيهقي في شعب الإيمان (4/180 رقم: 1618)

[64] سورة الكهف: 84

[65] تفسير الطبري (18/94)

[66] زاد المسير (3/106)

[67] البداية والنهاية (2/106)

[68] سورة النمل: ٢٣

[69] تفسير ابن كثير (5/190)

[70]  مجموع الفتاوى (8/70)

[71]  مدارج السالكين (3/478)

[72]  سورة الحاقة:24

[73]  سورة إبراهيم: 1

[74]  سورة الطلاق: 2

[75]  مدارج السالكين (3/498-499)

[76] سورة الكهف: 84-85

[77] المختارة (2/32 رقم: 409) وصححه المحقق ونقل توثيق العجلي لحبيب بن حماز (تعجيل المنفعة/84) انظر: الصحيح المسبور (3/323)

[78] سورة البقرة: ١٦٤

[79] سورة الأنعام: ١٢٢

[80] سورة النور: ٤٠

[81] تلبيس إبليس ص247

[82]  الرسالة القشيرية (1/368).

[83]  أخرجه الترمذي (9/57 رقم: 2441) وابن حبان في صحيحه (3/457 رقم: 732) والبيهقي في الشعب (3/256 رقم: 1207) حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1/242 رقم: 1064)

[84] أخرجه الحاكم في المستدرك (3/722 رقم: 6616) جوّد إسناده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (9/73 رقم: 4073)

[85]  أخرجه أحمد (1/30 رقم 205، 1/52 رقم 370) الترمذي (4/573 رقم 2344) وابن ماجه (2/1394 رقم 4164) وقال التمذي: حديث حسن صحيح.

[86]  أخرجه البخاري (2/730 رقم 1966)

[87] تلبيس إبليس ص 248

[88]  سورة النساء: 71

[89]  سورة الأنفال: 60

[90]  سورة البقرة: 197

[91] أخرجه البخاري (2/133 رقم: 1523)

[92] سورة التوبة: ٢٥

[93] سورة الكهف: ١٠

[94] سورة الكهف: ٩٨

[95] سورة الأنفال: ٦٥

[96] سورة الأنفال: ٦٠

[97] سورة البقرة: ١٩٧

[98] سورة الأعراف: ٢٦

[99] أخرجه مسلم (1/69 رقم: 49)

[100] سورة الحديد: ٢٥

[101] سورة الفتح: ٢٩

[102] أخرجه البخاري (4/201 رقم: 3612)

[103] روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نكتب، إذ سئل رسول الله  صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية. أخرجه أحمد (2/176 رقم 6645) والحاكم (4/468 رقم 8301، 4/553 رقم 8550، 4/598 رقم 8662) وصححه والطبراني في الأوسط (1/195 رقم 623) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 7/349)

[104] عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر يا مسلم  هذا يهودي ورائي فاقتله. أخرجه البخاري (3/1316 رقم 3398) ومسلم (4/2293 رقم 2921)

[105] روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا.” أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب الترغيب في الصدقة (2/701)  وابن حبان (15/93) وأحمد (2/370 رقم 8819)

[106] أخرجه البخاري (8/127 رقم: 6622) ومسلم (3/1273 رقم: 1652)

[107] أخرجه البخاري (9/36 رقم: 1748)

[108] أخرجه مسلم (3/1456 رقم : 1733)

[109] أخرجه البخاري (5/33 رقم: 3792) ومسلم (3/1474 رقم: 1845)

[110] أخرجه مسلم (3/1647 رقم: 1825)

[111]  أخرجه الدارمي في سننه (1/91 رقم 251)

[112]  أخرجه أبو داود (3/36 رقم 2608، 2609) وأخرجه ابن خزيمة عن عمر (4/141 رقم 2541) والحاكم (1/611 رقم 1623) وصححه.

[113]  أخرجه أحمد (2/176 رقم 6647)

[114]  السياسة الشرعية، لابن تيمية ص136-137

[115] سورة يوسف: ٥٥

[116] سورة يوسف: ٥٤

[117] أخرجه أبو داود (1/146 رقم: 531) والنسائي (3/59 رقم: 666) وأحمد (33/4 رقم: 15679) والحاكم في المستدرك (2/220 رقم: 673) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصححه شعيب الأرنؤوط على ذيل سنن أبي داود والألباني في إرواء الغليل (5/315 رقم: 1492)

[118] سيرة ابن هشام (2/538)

[119] السيرة النبوية لابن كثير (4/57)

[120] حديث أخرجه أحمد (36/165 رقم: 17096) وابن حبان (13/421 رقم: 3279)

[121] سورة الكهف: ٨٦

[122] سورة الكهف: ٨٦

[123]  Nasr, Seyyed Hossein (2007). “Qurʼān”. Encyclopædia Britannica Online. Retrieved 2007-11-04.

[124] نيكولاس كوبرنيكوس بالإنجليزية: Nicolaus Copernicus)) ولد 19 فبراير1473–  24 مايو  1543م بالبولندية ويلفظ بالبولندية “ميكواي كوبرنيك” كان راهباً وعالماً رياضياتياً وفيلسوفا فلكياً وقانونياً وطبيباً وإدارياً ودبلوماسياً وجندياً بولندياً كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها في كتابه “حول دوران الأجرام السماوية”. وهو مطوّر نظرية دوران الأرض، ويعتبر مؤسس علم الفلك الحديث. الذي ينتمي لعصر النهضة الأوروبية – 1400 إلى 1600 ميلادية . [العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة.. من كوبرنيق إلى هيوم”، د. أيوب أبودية]

[125] جاليليو جاليلي (15 فبراير 1564– 8 يناير  1642م) بالإنجليزية: ( Galileo Galilei) عالِم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي، ولد في بيزا في إيطاليا، نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة. (الموسوعة الحرة ويكيبيديا مادة: جاليليو جاليلي)

[126] شرح السنة (15/96)

[127] سورة الكهف: 86

[128] الأسماء والصفات (2/274 رقم: 847)

[129] زاد المسير (3/106)

[130] زاد المسير (3/106)

[131] سورة الزمر: ٥

[132] سورة الإسراء: ١٢

[133] الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/78)

[134] مفاتح الغيب (21/496)

[135] تفسير ابن كثير (5/191)

[136] سورة الكهف: ٨٦

[137] تفسير ابن كثير (5/191)

[138] تاريخ دمشق (16/374-375)

[139] العظمة (634)

[140] سورة يس: 38

[141] روح المعاني (18/553-555)

[142] سورة الكهف: ٨٦

[143] زاد المسير (3/106)

[144] تفسير الطبري (18/95)

[145] لسان العرب (1/61)

[146] تفسير الطبري (18/96)

[147] تفسير الطبري (18/96)

[148] زاد المسير (3/106)

[149] زهرة التفاسير (9/4579)

[150] سورة الكهف: ٨٦

[151] سورة محمد: 4

[152] سورة الأنبياء: 79

[153] التحرير والتنوير (16/26)

[154] روح المعاني (8/355-356)

[155] روح المعاني (8/357)

[156] روح المعاني (8/355)

[157] المصدر نفسه

[158] مفاتح الغيب (21/497)

[159] سورة المائدة : 42

[160] الجامع لأحكام القرآن (11/52)

[161] تفسير ابن كثير (5/193)

[162] سورة الكهف: 87- ٨٨

[163]  مجموع الفتاوى (28/62-63)

[164]  مجموع القتاوى (28/145)

[165] المقدمة ص155

[166] المصدر نفسه ص155-156

[167] سورة الأحزاب: ٧٢

[168] أخرجه أبو نعيم أحمد بن بن مهران الأصفهاني في مستخرجه على صحيح مسلم، وقال: صحيح إسناده حسن. (المسند المستخرج على صحيح مسلم: 1/209 رقم: 365) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى بلفظ: “مَا مِنْ أَمِيرٍ اسْتَرْعَى رَعِيَّةً لَمْ يَحْتَطْ لَهُمْ , وَلَمْ يَنْصَحْ لَهُمْ , إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ. (السنن الكبرى: 8/277 رقم: 16638)

[169] القاعدة 41 من قواعد مجلة الأحكام العدلية

[170] نظرية التقريب والتغليب، د. أحمد الريسوني، ص16

[171] سورة الكهف: 87- ٨٨

[172] سورة الكهف:  ٨٨

[173] سورة الكهف: ٨٩

[174] زاد المسير (3/107)

[175] سورة الكهف: 90

[176] النكت والعيون (2/499)

[177] تيسير الكريم الرحمن (ص486)

[178] النكت والعيون (3/430)

[179] روح المعاني (8/387)

[180] التحرير والتنوير (16/29)

[181] سورة الرحمن: ١٠

[182] سورة النحل: ٨١

[183] سورة الفرقان: ٤٥

[184] سورة العلق: ١

[185] ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ص37

[186] سورة الكهف: ٨٩ – ٩١

[187] المحرر الوجيز (3/541)

[188] زهرة التفاسير (9/4583)

[189] زاد المسير (3/108)

[190] مفاتيح الغيب (21/497-498)

[191] سورة الكهف: ٨٩ – ٩١

[192] تفسير الطبري (18/101)

[193] المحرر الوجيز (3/541)

[194] تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (5/244)

[195] تفسير ابن كثير (5/194)

[196] زهرة التفاسير (9/4583)

[197] أخرجه أحمد (34/479 رقم: 16492) وأبو داود (4/97 رقم: 4252) وابن حبان (27/469 رقم: 6838) وصححه الألباني (صحيح وضعيف الجامع الصغير: 7/101 رقم: 2645)

[198] أخرجه أحمد (34/208 رقم: 16344) وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 2/449)

[199] سورة الكهف: ٩٢ – ٩٣

[200] مفاتيح الغيب (21/498)

[201] تفسير الطبري (18/102)

[202] المصدر السابق

[203] الصحيح المسبور (3/324)

[204] تفسير الطبري (18/102)، زاد المسير (3/108)، الدر المنثور (5/454)

[205] روح المعاني (8/459)

[206] النكت العيون (2/500)

[207] مفاتيح الغيب (21/498)

[208] مفاتيح الغيب (21/498)

[209] مفاتيح الغيب (21/498)

[210] روح المعاني (8/363)

[211] التحرير والتنوير (16/31)

[212] المُغُول أو المُنغُول قوم نشؤوا في أواسط آسيا في المنطقة منغوليا. يطلق هذا اللقب على كل من يتكلم اللغة المغولية بما فيهم شعب الكالميك الموجودون بشرق أوروبا. بداية ظهور الاسم بشكل رسمي بدأ من عهد أسرة تانج الصينية في القرن الثامن ولكن الظهور الفعلي بدأ يطفو للسطح في القرن الحادي عشر في خلال حكم الكاثاي, كانوا في البداية قبائل صغيرة ومتناثرة حول نهر اونون ما بين روسيا ومنغوليا حاليا، توحدت معظم قبائل المغول والترك في القرن الثالث عشر تحت مظلة حكم جنكيز خان.

[213] التَّتار أو التَّتر كلمة أطلقها العرب على مجموعة القبائل المغولية التي اجتاحت الشرق العربي وبلاداً إسلامية أخرى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. يُعرف التّتار عند الأوربيين بالتَّتار أو التَّارتار Tatar، أما الصينيون فيدعونهم بالتَّاتا ويحذفون حرف الراء، ويسميهم ابن خلدون التَّغزعز.

[214] الهون هم مجموعة من الرعاة الرحَّل، الذين ظهروا من وراء نهر الفولجا في روسيا حالياً و هاجروا إلى أوروبا الشرقية حوالي 370 ميلادية، و قاموا ببناء إمبراطورية في أوروبا. الهون كانوا يستخدمون الرماة على ظهور الخيل كالسلاح الرئيسى لديهم.

[215] القوط باللاتينية: “Goth”  قبائل جرمانية شرقية, وأرجح الآراء أنهم قدموا من إسكندنافيا إلى وسط وجنوب شرق القارة الأوروبية، لكن يبقى الخلاف على البلاد الأوروبية التي قدموا منها قائماً إلى اليوم. كان للقوط تأثير قوي في تاريخ أوروبا السياسي والثقافي والديني. يُقسَمون إلى قوط شرقيين وقوط غربيين.

[216] سورة الكهف:  ٩٣

[217] زاد المسير (3/108)

[218] المصدر نفسه

[219] روح المعاني (8/359)

[220] مفاتيح الغيب (21/499)

[221] زاد المسير (3/108)

[222] زهرة التفاسير (9/4585)

[223] بحث فــي الجذور الثقافية للعنصرية الصهيونية المركز الفلسطيني للإعلام، تاريخ الولوج 14 سبتمبر 2011

[224] barbarismo. ‏(Del lat. barbarismus).

[225] بَربري | برابرة قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية

[226] البَرْبَرُ : شعب أكثره قبائل تسكن الجبال في شمال إِفريقية . والجمع : بَرَابرُ ، وبَرَابِرَةُ . المعجم الوسيط.

[227] سورة الرحمن: ١ – ٤

[228] سورة الكهف: ٩٤

[229] أخرجه البخاري (6/97 رقم: 4741) ومسلم (1/500 رقم: 327) واللفظ للبخاري.

[230] تفسير ابن كثير  (5/195)

[231] المصدر السابق

[232] أخرجه أحمد (45/305 رقم: 21299)

[233] مجمع الزوائد (8/6  رقم: 12570)

[234] تفسير ابن أبي حاتم (8/2467 رقم: 13275)

[235] ذكره باختصار أبو زهرة في زهرة التفاسير (9/4586-4587)

[236] سورة البقرة: ١٧٧

[237] تفسير ابن كثير (1/380)

[238] سورة البقرة: ١١١

[239] سورة النساء: ١٢٣

[240] سورة الكهف: ٩٤

[241] زاد المسير (6/109)

[242] المحرر الوجيز (3/542)

[243] سورة الكهف: ٩٤

[244] سورة الكهف: ٩٤

[245] الصحيح المسبور (3/324)

[246] تفسير القرآن العظيم (5/196)

[247] أخرجه البخاري (2/112 رقم: 1427) ومسلم (2/717 رقم: 1033)

[248] سورة الكهف: ٩٥

[249] محاسن التأويل (7/67)

[250] البحر المحيط (7/218)، روح المعاني (8/361)

[251] تفسير ابن أبي حاتم (7/2388 رقم: 12975)

[252] روح المعاني (8/361)

[253] سورة الكهف: ٩٦

[254] المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص377

[255] سورة الكهف: ٩٦

[256] سورة الكهف: ٩٦

[257] المفردات في غريب القرآن ص677

[258] مفاتيح الغيب (21/500)

[259] في ظلال القرآن (4/2293)

[260] سورة الكهف: ٩٧

[261] مفاتيح الغيب (21/500)

[262] أخرجه البخاري (9/52 رقم: 7087) ومسلم (3/1486 رقم: 1862)

[263] كشف المشكل من حديث الصحيحين، لجمال الدين بن الجوزي، (2/301)

[264] أخرجه البخاري (9/52 رقم: 7087)

[265] أخرجه أحمد (14/430 رقم: 8836، 15/427 رقم: 9683، 30/583 رقم: 18619) قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن الحكم النخعي وهو ثقة (مجمع الزوائد: 3/417).

[266] فيض القدير (6/122)

[267] النهاية في غريب الحديث: مادة جفأ (1/782)

[268] الحاوي الكبير (8/41)

[269] انظر شروط النهضة ص68

[270] سورة الإسراء: ٧٠

[271] التشاوفينية  (Chauvinism)مبدأ فكري يرى أن الشعب المعين أرقي من بقية الشعوب، كاعتقاد هتلر أن الألمان فوق كل الشعوب، واعتقاد اليبانيين أيام الحرب العالمية الثانية أن اليبانيين أفضل الشعوب، ومثل اعتقاد اليهود أنهم شعب المختار، وهكذا مما يبرر احتكار بعض الشعوب للحقوق الأساسية دون غيرهم.

[272] سورة آل عمران: ١٤٠

[273] سورة الأنعام: ١٣٣

[274] سورة الروم: ٢٠

[275] سورة الحجرات: ١٣

[276] سورة الكهف: ٩٨

[277] زهرة التفاسير (9/4590)

[278] سورة البقرة: ٢٥١

[279] سورة يوسف: ١٠١

[280] سورة النمل: ٤٠

[281] أخرجه مسلم (4/2001 رقم: 2588)

[282] سورة الكهف: ٩٨

[283] تفسير الكشاف (2/748)

[284] سورة الكهف: ٩٩

[285] ( خلة ) بفتح الخاء المعجمة واللام وتنوين الهاء . وقال القاضي عياض: المشهور فيه ( حلة ) بالحاء المهملة ، ونصب التاء يعني غير منونة . قيل: معناه سمت ذلك وقبالته وفي كتاب العين الحلة موضع حزن وصخور . قال: ورواه بعضهم ( حله ) بضم اللام وبهاء الضمير أي نزوله وحلوله، قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين . قال : وذكره الهروي ( خلة ) بالخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحتين ، وفسره بأنه ما بين البلدين. (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[286] هي الماشية التي تسرح أي تذهب أول النهار إلى المرعى.

[287] أَمْحَلَ القومُ : أَجْدَبوا واحتبسَ عنهم المطرُ. (تاج العروس: مادة “محل”)

[288] هي ذكور النحل ، هكذا فسره ابن قتيبة وآخرون. قال القاضي: المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة، لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها، لأنه متى طار تبعته جماعته. والله أعلم. (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[289] أي قطعتين.

[290] مهرودتين أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[291] الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم هي حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، فسمي الماء جمانا لشبهه به في الصفاء. (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[292] وهو بلدة قريبة من بيت المقدس. وهي الآن داخل مدينة تل أبيب.

[293] ( لا يدان ) بكسر النون تثنية ( يد ). قال العلماء: معناه لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد ، وما لي به يدان ؛ لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد ، وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[294] ( ينسلون ) يمشون مسرعين. (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[295] ( النغف ) بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم فاء ، وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم ، الواحدة : نغفة .

[296] ( الفرسى ) بفتح الفاء مقصور أي قتلى ، واحدهم فريس .

[297] أي دسمهم.

[298] أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير ، ولا يكترثون لذلك : ( والهرج ) بإسكان الراء الجماع ، يقال : هرج زوجته أي جامعها يهرجها ، بفتح الراء وضمها وكسرها . (شرح النووي على صحيح مسلم: 9/327 رقم: 5228)

[299] أخرجه مسلم (4/2250 رقم: 2937)

[300] أخرجه البخاري (4/138 رقم: 3346) ومسلم (4/2207 رقم: 2880)

[301] أخرجه البخاري (2/149 رقم: 1493)

[302] أخرجه البخاري (2/149 رقم: 1593، 6/8 رقم: 1490) وابن حبان (28/41 رقم: 6874)

[303] أخرجه مسلم (1/131 رقم: 148)

[304] سورة الأنبياء: ٩٦

[305] سورة الروم: ١ – ٥

[306] في مثل قوله تعالى: “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ…” (البقرة: 120)

[307] في قوله تعالى: “…قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” (آل عمرن: 117)

[308] في قوله تعالى: “…وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ” (المائدة: 82-83)

[309] في قوله تعالى: “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ…” (آل عمران: 75)

[310] في قوله تعالى: “لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ…” الآية (آل عمران: 113-114)

[311] أخرج مسلم (4/2222 رقم: 2898)

[312] أخرجه مسلم (3/1524 رقم: 1924) وابن حبان (28/214 رقم: 2962)

[313] معجم البلدان (2/360)

[314] روح المعاني (11/19)

[315] التحرير والتنوير (21/41-42)

[316] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (رقم: 18781) وابن أبي أسامة في مسنده المعروف بمسند الحارث (رقم: 702)

[317] إسناد ضعيف لأن به موضع إرسال ، وباقي رجاله ثقات.

[318] أخرج مسلم (4/2222 رقم: 2898)

[319] سورة ص: ٦

[320] أخرجه أحمد (11/224 رقم: 6645) وابن أبي شيبة في المصنف (4/219 رقم: 19463) والحاكم في المستدرك (4/598 رقم: 8662) وصححه ووافقه عليه الذهبي.

[321] أخرجه مسلم (4/2238 رقم: 2920)

[322] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/3416 رقم: 5423)

[323] شرح النووي على صحيح مسلم (9/307 رقم: 5199)

[324] البداية والنهاية (19/106)

[325] الإفصاح عن معاني الصحاح (8/39)

[326] سورة الفتح: ٢٨

[327] سورة الأنبياء: ١٠٥

[328] سورة الصافات: ١٧١ – ١٧٣

[329] هذه المعايير هي: جودة المؤسسات، والبنى التحتية، والبيئة الاقتصادية، والصحة والتعليم الأساسي، والتعليم العالي والتدريب، وكفاءة سوق المنتجات، كفاءة سوق العمالة، تنمية السوق المالية، والجاهزية التقنية، حجم السوق، والأعمال المتطورة والابتكار.

[330] WEF Global Competitiveness Report 2014-2015 page 11

[331] The World in 2050, PwC analysts, February 2015, page 3

[332] سورة النحل: ٩٠

الإعلان

One comment on “سورة الكهف: أسرار المستقبل في خبايا الماضي (الجزء السادس)

  1. عمر اطرش
    2 يناير 2022

    ان اليهود هم من طلب من الكفار ان يسألوا الرسول عن رجل ملك الارض لأنه لم يذكر في الإنجيل والتوراة فكان الجواب انه ذو القرنين فلا بد ان يكون هذا الرجل معروف لدى اليهود وهذا لا ينطبق الا على الاسكندر المقدوني.
    وما يشاع في كتب التاريخ انه كان كافر لا أساس له اذ عادة الكفرة ان ينسبوا الكفر الى العظماء فهؤلاء النصارى قالوا عن عيسى بن مريم أشياء غير صحيحة واليهود نسبوا لأنبيائهم الفواحش.
    اما قوله تعالى بلغ مغرب الشمس فالقرآن ذكر خلاصة القول ان ذو القرنين رجل صالح استعمل الملك لصالح البشر فيما ينفع دنياهم وآخرتهم وعامل بني البشر بالإنسانية دون تفرقة بين شعب وآخر ولكن المزيد من الإعجاز القرآني ذكر الله أمور عن دو القرنين لا يعرفها الا من قرأ كتب التاريخ التى تروي قصتهونح اليوم عبر الانترنت يمكننا الاطلاع على كثير من المخطوطات التي دفنها التاريخ في رماله وظهرت لنا اليوم محفوظة في المتاحف وظهرت الترجمات من كل اللغات فلو رجعنا الى ما كتب عن الاسكندر المقدوني لوجدنا كتاب عن اليهود انه دخل مدينة القدس وأنهم عرفوه انه نبوءة دانيال تيس الماعز ذو القرن الواحد الذي ينطح الخروف ذو القرنين. ويذكرون انه انحنى احتراما لزعيم القدس الديني ولعله كان نبيا وقال الاسكندر ان هذا هو الشخص الذي رآه في المنام وبشره انه سيملك العالم فلا عجب ان يسلم الاسكندر على يد نبي من أنبياء بني اسرائيل. ثم اكمل الاسكندر وفتح مصر وذهب الى آخر مكان معمور في مصر وهو واحة سيوة وهي في وسط الصحراء قرية صغيرةوفيها معبد قديم ومن ناحية الغرب فيها بحيرة صغيرة وخلف البحيرة صحراء شاسعة بلا جبال وهكذا وقت الغروب ترى كأن الشمس تغيب في البحيرة لانعكاس ضوء الشمس فوق الماء وفي نفس الوقت تراها تدخل رمال الصحراء في الأفق الغربي وهذا الوصف ما كان يعني المؤرخين لكن الله ذكره لانه منظر فريد لا يعرفه الا من شاهده لأن الله هو عالم الغيب والشهادة ولَك ان تتساءل لماذا يمشي الاسكندر لعدة ايّام في الصحراء لما فيها من مخاطر حرارة شمس ورمال متحركة قد تدفن جيشا ومن خطر اضاعة الطريق والموت عطشا حتى يصل الى قرية صغيرة معزولة فيها عدة مئات من الناس وهم الأمازيغ الجواب لا أراه الا ان هذا المعبد المنعزل ما هو الا سجن يوسف ولا بد ان يوسف ترك فيه كتاب فيه نبوءة عن حكام مصر ويريد الاسكندر ان يسمع منهم كما سمع من حاكم القدس وهكذا يذكر التاريخ ان الكاهن هناك البسه لباسا خاصا ووضع على رأسه قرنين من نحاس وأعلنه انه حاكم مصر الذي سيحكم العالم وفائدة أخرى انه حين يدعوا شعب الأمازيغ الذي كان يسكن الواحة الى الله فان الدعوة ستنطلق من هناك حتى تعم كل ارض الأمازيغ عبر صحراء شمال أفريقية حتى شواطئ الأطلسي. وكذلك الحال حين بلغ مطلع الشمس اَي اخر البلادالتيوصل اليها ذوالقرنين من ناحية المشرق وهي مقاطعة البنجاب من ارض باكستان فصفة تلك الديار الحرارة المرتفعة حتى يتسنى الأمر لمجموعة دينية شاذة هجرت كل الماديات حتى تخلت عن اللباس الذي يستر عورة الانسان وهذا الامرمذكور عن الاسكندر انه سماهم الفلاسفة العراة ويذكرون انه اجتمع مع عشرة منهم ودعاهم الى الله . وهذا لنعلم ان الإسلام دين الوسطية الملك اعتمد على أسباب الله هيأها له ليملك العالم والإنسان اذا اجتهد بدون الرجوع الى دين الله قد يصل الى فشل ذريع كهؤلاء الفلاسفة العراة الذين رأوا ان التخلي عن المادة هو طريق السعادة. وهكذا يثبت ان الاسكندر المقدوني آمن بالله وملك الارض ودعا الى الله ودعا قومه الى الله فقتلوه بالسم ويروي عنه احدهم انه كان يغتسل ويصلي صلاته اليومية حتى اخر يوم من حياته رغم مرضه وارتفاع حرارته ونصيحة الطبيب ان يخلد للراحة بترك الصلاة اليومية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معلومات

This entry was posted on 4 مايو 2016 by in مقالات.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: