آفاق المستقبل

تصحيح مفاهيم وتكوين رؤى

مستقبل الأمة بين الخير والشر

198379_1344931624

إن موضوع الخير والشر يهم كل إنسان، ولا تتغير أهميته مهما تغير الزمان والمكان، وتتأكد وتشتد الحاجة إلى التعرف عليه ومراجعته والدقيق فيه في وقت ضاعت عن الناس معالم الحق، وابتعدت عن ثقافتهم أسس الهدي المستقيم، واشتبكت في حياتهم مؤشرات الضر والنفع واشتبهت لديهم أمارات الصواب والخطإ.

ومن أهم المواد العلمية التي تتحدث عن الخير والشر حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو حديث عظيم يكشف عن حبايا المستقبل وأسراره، يبين عن المنعطفات التاريخية التي مرت وستمر بالأمة الإسلامية مع ما ينطوي عليه من المخاطر والمزالق، وما يجب على المسلم أن يعلمه ويتصرف تجاهه.

هو حديث خطير، ومع خطورته لم يحظ بعناية لائقة تفصل دقائقه، وتلم شتات أجزائه، تبين مبهماته وتفسر مجملاته. فقد حاولت في هذه الرسالة أن أفصل ما أجمله شراح الحديث، وأجمع ما فرقته الروايات المنتشرة في كتب السنة، وأضع مبهمات الحديث بين يدي محكمات القرآن، ليكون القارئ على بينة تامة من معاني هذا الحديث العظيم.

فقد كانت القراءة العميقة من الصحابي الجليل سيدنا حذيفة بن اليمان للأحداث وإدراكه لما ستؤول إليه الأمور أوقفته على الأسئلة النادرة التي لم يسأل عنها غيره، وكان – رضي الله عنه- يتمتع بنباهة فائقة تجعله يتطلع إلى خفايا الأمور التي تكون آثارها أهم وأخطر من تلك التي يهتم بها الناس. فقد جرى حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمين سره حذيفة رضي الله عنه، وكان من أهم الحوارات التي أجراها حذيفة رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم.

قال خالد محمد خالد: “ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده.. وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه، ومظانه..”[1]

فبينما كان معظم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، كان سيدنا حذيفة يسأل عن الشق الآخر، في جو من الفرح العارم الذي ساد أجواء المدينة بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبظهور هذا الدين الجديد الذي يبشر المؤمنين بانفتاح أبواب الخير وسيادة أهل الخير، كان رضي الله عنه لم يفته الوجه الآخر من تقلب الأوضاع، كما كان الناس قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في جاهلية جهلاء وشر مستحكم، ثم انقلبت الحال وآل الأمر إلى ظهور الخير وتمكين الدين، ألحّ في نفس حذيفة رضي الله عنه سؤال في غاية الخطورة، سؤال نابع عن إدراك طبيعة الحياة التي لا تعرف الثبات المطلق، ولا تشهد غير التغير المستمر، وحي التجارب التي توحي بأن دوام الحال من المحال. من حق الناس أن يفرحوا ويحتفوا بهذا الخير الذي جاءهم من عند الله بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عليهم أيضا أن يتأكدوا هل هذا الخير سيدوم ويستمر إلى الأبد؟ أم أن الوضع سينقلب، وأن هذا الخير سينتهي أوانه وينقضي زمانه؟ سؤال خطير وملمح دقيق…

وإليكم نص الحديث كما في الصحيحين:

قال رضي الله عنه: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي،

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ, فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ, فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟

قَالَ: نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ.

قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟

قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ.

قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرّ؟

قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا.

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا.

فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا.

قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟

قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟

قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ.[2]

سؤال يعقبه حوار من العيار الثقيل، ومعلومات خطيرة تتدفق من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن حق هذا الحوار أن يُدرس دراسة عميقة، ومن حقه أن تفرد لمكنوناته مجلدات ضخمة تفصّل تلك المفاصل التاريخية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى العلماء والباحثين أن يكتشفوا أعراض مراحل تاريخ الأمة وعوامل تكوّنها، والطريق الأمثل لمواجهتها والتعامل مع تحدياتها والاستفادة من معطياتها.

وأعتقد أننا نحن المسلمين مقصرون في التعاطي مع هذا الخبر النبوي، فقد كان شُرّاح الحديث يبينون معاني الكلمات ويفسرون بعض العبارات لهذا الحديث، ولكننا نحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، نحتاج إلى أن نفقه هذا الحديث حق الفقه، ونستفيد منه أكبر استفادة.

والحقيقة أن فهم الواقع وسبر التاريخ واستشفاف المستقبل على ضوء هذا الحديث لا يصح أن يتم من خلال قراءة سطحية وحكم متسرع لمجرد لحظ بعض التشابه في الأحداث والوقائع، فإننا في الحقيقة نحتاج إلى قراءة أعمق للنصوص مع استحضار الوقائع التاريخية جنبا إلى جنب بنوع من التأني والحذر.

فهم الواقع وخطورة التشخيص الخاطئ

إن الكلام عن أحاديث الفتن قد تكون مفيدة وقد تكون ضارة، وفوائدها في كشف عوار الفتن وفضح أصحابها واضحة، ولكنها لا تأتي من قِبَل قراءة خالية عن التدقيق والتأني في الحكم. فإننا إذا أخطأنا في تنزيلها الواقعي فقد قلبنا الخير شرا والشر خيرا، أو خاصمنا أصدقاء وصادقنا أعداء، فبسبب خطورة هذا الموضوع وصعوبة تفادي خطره فقد آثر الكثير السكوت وعدم الخوض فيه. ولولا الحاجة الملحة لفهم مجريات الأحداث وكشف تحديات المستقبل لكان هذا الكلام مخاطرة كبيرة. ولكننا آثرنا المضي في الموضوع لما رأينا من الأخطاء المتكررة والمشاكل المتشابهة والفتن التي تعود مرة بعد أخرى بسبب الجهل بالحقائق المهمة التي قد كشفها الرسول صلى الله عليه وسلم وسكت عنها الكثير.

إن الأخطاء الشائعة عند كثير من الناس الذين يتكلمون عن أحاديث الفتن وأشراط الساعة أنهم يتسرعون في تنزيل النصوص على واقعم المشهود قبل التأكد من تطابقها تماما للواقع الفعلي. إن شدة تصديقهم ربما دفعتهم تارة إلى تصوير الواقع بما يشاكل تصورهم الخاص للنصوص أو إلى تفسير النصوص بما يرونه في الواقع، وهذه منهجية مغلوطة تظلم الواقع والنصوص معا.

إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفتن والملاحم وأشراط الساعة قد يراد منها مرحلة معينة من تاريخ الإسلام الطويل ولا تنطبق على باقي المراحل. نعم كثرت الوقائع التي طابقت ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها، وذلك معجزة من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا فُسّرت أحاديث الفتن بغير ما أريد لها فقد وصفنا الواقع بغير حقيقته، وهذا جناية على الواقع وانتهاك لحرمة النصوص في آن واحد.

ومن مخاطر خطإ فهم تلك الأحاديث سحب المسلمين من المشاركة في الأحداث في الظرف الذي يطلب فيه المسلم إلى الاندفاع في معركة البناء أو محاربة الفساد خوفا من الفتن، مع أن الواقع الذي يتحدث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر فيه المسلمين بالانعزال ليس هو ذلك الواقع الذي لا يصلح فيه أمر المسلمين إلا بتظافر الجهود على البناء والتعاون على البر والتقوى. وكم جنى ذلك الفهم الخاطئ على تمسك وحدة المسلمين وحفظ قوتهم، فقد أدى ذلك الفهم إلى سحب بعض الناس عن شغل دورهم في تغيير الواقع، فقد ظنوا أن المخرج الوحيد من الفتن في كل العصور هو الاعتزال والتقوقع والتفرج على الواقع المؤلم دون أي شعور بالمسؤولية أو مشاركة في زيادة خير أو تقليل شر. وهو موقف ناتج عن قراءة خالية عن الفقه والفهم.

وللتمييز بين الحكم المتسرع الذي يحرّف النصوص عن مقصدها الأصلي وبين فقه النصوص الذي يكشف مكامن الخطر ويدل على الطريق الأقوم في كل المعضلات نحتاج إلى أن نضع كل النصوص المتعلقة للموضوع في طاولة واحدة لنركّب بها صورة مكتملة – ولو نسبيا- لما قصدته تلك الأحاديث. فالاعتماد على نص واحد ثم جعلها قالبا ثابتا لتفصيل كل الأحداث على مقاسها عملية مقلوبة بعيدة على المنهجية العلمية التي علمنا إياها قرآننا الكريم وأرشدنا إليها ديننا القويم.

أهمية جمع الروايات لفهم الحديث

حتى نتمكن من إفادة هذا الحديث لتوصيف الواقع لا بد من جمع روايات هذا الحديث، فإن الرواية الواحدة للحديث في كثير من الأحيان غير كافية  لفهم معناه وتصور مغزاه. وجمع الروايات هو منهج أئمة الحديث الأوائل يوم كان أهل الحديث أهلا للحديث. قال الإمام أحمد: “الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً”.[3]

وقال يحيى بن معين : “لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه”.[4]

وقال علي بن المديني: “الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه.”[5]

والحقيقة المهمة التي لم يتطرق إليها كثير من المتكلمين لهذا الموضوع أن رواية الصحيحين لا تشتمل على كامل الحوار الذي جرى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين حذيفة، فإن أجزاء مهمة منها ذكرت في المصادر الأخرى وإن كانت أقل صحة حسب معايير الشيخين لكنها أهم من حيث ثقل المضمون وعظم الفائدة. فقد ورد في سنن أبي داود والنسائي ومسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بأسانيد صحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة قبل أن يجيب تلك الإجابات المذكورة: “يَا حُذَيْفَةُ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ” وفي رواية الحاكم: ” يَا حُذَيْفَةُ تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ”، وكررها مرارا، وهذا له دلالة عظيمة نفصّلها بعد إيراد هذه الرواية:

قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه، وعلمت أن الخير لا يفوتني، قلت: “يا رسول الله هل بعد الخير من شر؟”

قال: “يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه!”

فأعدت عليه القول ثلاثا،

فقال في الثالثة: “فتنة واختلاف.”

قلت: يا رسول الله هل بعد ذلك الشر من خير؟

قال: “يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه!” ثلاثا

ثم قال في الثالثة: “هدنة على دخن، وجماعة على قذى فيها.”

قلت: “يا رسول الله هل بعد ذلك الخير من شر؟

قال: “يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه!” ثلاثا

ثم قال في الثالثة: “فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم.”[6]

وفي هذه الرواية معلومات إضافية مهمة رغم أنها كذلك تترك بعض أجزاء الحوار كما سنرى في روايات أخرى لاحقا، وهذا شأن الجهد البشري، ومن أراد الحقيقة كاملة لا يحصل عليها براحة الجسم – كما قاله يحيى بن كثير رحمه الله- بل عليه أن يتكبد عناء البحث ومشقة التدقيق والتحقيق.

إن تكرار الرسول صلى الله عليه وسلم قوله “يَا حُذَيْفَةُ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ” يوحي بشكل واضح بأن ما في القرآن ما يكشف عما تساءل عنه حذيفة من تصور الأوضاع القادمة والحلول في تلك الأزمات المتوقعة. وقد تكون من بدهيات عقيدة المسلم أن في القرآن بيان لكل ما يعتريه الإنسان من المشكلات، وذلك لقوله تعالى:{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[7]  وقوله: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}[8] وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[9] وقوله: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  ﮄ   يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[10]

ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم إن الجواب قريب جاهز في القرآن، ولكنه أمر حذيفة بتعلم القرآن حتى يجد أجوبة على تلك التساؤلات. نعم لم يذكر القرآن أحداث المستقبل بشكل صريح، ولكن القرآن يكون عقلية قادرة على التعامل مع الأحداث الصعبة، ونفسية مستعصية على ضغوط الأزمات. والقرآن لا يعطي شيئا واحدا يرضي فضول الاستطلاع لغيوب المستقبل، ولكنه يعدّ إنسانا واعيا ناضجا رزينا يستعد لمواجهة التحديات.

معطيات القرآن في معالجة مشكلات الواقع

إن للقرآن الكريم معطيات مهمة حيال مشكلات الواقع، تتمثل في خمس حُزَم من الهدي الإلهي القويم، كل حزمة تحتاج لتفصيلها إلى كتاب مستقل ولكن نوردها بإيجاز شديد كالتالي:

(1) فهم سنن الحياة، إن القرآن الكريم يبين طبيعة الحياة كيف تسير، وعلى أي نمط يتكون المشهد القادم. إن هناك مجموعة مهمة من القوانين الثابتة تحكم مجريات الأمور في كل العصور. إن استيعاب هذه القوانين أو يسمى في المصطلح القرآني بـ”سنة الله” يجعل الإنسان واعيا بكل ما يحدث على وجه البسيطة. يعرف أن الأيام يداولها الله بين الناس، وأن عاقبة الأمور دائما لمعسكر الخير – وإن كان للشر جولة مدة من الزمن، وأن تغير الأوضاع العامة يبدأ من تغير النفوس، وهكذا فإن السنن المقررة المبثوثة في القرآن تعطي للإنسان تصورا واضحا لما حوله من الأحداث ولما سيأتي من التغيرات.

(2) تكوين عقلية علمية واعية للواقع، إن القرآن الكريم يربي المسلم على نمط التفكير العلمي الدقيق، فإنه أمره بألا يتقبل أي خبر ورَد بدون التأكد والتحقق، وأن لا يقبل رأيا بدون برهان، ويحث القرآن دائما على السير في الأرض لاكتساب معلومات ميدانية مفيدة، ولا يترك الإنسان يتقوقع في ذهنية منغلقة قابعة على قناعات جامدة. هذه هي العقلية التي يريدها القرآن، وسنرى كيف أن التخلي عن هذه العقلية وعدم تكوّنها لدى شريحة كبيرة من المسلمين كان وراء سبب كل الفتن التي عصفت بحياة المسلمين قديما وحديثا. كما أن القرآن أيضا يعلم نسبية الحقائق الاجتماعية، بحيث لا يجر الإنسان في الحكم العام الذي لا يستثني أحدا، فإن القضايا الاجتماعية لا تخلو من الاستثناءات التي يكون التغاضي عنها ظلما لأشخاص كثيرين.

(3) تهذيب النفوس من رعوناتها، فإن كل مصائب العالم ومشاكله جاء إما من قبل فساد العقل أو رعونة النفس. إن القرآن الكريم رفع الإنسان من ضغط الغرائز الحيوانية إلى التحليق الروحي الذي يجنبه الصراع على حظوظ النفس الضيقة، يترفع الإنسان القرآني عن التورط في سفاسف المسائل، وحتى إذا اضطر إلى خوض معركة مفروضة تصرّف بأخلاقية عالية تجعل من المعركة مسرحا للسمو الإنساني لا مرتعا للنزاع الحيواني، وهو بطبيعته يختصر طريق الخلاص ويجنب الوقوع في دوامة التناطح على المصالح.

(4) اكتساب سلوكيات مطلوبة حيال الأزمات، ومن أهم ما جاء به القرآن هو تربية الناس على سلوكيات ناضجة وأخلاقيات راقية تجنب الناس من ارتكاب حماقات توقعهم في معارك هم في غنى عنها. علّم القرآن الإنسان تحري الألفاظ المهذبة لئلا يساء فهمها وتؤدي إلى عداوات جراء سوء تفاهم، وعلمنا الصفح والعفو لئلا تطول المشاكل بسلسلة من الانتقام والحقد المتنامي، وقد كان أكثر الفتن التي وقعت في تاريخنا الطويل لم يخلُ من خطإ التصرف من هذا النوع، لو لم يكن هناك سوء تفاهم بين الصحابة لم يتطور الخلاف إلى التحارب، وإذا كان لشيعة علي[11] كلهم أخلاق السماحة والصفح التي اتسمت بها آل البيت لم يكونوا وقودا للفتن التي جاءت بعد ذلك. وإن كانت وراء تلك الفتن أطراف خارجية أشعلتها وجاهدت من أجل بقاءها مشتعلة، ولكن إذا كان الوقود لم يقبل الاحتراق لم يكن لمشعلي الفتن أي منفذ. ولكن قدر الله وما شاء فعل، لحكمة أرادها الله، والله في كل ما قضى حكيم عليم.

(5) ومن أهم ما يعطيه القرآن للإنسان في حياته: معرفة البوصلة الثابتة وسط العواصف. إن القرآن يقدم للإنسان “فلسفة الحياة المستقيمة”، فهماً للحياة يختلف عما يفهمه أكثر البشر الذين لا يعرفون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. إن القرآن الكريم نزل مواكبا للأحداث الصعبة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت توجيهات القرآن دائما تشير إلى الوجهة المطلوبة والرؤية الثابتة التي ينبغي أن يتجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل هذا رصيد مهم من المفاهيم والتصورات والمبادئ والتوجيهات التي يستزيد بها المؤمن في ظل ظروفه القاسية والفتن الحالكة.

هذه هي أهم ما يستمده الإنسان من معين القرآن الفائر بالنور والهدى والجلاء والروح والقوة، فهو حبل الله المتين وذكره الحكيم وهو الصراط المستقيم، فيه أنباء الماضي وأحكام الحاضر وأخبار المستقبل.

ضرورة الرجوع إلى القرآن

توقع الناس غالبا أن تكون أجوبة الرسول صلى الله عليه وسلم أجوبة نهائية، وأن القارئ لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحتاج إلى بحث وبذل جهد علمي بعدها. ولجأ الناس إلى فهم حرفي للأحاديث، وليتهم قرؤوا الأحاديث بكل طرقها ورواياتها، فالمؤسف أن أكثرهم اكتفوا برواية واحدة ويعتقدون أنها تشتمل على كل الحقائق.

وقد تبين من خلال جمع الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم حث حذيفة على دراسة القرآن لاكتشاف تلك الأسئلة الخطيرة. وقد أكد هذا روايات عدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعا كما روى الطبراني عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا الْفِتَنَ فَعَظَّمَهَا وَشَدَّدَهَا،

فَقَالَ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْمَخْرَجُ مِنهَا؟

فَقَالَ:”كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ حَدِيثُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَالذَّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَمَّا سَمِعَتْهُ الْجِنُّ، قَالَتْ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}[12]، هُوَ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ”.[13]

والرجوع إلى القرآن في إيجاد أجوبة على أسئلة الواقع كان هو السلوك السائد في صدر الإسلام، وكان الصحابة رضي الله عنه يبدؤون بالرجوع إلى القرآن في كل مسألة عرضت عليهم، ثم يلجؤون إلى السنة بعد استقرائهم للقرآن، ثم يكوّنون آراءهم بعد مراجعتهم لهذين الأصلين.

وهذا هو طريق إيجاد الحل الأمثل في فض منازعات المسلمين، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[14]

ومن مقتضيات العقيدة الإسلامية أن لا يتقدم المسلم إلى شيء إلا بعد “ضوء أخضر” من القرآن وسنة رسوله، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[15] أي – كما قال ابن القيم- لا تقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه.[16]

وظل المسلمون الأوائل يلتزمون بهذه المنهجية، حتى ضعف التعلق بالقرآن في الجيل التالي، وقلّ العلماء بكتاب الله، وأحجم الناس عن الغوص في معاني كتاب الله، فلجأ الناس إلى ما هو أسهل منه وهو ظاهر السنة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما قلتُ ظاهر السنة لأنه إذا عملوا بالسنة كاملة، لم يقصّروا في تعلم القرآن وتنزيله في واقعهم، ولكنهم اكتفوا بالدلالة الظاهرة للسنة وأهملوا الدلالات العميقة منها، ولكن الوضع العام لم يزل بخير ما دام الناس اهتموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وقفوا عند حدود الظاهر منها. ثم تدهور الوضع أكثر حين ضعف العلم بالسنة، واستصعب الناس استيعابها والرجوع إليها، فاكتفوا بالرأي المجرد عن الوحي، فكثر الخلاف وقلّت القناعات الجامعة للناس وضاقت المساحة  المشتركة في مقابل اتساع مساحة الخلاف، فهنالك عمت الحيرة عقول الناس، وغلب الحشو على اللب، واستحكمت الفتن، فلم يبق للمسلم منجاة حينئذ إلا بالتمسك بأدنى قدر مما يعرف من أصول الدين المتبقية.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ، ثم تعمل بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا »[17]

واستنطاق القرآن يحتاج إلى علوم تساعد على اكتشاف دلالاته الظاهرة والكامنة، فإن محتوى القرآن له أربعة مستويات، كما روى الطبراني عن ابن عباس ، رضي الله عنه قال: «أُنزل القرآن على أربعة وجوه: فوجه حلال وحرام ولا يسع أحدا جهالته، ووجه تعرفه العرب، ووجه تأويل يعلمه العلماء، ووجه تأويل لا يعلمه إلا الله عز وجل، من انتحل منه علما فقد كذب».[18]

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف خطورة انتقال تلك المرحلة التي كان المسلمون لا يشغلهم فيها كتاب غير كتاب الله. فلم يرد أن يفتح الباب في زمانه، مع أن كتابة السنة مفيدة، لكن لم يزل الناس في عهده يعرفون السنة عمليا ويرونها شفويا. وكانت هناك جهود فردية لتدوين السنة وحفظها في الكتب، ولكن لم تدع الحاجة إلى تعبئة الأمة لهذا الأمر.

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: “إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا.”[19]

وليس معنى ذلك أن الناس ليسوا بحاجة إلى السنة، وأنه يجب الاستغناء بالقرآن فقط، لم يكن هذا هو منهج عمر ولا غيره من الصحابة، بل أراد عمر بن الخطاب أن يتيح للناس فرصة أكبر للتعمق في القرآن، ليكون فهمهم للسنة مبنيا على تشبعهم بروح القرآن. عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ : لَمَّا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ شُرَيْحًا عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ قَالَ: انْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَكَ فِى كِتَابِ اللَّهِ، فَلاَ تَسْأَلَنَّ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَاتَّبِعْ فِيهِ السُّنَّةَ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِى السُّنَّةِ فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيَكَ.[20]

هكذا علّم عمر منهجية الفكر الإسلامي، يجب البدء بالقرآن ثم بالسنة ثم اللجوء إلى الرأي بعد التشبع بالقرآن والسنة.

وقد أنكر الصحابة جدا على دعوى الاستغناء بالقرآن فقط دون سنة رسول الله عليه وسلم، كما ورد عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أنهم تذاكروا عنده الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل عند عمران بن حصين : “دعونا من الحديث ، وهاتوا كتاب الله تعالى.” فقال عمران بن حصين : « إنك لأحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة؟ في كتاب الله الصيام مفسرا؟ الكتاب أحكمه والسنة فسرته »[21]

والمقصود أنه يجب الرجوع إلى القرآن والسنة معا، ولا يجوز الفصل بينهما، إن التمسك بالسنة دون الرجوع إلى القرآن “تسطيح” للدين وإبعاد عن روحه، والاكتفاء بالقرآن دون السنة بتر للدين وتجريد عن تفاصيله المهمة.

ما هو “الشر” بعد عهد النبوة؟

ذلك ما يتعلق بالقرآن وكيف أن رسول الله صلى الله وسلم أمر حذيفة بتعلم القرآن لمعرفة التحديات المستقبلية. ولما أصر حذيفة رضي الله عنه على السؤال قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. لم تذكر رواية الصحيحين ما هو الشر الذي بعد خير عهد النبوة، ولكن جاء في رواية الحاكم والطبراني في الأوسط بيّن الرسول أنه “فتنة واختلاف” وفي رواية أحمد وأبو داود والنسائي: “فتنة وشر”.

وقوله “فتنة واختلاف” أو “فتنة وشر” يدل على أن منشأ ذلك الشر هو اختلاف الناس وتنازعهم وعدم قدرتهم على تجاوز سوء التفاهم بينهم، فنشأ من ذلك فتنة تُوقع الناس في التقاتل والتعارك.

وقال العلامة الطيبي[22] رحمه الله تعالى: إن المراد بالشر: الفتنة ووهَن عرى الإسلام واستيلاء الضلالة وفشو البدعة.[23] وهو في الحقيقة شر محدود، لأن الخير الذي تركه عهد النبوة لم يزل تأثيره قويا في الناس، ولم يزل الدين الإسلامي هو المهيمن على الحياة العامة، لذلك رأى الطيبي أن المقصود بالشر هنا “حدوث بعض شر”[24] وليس الشر المطلق.

وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى التحديد أكثر فقال: “والمراد بالشر ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان وهلم جرا، أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة.”[25]

ومعنى ذلك أن هذه الفتنة وهذا “الشر” وقع في فترة القرون المفضلة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها خير القرون، كما في الحديث المتفق عليه: “قَالَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.” فكيف نصف ذلك الزمن بالشر مع كونه خير القرون؟

والجواب أن الشر والفتنة التي وقعت بين الصحابة إنما هي حالة طارئة لم تدم طويلة، أما الخيرية فهي صفة ثابتة لهم وغالبة في حقهم، ويؤكد ذلك عودة الخير بعد ذلك الشر. أضف إلى ذلك ما سبق نقله عن الطيبي أن المراد بالشر هو “حدوث بعض شر”، والفتنة سنة إلهية لا يسلم منها بشر، وكما قال تعالى في حادثة الإفك: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}[26]، فكل فتنة حدثت في المؤمنين إنما هو اختبار لإيمانهم وصدقهم وثباتهم، فيجازي الله المحسنين والمسيئين، كل حسب أعماله ومواقفه، ويتوب الله على من تاب. وكل إلى الله راجع، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[27]

الكلام عن الفتنة بما لا ينتج فتنة أخرى

لكن المأساة الأعظم ليست هي ما حدث بين الصحابة، لأنهم قد أفضوا إلى ما عملوا، وما علينا من حسابهم من شيء، وما من حسابنا عليهم من شيء. وقد تصالحوا عام الجماعة في خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه وأمه، وصلى الله وسلم على جده المصطفى أعظم الصلاة وأتم التسليم. إن الكارثة الحقيقية أن يكون هناك من يجترّ تلك المآسي ويعيدها أعظم مما كانت، ويوسع دائرتها أوسع من حجمها الحقيقي. وهؤلاء إما مغرض ناقم للإسلام وأهله وإما جاهل مغفّل تابع كل ناعق. أما عقلاء المسلمين فعرفوا أن الفتنة لا تعالج بفتنة أخرى، وأن المشاكل إذا انتهت وخمدت لا يجوز تكرارها ونبشها والتباكي عليها، فالحياة يجب أن تستمر، والأمة عليها أن تواصل المسيرة إلى الأمام، وعليها من الواجبات والمهمات ما يشغلها عن ربط وجودها بتلك الكارثة التاريخية التي قد ولّت.

وقد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية – رضي الله عن جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقال: «فتنة عصم الله منها سيوفنا فلْنَعصِمْ منها ألسنتَنا».

وسئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: «قتال شهده أصحاب محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وغِبْنَا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتَّبَعْنا، واختلفوا فوقَفْنا».[28]

وهذا عمر بن عبد العزيز الإمام الراشد، إمام الهدى، لما سئل عن الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما قال: “فتنة نجى الله تعالى منها سيوفنا، فلِمَ لا ننزه عنها ألسنتنا؟!”[29]

وقد اتفق أهل السنة والجماعة – وهو موقف الشيعة أيضا- على أن علي بن أبي طالب كان على حق، وكان معاوية مخطئا، ويكفي ذلك القدر من اتفاق المسلمين بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ولا ننجرّ بعد ذلك وراء زائغي القلوب الذين ما يزالون يتخذون تلك الأحداث بضاعة رخيصة يعكرون بها حياة المسلمين، ويشتتون بها وحدتهم، ويصرفون بها عن الأهداف الكبرى التي جاء بها الإسلام لإسعاد البشرية وإخراج العالم من الظلمات إلى النور.

وإن كان للمسألة بقية فما علينا غير الاستفادة من الدروس التاريخية المهمة لنكتسب منها النضج السياسي والوعي التاريخي، فالشرور لها أسباب ولتناميها طرق وتجليات، فالكياسة المطلوبة ليست في اجترارها و”تطوير” تداعياتها، وشن هجوم على إخوان لنا مسلمين ليس لهم في القضية ناقة ولا جمل، بل المطلوب معرفة أسبابها وطرق تقليصها والنجاة منها.

قد اكتسبنا درسا مهمّا أن أعداء الإسلام لن يتوقفوا حتى في وقت كان المسلمون في أوج قوتهم ووحدتهم، إذا لم يقدر الأعداء على محاربة علنية فإنهم لم يتوانوا في بذل الجهود الجبارة في إضعاف المسلمين بزرع المندسين يفرقون صف المسلمين ويشككون في مصداقية أئمتهم، ويزعزعون استقرارهم ويهددون أمنهم.

واكتسبنا درسا مهما أيضا أن الغوغائيين وإن كانوا في البداية قلة يتكاثرون مع قلة وعي الناس الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وأن الحماسة الزائدة الخالية عن الوعي والعلم الرصين هي المادة السريعة الاشتعال، تنتشر الفتن بسببها.

ولكن الدرس الأهم للمسلمين من هذا الصراع بين الصحابة هو أن ليس كل خلاف بين طرفين يستلزم أن يكون أحدهما على الباطل الآخر على الحق بشكل قاطع، قد يكون سبب الخلاف هو سوء التفاهم بين الطرفين لا أكثر ولا أقل، وكلا الطرفين يريد الحق، وإن التبس وجه الحق على أحدهما.

ولا يصح في هذه المسألة بالذات اتهام معاوية بالنفاق وأن كل من معه منافقون. صحيح أن الحق كان مع الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، ولكن الطرف الآخر ليس بالضروري على الباطل الصرف، فإن معهم أسبابا ظنوها مشروعة.  إن معسكر معاوية وعلي كلهم داخل معسكر الإسلام والإيمان، وقد جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا قوى الكفر في الشرق والغرب قبل وبعد تلك الفتنة. والذي حصل هو تفكّك الصف الإسلامي الداخلي بسبب أطراف مشاغبة تعكّر الجو وتمنع التوصل إلى موقف مشترك. وقد يتكرر مثل هذه الأحداث داخل الصف الإسلامي، فإن الشيطان لن يتوقف عن إفساد العلاقة بين المؤمنين. كما قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ.”[30]

ومهما تكن من الأحداث المؤسفة إلا أن تحكيم العقل واعتماد الحكمة لم يرخص لأحد أن يزيد تلك النار اشتعالا ولا أن يكرس لهذه الفتنة استمرارا، وإيقاف الفتنة بعد حدوثها بقرون أسهل من مواجهتها حين وقوعها، فمن قلة العقل أن يبقى بعض المسلمين يرددون هذه المأساة في كل مناسبة ويعيدونها إلى الوجود بعد أن طويت صفحتها، فعندنا من المشاكل الواقعية ما يغطي كل أوقاتنا ويستدعي كل طاقاتنا، فما للبطّالين أن يشغلوا الناس ببطالتهم وقلة وعيهم؟!!

إن مسيرة الأمة الإسلامية لم تتوقف بعد تلك الأحداث المؤلمة، قد واصل المسلمون طريقهم لنشر الإسلام وخدمة الدين وتطوير الحياة الإنسانية. والحكماء والعلماء من المسلمين قدموا للعالم رقيا حضاريا فاق كل من سبقهم من سكان الأرض. لم يتوقف المد الإسلامي شرقا وغربا بعد تلك الفتنة العابرة، وقد عاد المسلمون إلى مواقع الجهاد بعد أن تصالحوا، نعم لم يكن الوضع على الخير التام الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شابه شوائب الحقد والجهل والهوى، ولكن المخلصين لم يتأثروا، وهم كثر، والمجاهدون لم يتوقفوا، وهم الأصل. وبقي الإسلام دينا ظاهرا على كل الأديان ولو كره المشركون.

قاعدة قرآنية ثابتة: “زوال الشر وبقاء الخير”

إن تعاقب الخير والشر سنة كونية ثابتة، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[31]، ولكن هناك سنة أخرى تكمّلها وتتوّجها، وهي أن البقاء للخير، قال الله تعالى:  {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ، كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِل، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}[32]

نعم، الشر والخير يتعاقبان ويتداولان، ولكن نهاية المطاف إلى الخير دائما، والعاقبة للتقوى والمتقين.

إن الحق ثابت وباق، قضى على الباطل بالزوال، قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}[33]، وقال تعالى: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}[34].

ولكن هذه الدار دار ابتلاء، فإن الله مكّن لأهل الباطل أن يكون لهم جولة وصولة فترة من الزمن على أهل الحق لأسباب: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}[35] وكذلك {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} وفي الأخير {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}.[36]

فلذلك لم يكن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم غريبا لما سئل “وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟” فقال: نعم. فلا بد للشر أن يزول، ولا بد للخير أن يبقى ويرجع للظهور.

وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يلاقون هزيمة قط، بل النصر والهزيمة والنجاح والفشل والراحة والتعب والفرح والحزن كلها نصيب كل إنسان، وكلها محالّ اختبار وأدوات القياس.

قال القاضي عياض رحمه الله: قيل المراد بالخير بعد الشر أيام عمر بن عبد العزير رضي الله عنه.[37] وهذا صحيح إذا حصرنا الخير في المجال السياسي، ولكن خير الإسلام في هذه المرحلة أوسع من ذلك. لقد عاش المسلمون زمن الخير الطويل حيث انتشر الدين وقويت شوكة المسلمين وتمكنوا من بناء حضارة قوية مبنية على التوحيد امتدت آثارها مكانا زمانا، قرونا وقارات، وهو الخير الذي لم تشهده الأمم قبلنا حيث كانت الحضارات السابقة كلها قائمة على الشرك، وكان التوحيد عندهم محصورا في زوايا التاريخ ومركونا في خباياه، فكرم الله هذه الأمة بإقامة التوحيد ونشره وترجمته إلى أنماط حضارية متعددة من العلوم والفنون والصناعات والممارسات الحياتية، ولله الحمد والمنة.

فقه “الدخن”

ولكن لم يكن الخير الذي جاء بعد عصر الفتن على الصفاء الأول، بل فيه شوائب، سماها الرسول صلى الله عليه وسلم “دخنا” – كما في الصحيحين. وفي رواية أحمد وأبي داود والطبراني في الأوسط جاء وصف هذه المرحلة بأنها: “هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ”[38] وفي رواية لأحمد: “إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ”[39].

أما “هدنة على دخن” معناه أن ذلك الاختلاف والتقاتل في المرحلة السابقة ينتهي إلى صلح بينهم ولكن يشوبه كدر، وقد سأل حذيفة كيف يكون ذلك؟ كما في مسند أحمد وسنن أبي داود قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ.[40]

قد تصالح المسلمون في خلافة الحسن بن علي بتنازله عن الخلافة لمعاوية ولكن لم يرجع المسلمون إلى الوحدة الأولى والصفاء الأول، بل ظل هناك شرخ غير هين بين شيعة علي بن أبي طالب وأنصار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عن صحابة رسول الله أجمعين. لذلك وصف ذلك على أنه: “جَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ” أو “إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ”، أي أن المسلمين رجعوا إلى الجماعة الموحدة والإمارة الواحدة ولكنها تقوم على أذية غير قليلة. و”أقذاء” جَمْع قَذًى ، وَهُوَ مَا يَقَع فِي الْعَيْن وَالشَّرَاب مِنْ غُبَار وَوَسَخ.[41]

قال النووي فيما نقله عن أبي عبيد وغيره: إن الدَخَن بفتح الدال المهملة والخاء المعجمة؛ أصله أن تكون في لون الدابة كدورة إلى سواد، قالوا: والمراد هنا أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض، ولا يزول خبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصفاء.[42]

وقال ابن حجر في معنى الدخن أنه هو الحقد. وقيل: الدغل. وقيل: فساد في القلب. ومعنى الثلاثة متقارب، يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرا خالصا، بل فيه كدر. وقيل: المراد بالدخن الدخان، ويشير بذلك إلى كدر الحال. وقيل: الدخن كل أمر مكروه. وقال أبو عبيدة: يفسر المراد بهذا الحديث الحديث الآخر “لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه.” وأصله أن يكون في لون الدابة كدورة بالحق. المعنى أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض.[43]

وهذه كلها نتيجة ذلك الصراع المرير الذي لم يكن يعالج من أساسه، بل زاده الناس عمقا واتساعا، فقد كان الخلاف سياسيا بحتا، ولكن أصحاب الهوى وأهل الجهل حوّلوه و”طوّروه” إلى مسألة عقدية، وقد رأينا كيف صارت المسألة “متطورة” جدا، تكونت على أساسها مذاهب وجماعات ودول، وقامت على أنقاضها حروب وصراعات طويلة. وهي في الأصل لم يكن غير اختلاف وجهة نظر في التعامل مع قتلة عثمان رضي الله عنه، وكانوا متفقين على وجوب القصاص في حقه، وإنما اختلفوا في توقيته فقط! فنعرف كيف كانت أزمة النفوس وأزمة التفكير تسبق الأزمات الكبيرة، ولم نقل في حق الصحابة إلا كل خير، وهم بشر يخطئ ويصيب، وكان صوابهم أكثر من خطئهم، لكن الأدهى من ذلك الخلاف أن من بعدهم لم يبنوا على الصلح الحاصل، بل بنوا على الخلاف الذي قد تصالحوا عليه!؟ وهذه المسألة أهون من أن تشغل الأمة قرونا طويلة، هي أزمة مرت وعولجت بشكل من الأشكال، فالواجب المفترض للجيل اللاحق أن يبنوا على صوابهم واتفاقهم، لا أن يدققوا الأخطاء الفائتة والخلاف المنقضي.

والحق الغائب من كلا الفريقين – أي ما بعد الخلفاء الراشدين- أنهم لم يحاولوا إرجاع مؤسسة الشورى التي كانت في عهد الخلفاء الراشدين، ولم يدع أي واحد منهم إلى جعل الحكم شورى بين المسلمين، بل تنازع كل فرقة على المُلك، وظن كل فريق منهم أنهم أحق بالملك من الآخر، وهكذا انقضت العروة الأولى من عرى الإسلام.

كما ورد في الحديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ.[44]

والأخطر في هذه المرحلة ليس في ذلك الخلاف، فإن الحياة تتقدم رغم ذلك كله، ولكن ما أفرزه ذلك الجو العكر من بروز أقوام يخلطون بين الخير والشر، وبين النور والظلام، بين السنة والبدعة، بين الإسلام وآثار الجاهلية، فكما جاء في الصحيحين أنهم: “قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ.” وفي رواية لمسلم: “قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ.”[45]

قال ابن حجر في معنى قوله “تعرف منهم وتنكر”: يعني من أعمالهم، وفي حديث أم سلمة عند مسلم “فمن أنكر برئ ومن كره سلم”. وقال: وقوله بعده (تعرف منهم وتنكر) أنهم هؤلاء القوم خلطوا المعروف بالمنكر، فتعرف منهم أمورا محمودة وتنكر فيهم أشياء مذمومة.[46]

وجاء عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره  فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا.[47]

هدي الشرع إذا اختلطت الأمور

لم يخرج ذلك النوع من الخلط عن صفة الخير كما وسمه الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الخير ما زال هو الغالب والمهيمن في هذه المرحلة. ولكن بدأ المسلمون في خوض معركة أخرى أكثر تعقيدا، وهم في هذه المرحلة أحوج إلى العلم منهم إلى السلاح، ولم يكن السيف ذا فائدة ناجعة فيها. فإذا كان رفع السيف في علاج التمرد مشروعا وناجعا وقت الردة في عهد أبي بكر، ومشروعا غير ناجع في عهد علي بن أبي طالب – اللهم إلا في قتاله ضد الخوارج، فما بعد ذلك في الغالب ليس بمشروع ولا ناجع.

ولكل مرحلة حلولها الخاصة وأسلحتها اللائقة بها، والفرق بين هذه المراحل هو في درجة وضوح الحق فيها، ففي عهد أبي بكر الصديق فإن الحق فيه أوضح من أن يناقش، وكل العرب قد أقروا بالإسلام وعرفوا الدين الحق وعرفوا مكانة أبي بكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين، وأن المسلمين بايعوه بيعة صحيحة، فالعلاج في هذه الحالة هو الحسم العسكري.

وأما في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن له الحق في الأمر والنهي، وعلى المسلمين كلهم واجب الطاعة والانضواء تحت رايته، ولكن لمعاوية رضي الله عنه شبهة حق في مطالبة القصاص لعثمان، وما كان له أن يرفع السيف ضد أمير المؤمنين، ولكن لمّا كان له حجته الخاصة به، والوضع غير مستقر، وقد عانى الناس من عدم الاستقرار جراء هؤلاء الذين أثاروا الفتنة ضد عثمان مما أدى إلى قتاله، فالأمر مشتبه عند بعض الناس، فلم يتبين لهم وجه الحق فيه. فكان الحسم العسكري فيه وإن كان مشروعا فإنه غير قاطع لمادة الخلاف. وساعد معاوية كونه حاكما للشام الذي عنده من القوة العسكرية ما يسانده.

لا نحتاج إلى التشنج والاحتقان في فهم المسألة مع مرارتها وسوء آثارها، إن المفترض من علماء المسلمين أن يرتقوا إلى نضج سياسي في قراءة مثل هذه الإشكالية، لا أن ينزلوا إلى مستوى العامة في التباكي على الماضي أو تكريس شرعية المآسي وتعميق حدة الخلاف ونبش مشاكل عفا عليها الزمان. ولا ندري قد يكون هؤلاء ممن قال الله فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}.[48] وكان سلوك المؤمنين تجاه إخوانهم السابقين دائما كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[49] فمن قال غير ذلك فليس من المؤمنين المهتدين.

نحن غير محاسبين بما فعله الناس قبلنا، فواجبنا فقط أن نبذل ما يمكن بذله للإصلاح، لا أن نحافظ على آثار أخطائهم فضلا أن نزيدها سوءا وتوسعا وتشعبا. قدر الله أن يتم الأمر كما حدث، ولكنا نعتقد أنهم لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروه لما لجؤوا إلى السلاح، بل فضلوا أن يعالج الإشكال بالحوار، ولكن كان هناك أطراف مشبوهة عملوا في إشعال فتيل الفتن وإرباك الناس وتفريق المسلمين، فكان ما كان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والمقصود أن هذه المرحلة التي خرج المسلمون من تلك الفتنة المؤلمة بدؤوا فيها مرحلة جديدة تتسم باختلاط الخير بالشر، وكان الخير فيها هو الغالب، ولكن تتحداهم أخلاط شر تحتاج إلى معالجة خاصة. فهنا نرجع مرة أخرى إلى هدي القرآن الذي فيه تبيان كل شيء. ونتذكر مرة أخرى قول الرسول الذي كرره لحذيفة: “يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه!!” ففي كتاب الله أجوبة شافية على هذه الإشكاليات الجديدة.

إن خلط الأمور بين الحق والباطل والخير والشر سلوك قديم مارسته الأمم قبلنا، فقد كان أصحاب الهوى من اليهود والنصارى يلبسون الحق بالباطل فقد قال الله في حقهم {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[50] وقال: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[51] لذلك ضاعت معالم الهدى عندهم، فصاروا أمما مغضوبا عليهم وضالين، بعد أن كانوا هداة مهتدين أتباع الأنبياء ومتبعي الكتب المنزلة من عند الله.

قد بدأ المسلمون مرحلة تتسم بما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم “سنن من كان قبلكم”، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم.”

قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟

قال: “فمن؟”[52]

وقد أخرج الطبراني من حديث المستورد بن شداد[53] رفعه: “لا تترك هذه الأمة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه.”[54]

ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الشافعي بسند صحيح: “لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها”.[55]

لقد أتى على المسلمين ما أتى على الأمم قبلهم من دخول المتطفلين على طريق الهدى، فهذه هي حالة الدين إذا كتب له التمكين، فإن رفضه علانية أمر صعب، فلم يبق لمنكري الدين إلا طريق التخليط، ليغطي بالحق باطلهم.

وسبب الخلط أمران: إما ظلم أو جهل. أما الظلم فهو سوء القصد وخبث الطوية، يريد صاحبه إفساد الدين عمدا وجر الناس إلى مستنقع الهوى قصدا، وبما أن الباطل الصريح والشر المحض لا يحبه الناس عموما وتكرهه النفس في الغالب عمد أصحاب الهوى ودعاة الشر إلى لبسه بصورة الحق حتى لا يرفضه الناس ولا يتبينون وجهه الحقيقي.

مثال ذلك ما فعله الجهمية في طمس معالم الإيمان بالله، فإنهم لا يدعون الناس إلى الكفر بالله، بل لجؤوا إلى نفي الصفات عن الله بحجة تنزيهه عن مشابهة المخلوقين، وماذا يعني الإيمان بالله مع إنكار صفاته؟ يعني ذلك الإيمان بالمعدوم، لأن من لا صفات له لا وجود له، فتساوى الإيمان وعدمه في هذه الحالة. ومثل الجهمية في هذا الخط المعتزلة، وإن كانوا أقل منهم ضراوة ووقاحة، لكنهم اشتركوا في طمس معالم العقيدة الصافية، لقد كان قول الله عز وجل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[56] هاديا واضحا للمؤمنين الراسخين في العلم، لكنه مُشتبِه ملعوب به لصاحب الهوى. وهكذا تكون البدعة الفكرية وغيرها عكرت صفو الدين ونقاءه.

وتتابعت صور الخلط في الأمة وتكاثرت، خاصة إذا أضيف مع عاملِ الظلم عاملَ الجهل. قد كان بعض الجهال من المسلمين أفسدوا الدين وهم قصدوا إصلاحه وخدمته. فرب مريد للخير لم يبلغه، كمن وضع أحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل سور القرآن لقصد ترغيب الناس فيها. وكمن اخترعوا عبادات ما أنزل الله بها من سلطان بقصد زيادة الخير والاجتهاد في التقرب إلى الله. وقد تجمّعت عبر تاريخنا الطويل زيادات على الدين الإسلامي جعلته مشوشا ومعقدا وضعيف الفاعلية لاختلاط الصواب الأصيل بالخطإ الكثير، والله المستعان.

هذا كله في الأمور الدينية التعبدية، أما في الأمور الحياتية العامة والسياسية فقد تم الخلط أيضا بصورة أسوأ، فقد كان الحكم عند المسلمين الأوائل أمانة يهاب الناس تحملها ثم صار مغنما ومطمعا تكالب الناس عليه، فتغير سلوك الحكام والولاة في ممارسته، مع أنهم لم يزالوا يمارسون كثيرا من التعاليم الدينية كالصلاة والصوم والحج وغيره، ويعتقدون عقيدة المسلمين جملة وتفصيلا، ويقرون بشريعة الله، ولكن سلوك العدل والورع والرفق بالناس قصروا فيه وبدّلوه قسوة وظلما وشرهاً. فعندهم من المعروف ما يبرر بقاءهم على كرسي الحكم ولكن عندهم من المنكر ما يجب إنكاره. فهؤلاء هم من قصدهم الرسول بقوله: “إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره  فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع.” ولما سئل: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: “لا ما صلوا.”[57]

وفي هذا الخط فقد اتبعوا سنن أمم ظالمة في شؤون الحكم كالفرس والروم، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع،

فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟

فقال: ومن الناس إلا أولئك؟[58]

قال ابن حجر في المقارنة بين حديث أبي هريرة المذكور وحديث أبي سعيد الأسبق، حيث ذكر هنا فارس والروم وذكر في الأول اليهود والنصارى: “ويحتمل أن يكون الجواب اختلف بحسب المقام. فحيث قال فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية. وحيث قيل اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات أصولها وفروعها.”[59]

وما يزيد الأمر غموضا أن ما لدى تلك الأمم ليس كله سيئا، بل عندها من العلوم والفلسفات والأدبيات ما يمكن إفادتها وما يغري باتباعها، فالخير عندهم غير صاف، والصواب فيهم مخلوط بأخطاء غير قليلة. فهذه مرحلة تكون فيها لغة التغليب والتعميم والتبسيط يزيد الإنسان حيرة وبعدا عن الحكم الصحيح ويزيد الخلط أكثر عمقا وتعقيدا، بينما يكون منطق التمييز والتفصيل والتدقيق فيها أكثر نفعا وأقوم قيلا.

ولا بد من الأخذ بالاعتبار قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد في حالة اختلاط الأمور، والناس في حالة اختلاط المفاسد والمصالح دائما على خلاف يصبح فيه الحليم حيران. وقرر ابن تيمية فيه قاعدة أنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات ووقع الاشتباه والتلازم، والناس هنا على أقسام: الأول: أقوام ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة. الثاني: أقوام ينظرون إلى السيئات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن ترك حسنات عظيمة. الثالث: المتوسطون الذين ينظرون إلى الأمرين فيرجحون الراجح منهما.[60]

فالفئة الأولى لا يبالون بالفتن العامة ولا الفوضى العارمة فهم مجازفون متهورون، والفئة الثانية يخافون  يسير الضرر ويضخمون قليل الخطر فهم مثبطون محطمون للأمل، فأحكم الناس أقدرهم على الموازنة وتحصيل أكبر المنافع بأقل المفاسد. وليس بلازم أن يتم الخيار في ترجيح أحد الخيارين، وقد يجد الحكيم حصيف الرأي دقيق الملاحظة واسع الثقافة طريقا آخر ثالثا يجمع بين تحقيق المنافع والسلامة من المضار أو احتوائها.

أدوات التمييز

ومهما اختلطت الأمور فإن التمييز بين الحق والباطل وبين الطيب والخبيث أمر ضروري. وهذه هي طبيعة الدنيا التي فيها خير وشر متجاورَين أو متعاقبَين أو مختلطَين، يجب التعامل معهما حسبما يناسب المقام. قال تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[61]

للتمييز بين الخير والشر وبين الطيب والخبيث يحتاج إلى علم، علم بالماهية وعلم بالكيفية. لمعرفة الخير من الشر طرق عدة : أولاها وأكثرها وضوحا هي ما دل عليه القرآن والسنة صراحة، فما أحل الله ورسوله فهو طيب وخير، وما حرمه فهو خبيث وشر، وما أمر الله به ورسوله فهو خير وصلاح وما نهى الله عنه ورسوله فهو شر وفساد. قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}[62] وقال في ملخص تعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}[63]

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إذا سمعت الله يقول: “يا أيها الذين آمنوا”  فأرعها سمعك فإنه خير يأمره، أو شر ينهى عنه”.[64] وهكذا فإن القرآن والسنة فيهما بيان واضح للخير والشر.

والطريقة الثانية لمعرفة الخير والشر: ما يدل عليه العقل السليم، فإن أهل النار لم يقعوا في النار إلا لأنهم لا يُعملون عقولهم في معرفة الخير والشر، قال تعالى في حقهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[65]

قال العز بن عبد السلام: “ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، وذلك في معظم الشرائع، إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن…. واتفق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض…. وإن اختلف في بعض ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان… واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد لهم من رب الأرباب… فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ، ولو خير بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن، …”[66]

الثالثة: طمأنينة القلب وراحة الضمير، فإن القلب السليم والفطرة الإنسانية النظيفة تطمئن مع الخير وتنفر من الشر،

عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.[67]

وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِوَابِصَةَ : «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟».

قَالَ قُلْتُ : نَعَمْ. قَالَ : فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ.

وَقَالَ :« اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ – ثَلاَثاً – الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِى الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ».[68]

إن الوضعية السليمة أن ينسجم العقل والقلب مع هدي الشرع، وشرع الله جارٍ على مقتضى العقول كما قال الشاطبي رحمه الله. “… أن الاستقراء دل على جريانها [أي جريان الشريعة] على مقتضى العقول، بحيث تصدقها العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعة أو كارهة.”[69]

إن الله الذي خلق العقل هو الذي أنزل الشرع، وأراد الله للعقل أن يتبع الشرع، فكان من الطبيعي أن يجد العقل أن شرع الله حق وعدل وخير كله.

قال ابن القيم: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.”[70]

وهذه الأشياء تعرف إذا كانت العقول والقلوب على حالاتها الطبيعية السليمة، أما إذا كان للعقل عطب أوعطل وللقلب فساد وزَيغ، فهنا تأتي المشكلة. وفساد العقل ضرب في القوة العلمية وفساد القلب نخر في القوة الإرادية، وأخطاء البشر إما بسبب عدم القدرة على المعرفة الصحيحة وإما عدم الإرادة أو ضعفها في فعل الصحيح.

فإذا ضل العقل أو فسد القلب فالملجأ إلى شرع الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – خَطَبَ النَّاسَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ.[71]

وعلاج العقل بالعلم الصحيح وعلاج القلب بتهذيب النفوس والتربية الصحيحة. والقرآن يخاطب العقل والقلب معا ليصلحهما ويهديهما ويرقيهما. وكل ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم يتركز على أعمال ثلاثة: تلاوة القرآن وتعليم الناس وتهذيب نفوسهم، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}[72]

فاكتساب القدرة على التمييز بين الخير والشر يأتي من قِبَل طلب العلم الشرعي والتنزه عن هوى النفس في اتباع الحق بتربية النفس على معاني الصدق والإخلاص والصبر والزهد والورع والوفاء إلخ.

وهنا ينبغي التنبيه أن الشريعة مستعملة في كلام الناس – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- على ثلاثة أنحاء: الأول: شرع منزَّل، وهو ما شرعه الله ورسوله.

الثاني: شرع مؤوَّل، وهو ما ساغ فيه الاجتهاد وتنازع فيه الفقهاء، فاتباع المجتهدين فيه جائز، لمن اعتقد حجة متبوعِه هي القوية أو لمن ساغ له تقليده.

والثالث: شرع مبدَّل، وهو ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر الشرع، مثل الأحاديث الموضوعة والتأويلات الفاسدة والفتيا الباطلة والتقليد المحرم فهذا يحرم اتباعه.[73]

فمن اتبع الشرع على المعنيين الأول والثاني فهو على الطريق الصحيح والصراط المستقيم – وإن كان الثاني أقل إلزامية من الأول- ومن وجد الثالث فطريقه جهاد العلم والبيان ضد الانحراف والضلال. وسلاحه التمكن في علم الكتاب والسنة وآلات استنتاجهما. وطريق طلب العلم يحتاج إلى الاجتهاد العقلي والجسدي وطهارة القصد وسلامة القلب.

والوصفة القرآنية لمن بحث عن المخرج من كل ضيق وأزمة هي تقوى الله عز وجل، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}[74] فتقوى الله تجعل الإنسان يتجنب تعقيد المشاكل ويخرج الإنسان من اتباع هواه، بل يتحرى ما هو أقرب إلى رضى الله وإلى الصواب، فإن اتباع الهوى هو الذي يعمي البصيرة ويعمق المشاكل، وتقوى الله تمنح الإنسان القدرة الفائقة على التفريق بين الخير والشر والحلال والحرام وبين مراضي الله ومساخطه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[75]

ويكون ترك الحرام واتقاء الشبهات أهم ما يتطلبه أمر التقوى إذا اشتبهت الأمور، وأهم ما ورد في هذا الخصوص هو ما رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْب.[76]

وبطبيعة الحال هذا الإجمال لا يغني عن التفصيل، فإن الشيطان – كما يقولون- يكمن في التفاصيل. ولكن المبدأ لا يتغير، فكما أن التقوى هي المفتاح في مجمل الأمور، فإنها أيضا تفتح المغاليق في تفاصيلها. ولا يجب أن نتصور أن الإسلام يقدم لنا عصا سحرية تحل كل مشاكل الناس بضربة واحدة، بل الإسلام دلالة على الطريق ومعالم تبين الوجهات وأضواء تسلط على ملامح الأمور، ثم على الإنسان الاجتهاد في إكمال المسير وفقا لتلك المعطيات.

فقه الاختلاف والائتلاف

وليس من الضروري أن نحسم كل خلاف حصل بين الناس، بل هناك مساحات واسعة أتاح الشرع الاختلاف فيها، وإنما الخطر هو في الخلاف الذي يؤدي إلى النزاع والشقاق، والاختلاف سنة كونية في البشر، وقد اختلف الأنبياء فيما بينهم كما اختلف داود مع سليمان[77] واختلف موسى مع هارون[78]، واختلف أيضا موسى مع خضر[79]، واختلف أيضا الملائكة فيما بينهم[80]، وهكذا، فهذا كله خلاف داخل إطار متفق عليه، فليس الخلاف في الإطار العام الواسع الذي لا يجوز الخروج عنه، ولكن في تفاصيل داخل الإطار وهو سائغ مقبول شرعا ولا يضر.

والاختلاف نوعان، اختلاف تنوع واختلاف تضاد، أما اختلاف التنوع فهو يؤدي إلى الثراء الفكري وكثرة الخيارات والتوسعة على الناس، واختلاف التضاد قد يؤدي إلى تصحيح الأخطاء أو تحسين الأشياء أو تكميل الناقص أو إلى اكتشاف جديد أفضل، ولا يؤدي إلى النزاع والشقاق إلا في حالة غياب أدب الخلاف والإصرار على الخطإ أو عدم الاستعداد للمراجعة أو عدم سعة الصدر لوجود الرأي الآخر.

وقد دعت نصوص القرآن والسنة إلى الحفاظ على وحدة الأمة وعدم الاختلاف المؤدي إلى التفرق، وكان أهم ركائز دعوة الأنبياء على أمرين هما إقامة الدين وعدم التفرق فيه، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}[81]

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وصى الله تعالى جميع الأنبياء، عليهم السلام، بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.[82]

قال الشيخ محمد أمين الشنقيطي: “وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء مبيناً في غير هذا الموضع، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات الدالة على ذلك، قوله تعالى {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} الآية[83] . وقوله تعالى : {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[84] وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي ، وعددهم على ذلك كقوله تعالى : {إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}[85] لأن قوله { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء } إلى قوله { يَفْعَلُونَ } فيه تهديد عظيم لهم.

وقوله تعالى في سورة {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون}[86]: {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ}[87].

فقوله { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة ودينكم دين واحد ، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين.

وقوله جل وعلا : { فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً } دليل على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك .

وقوله تعالى : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ } فيه تهديد لهم ووعيد عظيم على ذلك . ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء : { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ }[88] فقوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُون } فيه ايضاً تهديد لهم ووعيد على ذلك وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }[89] الآية .[90]

ونبه ابن عاشور رحمه الله أن الخلاف المنهي هنا هو الخلاف في أصوله وقواعده ومقاصده، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأُصُولِ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ بَعْضِهَا فَيَنْخَرِمُ بَعْضُ أَسَاسِ الدِّينِ.[91] ثم قال: “وَأما الِاخْتِلَافُ فِي فُرُوعِهِ بِحَسَبِ اسْتِنْبَاطِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالدِّينِ فَذَلِكَ مِنَ التَّفَقُّهِ الْوَارِدِ فِيهِ قَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ»[92].”[93]

وقال الألوسي: “ولا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما تقدم من الأصول بأن يأتي به بعض ولا يأتي بعض ويأتي بعض ببعض منه دون بعض وهو مراد مقاتل أي لا تختلفوا فيه ، ولا يشمل هذا النهي عن الاختلاف في الفروع فإنها ليست من الأصول المرادة هنا ولم يتحد بها النبيون كما يؤذن بذلك قوله تعالى : {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا}[94].”[95]

ولا شك أن الاتفاق في الفروع إذا أمكن التوصل إليه فيه فإنه مطلب عزيز ومرغوب فيه، ولكن مسائل الفروع أصعب من أن تنضبط، وحصوله على وجه كامل محال، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا على مسائل كثيرة في الفروع، وهم أعلم الناس بالدين، وأعرفهم بالأدلة، ومع ذلك لم يمنع ذلك من الاختلاف في فروع الفقه، فالخلاف في الفروع لا مفر منه، ولكنه لا يجوز أن يؤدي إلى التفرق، فإن أصول الدين العامة جمعت المسلمين كافة رغم اختلافهم في الفروع.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة.”[96]

والأصل في المسلمين أن يتحدوا مهما اختلفت آراؤهم في مسائل لا تمس أصل الإيمان ولا تعارض أسس الإسلام، والتنازل عن الفرع من أجل أبقاء الأصل هو عين الحكمة، وعبر عن ذلك خير تعبير ابن تيمية حيث يقول: “الاعتصام بالجماعة والألفة أصل من أصول الدين، والفرع المتنازع من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع”[97]

وللعلامة محمد رشيد رضا في تفسير هذه قول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[98] كلام نفيس أنقله بطوله قال: “… فهو يوجب علينا أن نجعل أن اجتماعنا ووحدتنا بكتابه ، عليه نجتمع ، وبه نتحد ، لا بجنسيات نتبعها ، ولا بمذاهب نبتدعها ، ولا بمواضعات نضعها ، ولا بسياسات نخترعها ، ثم نهانا عن التفرق والانفصام بعد هذا الاجتماع والاعتصام ، لما في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العزة والقوة ، وبالعزة يعتز الحق فيعلو في العالمين ، وبالقوة يحفظ هو وأهله من هجمات المواثبين وكيد الكائدين، فهذا الأمر والنهي في معنى الأمر والنهي في قوله – تعالى – : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}[99] فحبل الله هو صراطه وسبيله ، وما أشرنا إليه هنا من بيان أنواع التفرق هو السبل التي نهي عن اتباعها في تلك الآية ، وهي قد نزلت قبل هذه التي نفسرها ; لأنها في سورة الأنعام وهي مكية ، وسورة آل عمران مدنية ، فكأنه قال : ولا تفرقوا باتباع السبل غير سبيل الله الذي هو كتابه .

فمن تلك السبل المفرقة : إحداث المذاهب والشيع في الدين كما قال : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}[100]

ومنها عصبية الجنسية الجاهلية وهي التي نزلت الآية التي نفسرها وما معها فيها ، لما كان بين الأوس والخزرج ما كان كما تقدم ، وورد في النهي عنها أحاديث كثيرة صحاح وحسان كقوله – صلى الله عليه وسلم – : أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه رواه البخاري من حديث ابن عباس ، وقوله – صلى الله عليه وسلم – : ليس منا من دعا إلى عصبية رواه أبو داود من حديث جبير بن مطعم .

وقد اعتصم في هذا العصر أهل أوربا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب في الجاهلية ، فسرى سم ذلك إلى كثير من متفرنجة المسلمين ، فحاول بعضهم أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية لتعذر الجنسية النسبية ، ويوجد في مصر من يدعو إلى هذه العصبية الجاهلية مخادعين للناس بأنهم بذلك ينهضون بالوطن ويعلون شأنه ، وليس الأمر كذلك فإن حياة الوطن وارتقاءه باتحاد كل المقيمين فيه على إحيائه ، لا في تفرقهم ووقوع العداوة والبغضاء بينهم ولا سيما المتحدين منهم في اللغة والدين أو أحدهما ، فإن هذا من مقدمات الخراب والدمار ، لا من وسائل التقدم والعمران ، فالإسلام يأمر باتحاد اتفاق كل قوم تضمهم أرض وتحكمهم الشريعة على الخير والمصلحة فيها – وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم – ويأمر مع ذلك باتفاق أوسع ، وهو الاعتصام بحبل الله بين جميع الأقوام والأجناس ، لتتحقق بذلك الأخوة في الله ;

ثم قال ناقلا عن الأستاذ الأمام محمد عبده: التفرق والاختلاف قسمان : قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر ، فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع ، وليس بمراد في الآيات ، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها .

أما الأول : فهو الخلاف في الفهم والرأي ، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر ، كما قال – تعالى – : {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}[101] فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه ، إذ هو من قبيل الحب والبغض ، فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه .

وأما الثاني : – وهو ما جاءت الأديان لمحوه – فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام ، وهو أشد الأشياء ضررا في البشر ; لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف .

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد من نفسه ، ذكر ذلك الأستاذ الإمام وضرب له المثل بنفسه ، فقال ما مثاله : إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافا في إلقاء هذا الدرس هنا ، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي ، ولا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي ، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته ، ويحاجوني في ذلك قائلين : إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ، ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء ، وأن الدرس نفسه عقيم ; لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ، ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق ، هذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها ، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئا ، فضلا عن أن يكون مثارا للعداوة والبغضاء بيننا ، فأنا أعذرهم في رأيهم مع اعتقادي بإخلاصهم ، وهم يعذرونني كذلك ، ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله ، أكان يكون بيننا تفرق لأجله ؟ كلا لا ريب عندي ، إنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء .

ثم قال ما مثاله مبسوطا : كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء . فمالك قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب ، فقال : إن عمل أهل المدينة أصل من أصولي ; لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملا . وأما أبو حنيفة فنشأ في العراق، فهو معذور إذ لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسا عليهم ، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر ; لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الإخلاص لله – تعالى – ، وإرادة الخير والطاعة ، وقد نقل عن الأئمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه ، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم ، حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين ، وصار المسلمون شيعا ، يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ، ويعادي الآخر إذا خالفه فيه ، وكان من جراء ذلك ما هو مدون في التاريخ ، وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين ، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام الشافعي – مثلا- مصيبا في كل ما خالف به غيره ؟ وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره ؟ فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره كأبي حنيفة أو مالك ؟ وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب .

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها ، وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها ، هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية ، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتفنيد مذهبه ، ويقابله الآخر بمثل ذلك ، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الإنصاف والعدل ، فالواجب أولا : محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة – أي ولو كتابة – وثانيا : ألا يكون الخلاف مفرقا بين المختلفين في الدين . قال : فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول – صلى الله عليه وسلم – فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين ، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث .

ثم قال : ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة ، لا يجوز أن يكون مفرقا بين المؤمنين ، بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم ; يعني أولي الأمر ، وهم أهل العلم والرأي في مصالح الأمة . فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة ، وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف ، وكنا من المهتدين .

ويدخل في كلمة المعاملة التي ذكرها الأستاذ الإمام كل ما يتعلق بالمصالح العامة من المسائل السياسية والمدنية ، فالمرجع فيها كلها إلى هدي الكتاب العزيز وسنة الرسول ورأي أولي الأمر.

قال الأستاذ الإمام – رحمه الله تعالى – ما مثاله : إن الله – تعالى – قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء ، وهي الاعتصام بحبله ; ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام ، الذي قلنا في تفسيره : إنه تمثيل لجمع أهوائهم وضبط إرادتهم . ومن القواعد المسلمة : أنه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض ، فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد ، كما ورد في حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى رواه أحمد ومسلم من حديث النعمان بن بشير . وحديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا رواه الشيخان والترمذي ، والنسائي من حديث أبي موسى . فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها – سواء أكانت مؤمنة أم كافرة – فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلها واحدا يرجعون في جميع شئونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ، ويحول دون التفرق والخلاف ، بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت (العائلات) ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا – سبحانه وتعالى – إلى ما نحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا – وأعني بها الاعتصام بحبله – فقال : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .اهـ[102]

إصلاح ذات البين

لذلك فقد حث الشرع على تفادي الخلاف والسعي الحثيث للإصلاح بين الناس، قال تعالى:  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ }[103] ، وقال: { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ }[104]  وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[105] وقال: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[106] ، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}[107]

عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ.”[108]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.”[109]

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟

قَالُوا: بَلَى.

قَالَ: إصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ.[110]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودوره في بقاء الخير

ومن الأمور التي تعصم الأمة من أضرار “الدخن” الذي شاب حياة المسلمين قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأمر هو ضمان بقاء الخير في أمة الإسلام.

قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[111] فحصر الفلاح في هؤلاء القائمين بالمعروف الناهين عن المنكر.

وقال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[112]

“وَالْمَعْرُوفُ – كما قال ابن عاشور- هُوَ مَا يُعْرَفُ وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْمَقْبُولِ الْمَرْضِيِّ بِهِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا كَانَ مَأْلُوفًا مَقْبُولًا مَرْضِيًّا بِهِ، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا مَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ، وَفِي الشَّرَائِعِ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّلَاحُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعَوَارِضِ. وَالْمُنْكَرُ مَجَازٌ فِي الْمَكْرُوهِ، وَالْكُرْهُ لَازِمٌ للإنكار لأنّ النكر فِي أَصْلِ اللِّسَانِ هُوَ الْجَهْلُ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ نَكِرَةً، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا الْبَاطِلُ وَالْفَسَادُ، لِأَنَّهُمَا مِنَ الْمَكْرُوهِ فِي الْجِبِلَّةِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعَوَارِضِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْخَيْرِ- وَالْمَعْرُوف- وَالْمُنكر) تَعْرِيفُ الِاسْتِغْرَاقِ، فَيُفِيدُ الْعُمُومَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِحَسْبِ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْعِلْمُ وَالْمَقْدِرَةُ فَيُشْبِهُ الِاسْتِغْرَاقَ الْعُرْفِيَّ.”[113]

فالخيرية للأمة الإسلامية مرهونة بقيامها بهذه الوظائف الإصلاحية. وبقدر أدائها لها تكتسب قيمتها ومكانتها بين الأمم. فإذا قصرت الأمة في أداء هذه المهمة فلم تفقد مكانتها فقط بل الأدهى من ذلك أنها تفقد قدرتها على التمييز وبالتالي تفقد القدرة على اختيار ما يصلح لها من المصالح العامة، وبسبب انعدام التمييز بين الشر والخير، يتصدر الأشرار ليتزعم الناس، فتبدأ المأساة تتفاقم، روى ابن أبي شيبة بسنده عَنْ عُثْمَانَ بن عفان رضي الله عنه قال: “مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ, فَيَدْعُوَا عَلَيْهِمْ خِيَارُكُمْ, فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ.”[114]

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ.”[115]

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب اجتماعي، إذا قصر المجموع تجرع الكل عواقب التقصير، وبالأخص إذا صارت المنكرات ظاهرة اجتماعية وسلوكا مشتركا.

عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا.[116]

وعن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب.”[117]

وروى الإمام أحمد في المسند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة.[118]

ويعضد هذا الحديث ما رواه مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز يقول: كان يقال: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة ولكن إذا عمل المنكر جهارا كلهم.[119]

ولكل آفة اجتماعية نتيجتها السلبية الخاصة تلحق المجمتع بأجمعه، كما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:

–         لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا،

–         وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ،

–         وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا،

–         وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ،

–         وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.[120]

إن الجزاء من جنس العمل، وإن تلك العواقب المؤسفة التي أعقبت تلك المنكرات ما هي إلا نتائج طبيعية لما ارتكبه الناس من قبل وأصروا عليه، وأخص بالتنبيه النقطة الأخيرة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن عدم الاحتكام إلى كتاب الله يجعل مساحة الخلاف كبيرة، وإذا اتسعت رقعة الخلاف فإن كثرة النزاع وضعف الوازع الديني لم ينتج غير الشقاق والاقتتال، عياذا بالله من الفتن.

فلذلك يتعين بذل أقصى الجهد لمقاومة المنكرات في مهدها قبل تفاقمها، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم مقاومة المنكر جهادا، كما روى مسلم وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ.[121]

دور المجددين في تصحيح المسار

والحقيقة الثابتة في تاريخ الأمة وأثبتها القرآن والسنة أن أمة الإسلام لم ولن تعدم من يقوم لله بالحجة، ويظهر للناس بنصرة الدين، وقد تكفل الله باستمرار حركة الإصلاح والتصحيح في جسد الأمة. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[122]

قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}[123] وقال تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)[124] أي بممتنع ولا صعب.[125]

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ.[126]

وفي الصحيحين أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ.[127]

وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ.[128]

وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ.[129]

وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ.[130]

هذه الأحاديث أكدت ما أثبتته الآيات السابقة أن هذه الأمة لن ينقطع عنها الخير ولا تتوقف عنها قيامها بإحقاق الحق وإبطال الباطل. وهؤلاء الموفقون لا يقتصر جهادهم في مجال دون مجال وفي دائرة دون أخرى، بل تتعدد مجالاتهم ويتوزع وجودهم.

قال ابن حجر: قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وان يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى الا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله.[131]

وفي المعنى نفسه أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لا يترك أمة الإسلام تفقد من يوجهها ويصحح مسارها، بل الله عز وجل سيبعث لهذه الأمة في كل فترة تاريخية مفصلية من يقوم بتجديد ما اندرس من معالم الدين الحنيف وتصحيح ما انحرف من السلوكيات العامة وتذكير من نُسي وتُرك من تعاليم الإسلام. كما روى أبو داود والحاكم والطبراني أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.[132]

قال ابن حجر في هذا الحديث يعني “أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة – أي الطائفة المنصورة- وهو متجه، فإن المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير. ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فأنه قام بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه. وأما من جاء بعده كالشافعي وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يقم بأمر الجهاد والحكم بالعدل. فعلى هذا كل من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا”.[133]

“وقال المناوي في مقدمة فيض القدير –كما نقله صاحب عون المعبود- واختلف في رأس المائة هل يعتبر من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة ولو قيل بأقربية الثاني لم يبعد، لكن صنيع السبكي وغيره مصرح بأن المراد الثالث. انتهى.

وقال: (من يجدد) مفعول (يبعث لها) أي لهذه الأمة دينها أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم. قالوا: ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة.

وقال العلقمي[134] في شرحه: معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب لسنة والأمر بمقتضاهما.

قال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس: قال أبو بكر البزار[135]: سمعت عبد الملك ابن عبد الحميد الميموني[136] يقول: كنت عند أحمد بن حنبل فجرى ذكر الشافعي فرأيت أحمد يرفعه، وقال: روي عن النبي يقول إن الله تعالى يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس دينهم. قال: فكان عمر بن عبد العزيز في رأس المائة الأولى وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى.”اهـ[137]

ولا شك أن مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة من تاريخ الإسلام قد ظهر فيها مجددون كثُر لهذه الأمة، وقد يكون تعيين أسمائهم ليس بوسعنا، ولكن الأعمال التجديدية التي قام بها أعلام الأمة وعلماؤهم المشهودون لهم بالعلم والاستقامة هي التي تهمنا، فإنه ما من بدعة ظهرت إلا وقد تصدى لها من يبين وجهها للناس، وما من فتنة وقعت إلا وقام لها من يحذر الناس منها ويدلهم على هدي الشرع فيها. وقد يكونون قلة من الناس ولكنهم حظوا برعاية الله وتوفيقه فسدد خطاهم وحفظ آثارهم، والحمد لله رب العالمين.

الشر بعد الخير مجدَّدا

إن سؤال حذيفة رضي الله عنه بعد مرحلة الدخن التي كان الخير فيها هو الغالب: “فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرّ؟ٍ” كان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أبضا بـ”نعم”. فإنها سنة الله التي لا تتبدل، أراد الله أن يكون للخير خفوت مؤقت وللشر ظهور طارئ، اختبارا للناس وامتحانا لهم، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[138]

فإذا كانت المشكلة في المرحلة السابقة هي في أناس خلطوا الخير بالشر، والمعروف بالمنكر، فإن الإشكال في هذه المرحلة أناس تجرؤوا على دعوة الناس إلى شر موبق مُفضٍ إلى الكفر، وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم: “دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا.” ولما سأل حذيفة عن صفاتهم، قال عليه الصلاة والسلام: “هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا.”

إنها معضلة وأية معضلة، والنجاة منها ليست هينة سهلة، ولكن الحقيقة إن الله لم يترك المسلمين في هذه الحالة بلا دليل ولا مَعلَم، بل في كتاب الله سبيل الهدى فيها، يتأكد ذلك في رواية للإمام أحمد، فقد روى بسنده عن حذيفة إذ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ ؟

قَالَ: ” يَا حُذَيْفَةُ، اقْرَأْ كِتَابَ اللهِ وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ “،

قال حذيفة: فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ خَيْرًا اتَّبَعْتُهُ وَإِنْ كَانَ شَرًّا اجْتَنَبْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟

قَالَ: ” نَعَمْ،…” وذكر بقية الحديث.[139]

لقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على حذيفة أن يبحث عن الإجابة في كتاب الله، ففيه من المعلومات والأسرار ما يكشف عما تساءله حذيفة، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يمتنع في الأخير عن الإجابة المختصرة للسؤال، ولكن هذا السؤال وكل تلك الأسئلة التي سألها حذيفة لا تكفي في التعامل معها تلك الإجابات المختصرة، بل لا بد من التعمق فيها والتعرف على طبائعها وأعراضها وأسبابها وحسن التعامل معها، ويؤكد ذلك رواية ابن حبان في صحيحه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ شَرٍّ نَحْذَرُهُ؟، قَالَ: «يَا حُذَيْفَةُ عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ فَتَعَلَّمْهُ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ خَيْرًا لَكَ».[140]

نعم، إن في كتاب الله دلالة هادية لكل ما يعترضه الإنسان من الملمات، كما قال الإمام الشافعي: “ليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.”[141]

ومع ذلك لم يكن تبسيط المسألة أيضا مخرجا صحيحا وخاصة إذا كانت القضية ذات أبعاد متعددة ولها تشعبات متشابكة. إن دعاة الشر لم يكونوا يصرحون بوجه من الشر صريح، بل لهم حجج ومبررات توهم الناس أنهم دعاة خير. وتفصيل ذلك في الكلام عن المنافقين وكيفية خداعهم للناس وتحسين مواقفهم لهم. وبيان القرآن في هذه المعضلة ليس مقصورا في مكان واحد، بل يحتاج إلى سباحة طويلة وغوص عميق مع الآيات المتفرقة هنا وهناك، حتى يتكون لدى الإنسان البيان الوافي لتصور المسألة، إنها تندرج تحت موضوعات مختلفة:

موضوع سلوك أهل الكتاب السابقين وكيفية نكستهم وتلبيسهم الحق بالباطل،

موضوع النفاق وكيفية ظهوره وتلونه على الناس،

موضوع معاداة أهل الكفر للإسلام وعدم توقفهم عن صد الناس عن سبيل الله،

موضوع طبيعة النفس الإنسانية وصراعها مع هوى النفس الأمارة بالسوء،

موضوع الشيطان وطرق إغوائه للناس وتنوع خطواته لإبعادهم عن الصراط المستقيم،

وهكذا فإن مجموع ذلك وغيره هو الذي يشير ويدل على ملامح وطبائع الشر التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها “فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ”[142]، فهي وضعية صعبة لا يهتدي فيها إلى الصواب أكثر الناس. إنها عمياء وصماء لأنها محيرة، إما بسبب كثرة من دعا إلى الشر أو قوتهم أو شدة إغرائهم أو بسبب اشتباه الأمور وعدم تبين ملامحها.

قال النووي رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج والقرامطة وأصحاب الفتنة.[143]

قال ابن حجر: قوله (على أبواب جهنم) أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم كما يقال لمن أمر بفعل محرم: وقف على شفير جهنم.[144]

ومن الطبيعي أن يفسر العلماء هؤلاء الدعاة إلى أبواب جهنم بتلك الفرق الضالة التي ظهرت في الأزمنة السابقة، وهم فعلا دعاة الفتن وأرباب الشر. ولكن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا تقتصر مصداقيتها على ما سبق من الأحداث فقط، فإن الأزمنة القادمة ستكشف عما هو أصدق وأقرب إلى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم. إن تلك الفرق الضالة وإن كانت عقائدهم فاسدة ومخالفة لنصوص القرآن والسنة، ولكنها تبني عقائدها على النصوص التي أوَّلوها تأويلات فاسدة، مع إقرارهم إجمالا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد أظهرت الأزمنة المتأخرة فئات أخرى أبعد عن الحق وألصق بالشر من هؤلاء، فقد ظهرت العلمانية الملحدة التي تدعو إلى ترك الدين جملة وتفصيلا، لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا تحتاج إلى تأويلات النصوص لتبرير أفكارهم، فإنهم لا يعترفون بها أصلا، وفي ظل الحياة العلمانية برزت أفكار وتكونت بعدها سلوكيات ونشأت مؤسسات كلها ضد الدين وضد الإيمان، فهذه الفرق الجديدة أحق بوصف “دعاة إلى أبواب جهنم.” إن فكرة العلمانية والإلحاد والإباحية لم تنشأ في بلاد المسلمين بل هو عدوى جاءت من الغرب الحائر بين الدين المحرف وبين العلم المتمرد، فانتصر تمرد العلم على تحريف الدين، وصادف ذلك حالة الضعف عند المسلمين، فتلقف ضعاف العقول من المسلمين تلك الآفة ونشروها بين المسلمين.

فصار هؤلاء كلهم كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم “هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.”

قال ابن حجر: قوله (هم من جلدتنا) أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وفيه إشارة إلى أنهم من العرب. وقال الداودي[145]: أي من بني آدم. وقال القابسي[146]: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون. وجلدة الشيء ظاهره. وهي في الأصل غشاء البدن.[147]

ومن الضروري هنا التنبيه أن سنة الله الثابتة في الخير والشر لا تتبدل، وهذا الحديث لا يستثني هذا القانون الذي خلق الله الكون على وفقه. إن عوامل الخير وأسباب الشر في تعارك دائم، والشر في صعود وأفول متعاقبين، قال تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}[148] وقال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}[149]  وقال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[150]

وهكذا فقد شهد تاريخنا تغوُّل أصحاب البدع حتى هددوا كيان الأمة، ثم انكمشوا وبقيت الأمة تواصل مسيرها، كان الخوارج هزّوا أركان الدولة أيام الإمام علي بن أبي طالب ثم انتصر الحق على الباطل، وبقوا يهددون الدولة أيام الحلافة الأموية ولم يلبثوا إلى أن اننزووا في عزلة بعيدة عن الحياة العامة، وأكثرهم قد رجعوا أنفسهم وأصلحوا مذهبهم. ثم ظهرت فتنة المعتزلة حتى تمكنوا من إقناع الخليفة العباسي أيام الإمام أحمد وكادت الأمة أن تفتن في دينها، ولكن ثبت الله علماءها وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ثم انقشعت الغمة وخمدت الفتنة، وظهر الحق وتمكن أهله. وهكذا فإن الشر مهما بلغ من العلو الظاهر فإنه لا يدوم، ولم يبق إلا ما أثبته الله للناس.

ولم ينف ذلك أن للفتن آثارها المتبقية والمؤثرة إلى حد ما في الأزمنة التالية، فإنها هي “الدخن” الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتي عقب كل فتنة ظهرت ثم خمدت، ثم لم تعد القلوب على الصفاء الأول، ولكن الخير دائما هو الذي انتصر في مغالبة الباطل. ومن أراد الحق وأصر على الخير وجد طريقه، وقد لا تكون سهلة هينة، وهي طبيعة الدنيا التي خلقت للاختبار، وكما قال الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني ***ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

لزوم جماعة المسلمين

إن مرحلة الشر الثانية هذه أصعب من مرحلته الأولى التي كانت تتمثل في الفتنة والاختلاف بين المسلمين، كان الصراع والمواجهة في الأولى كل طرف فيه يدعو إلى الحق كلٌّ من وجهة نظره الخاص. ولكن في هذه المرحلة ظهرت الدعوة إلى الكفر وإلى الخروج من الإطار الإسلامي. فالمواجهة هنا بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ففي هذه المرحلة يحتاج المؤمن إلى ملجإ يلجؤ إليه ومعسكر يتحصن به ويسلم قياده له. فكان جواب سؤال حذيفة “فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟” أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ.”

إن الحفاظ على الدين يحتاج إلى مجتمع يقوم فيه وجماعة ينخرط فيها ومؤسسة تتحقق مقاصده بها. ووحدة المسلمين من أهم ضمانات الحفاظ على الدين، فمن هنا تأتي الأوامر القرآنية الكثيرة على الاعتصام بحبل الله وإقامة الدين وعدم التفرق فيه، وقد سردنا تلك الآيات في كلامنا عن فقه الاختلاف والائتلاف. وفي هذا السياق أيضا وردت أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن لزوم الجماعة والحرص على التشبث بها.

ورد في سنن الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ.”[151]

وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ.”[152]

وعن جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر بن الخطاب بالجابية، فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم اليوم، فقال: « ألا أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، ويحلف الرجل على اليمين لا يسألها، فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ».[153]

وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خالف جماعة المسلمين شبرا ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » .[154]

وفي معنى لزوم الجماعة جاء في الرسالة للإمام الشافعي:

“قال: فما معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعتهم؟

قلت: لا معنى له إلا واحد.

قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدا؟

قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وإن وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن، ولأن الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.”[155]

قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو السواد الأعظم ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان: “عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة.” وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم. وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين.[156]

وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام البخاري من أن المراد بالجماعة في تلك الأحاديث هم أهل العلم.[157]

وكل تلك الأقوال تتفق في أن المراد بالجماعة هي الإطار العلمي الاعتقادي الذي يجب أن تتفق عليه الأمة من مسائل قطعية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع واتباع ما كان عليه السلف الصالح من لزوم الحق واتباع السنة ومجانبة البدع والمحدثات. ويقابل الحماعة بهذا المعنى التفرق في الدين. والمخالفون لها هم الفرق الضالة وأهل الأهواء.

وللإمام الطبري فيه رأي آخر، قال: والصواب أن المراد في الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة.[158]

وهذا القول يعني أن الجماعة هي الإطار السياسي المؤسسي الذي يجب أن ينخرط فيه كل أفراد الأمة من خرج عنه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. والجماعة بهذا المعنى تقع في مقابلة البغي والتفرق في الراية، ويسمى المفارق لها باغيا وناكثا وإن كان من أهل السنة.

يدل على المعنى الأول: أحاديث منها: حديث: “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.”[159]

ومما يدل على المعنى الثاني أحاديث منها: حديث: “من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية”.[160]

ولا تناقض بين الرأيين، فإن الجميع يؤول عند التحقيق إلى شيئين يكمل الواحد منهما الآخر، وإن اجتماع المسلمين وتكوّن جماعتهم لا بد من عنصرين اثنين معا: العنصر العلمي الاعتقادي الذي اتفق عليه المسلمون بما أجمع عليه علماؤهم، والعنصر المؤسَّسي الذي يجمعهم وينظم حياتهم يوحّد كيانهم. فجماعة المسلمين لها معنيان:

“الأول: أن الجماعة هي جماعة العلماء من أهل السنة أي الاجتماع على الحق الذي تمثله القرون الثلاثة الفاضلة، ويحمل لواءه في كل عصر الثقات العدول من أئمة أهل السنة، وهم يمثلون السواد العام من المسلمين، لأن العامة بالفطرة تبع لهم، وهي بذلك تقع في مقابلة أهل الأهواء والبدع.

الثاني: أن الجماعة هي الأمة في اجتماعها على الإمام ما دام في الجملة مقيما لأحكام الإسلام.

وهكذا تتفق دلالات النصوص، ومآلات أقوال أهل العلم في بيان المقصود بمعنى الجماعة وأنها تتضمن كلا المعنيين السابقين.”[161]

“وهذا يعني– بناء على على ما سبق من بيان المقصود بالجماعة- أن لزوم الجماعة يتضمن أمرين:

الأول: الجانب العلمي والاعتقادي: ويعني ضرورة اتباعهم فيما كانوا عليه من الاعتقاد والتحليل والتحريم ونحو ذلك مما يؤول إلى هذا الجانب.

الثاني: الجانب السياسي ويعني اتباعهم فيما اتفقوا عليه من تقديم الإمام والطاعة له في غير معصية، وعدم الخروج عليه إلا بالكفر البواح.[162]

وهذا هو الذي خلص إليه الشاطبي رحمه الله بعد عرضه لأقوال العلماء في معنى الجماعة المرادة في تلك الأحاديث قال: “وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم.”[163]

ثبات الإطار العلمي

إن الالتزام بالإطار العلمي الاعتقادي الإسلامي أمر لا مناص منه للمسلم، وشرط ثابت للهوية الإسلامية لا يجوز التنازل عنه ولا التهاون فيه. فإن العقيدة هي التي تميز المسلم من غيره، وتفرق بين المؤمن وغيره. أما الإطار المؤسسي والسياسي فهو يكمل الدين ويحفظ كيانه ويرعى مصالحه ويحقق مقاصده. فالإطار الأول أساس والثاني بناء، والأول مقصد والثاني وسيلة.

إن الإطار العلمي القيمي يحميه الإطار السياسي المؤسسي ليكون الإسلام كيانا قويا منظما، ويكون المسلمون الموحِّدون موحَّدين في ظل مجتمع مترابط ودولة متماسكة. وهذا هو حال المسلمين في عصر النبوة وعهد الخلفاء الراشدين. فكان مسمى الجماعة واضح الدلالة وبارز المعالم. “والأصل أن ينشأ الإطار السياسي للجماعة على أساس من إطارها العلمي التزاما به، وحماية له، ودعوة إليه. وهكذا كان الحال أيام الراشدين. فقد كانوا أعلام السنة وخلفاء الأمة.”[164] وهذا الوضع هو الأصل في جماعة المسلمين، والأمر بلزوم الجماعة في هذه الحالة لا غبار عليه ولا إشكال فيه.

أما الإطار الأول فهو مضمون بحفظ الله، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[165]

قال صاحب أضواء البيان: “يبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﮒ  لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[166]  وقوله : {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﯾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}[167]  إلى قوله : {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}[168] وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله : { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[169] راجع إلى الذكر الذي هو القرآن.[170]

قال ابن عاشور: “وشمل حفظه الحفظ من التلاشي، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسر تواتره وأسباب ذلك، وسلمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمة عن ظهور قلوبها من حياة النبيء صلى الله عليه وسلم، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبيء صلى الله عليه وسلم وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر.”[171]

ولم يقتصر الحفظ على ضمان بقاء القرآن سليما، بل وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم استمرار بقاء طائفة من المسلمين متمسكين بالحق رغم التحديات المناوئة لهم، كما سبق أن أوردنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ.[172] وقد سبق تقرير هذا في كلامنا عن دور المجددين.

والأصل أن يقوم البناء على أساسه وأن تحقق الوسيلة مقصدها، فهذا هو الوضع الصحيح لجماعة المسلمين، إن دوائر الإسلام لا تكتمل إلا بقيام الجماعة، فإن أركان الدين لن تؤدَى كاملة إلا في جماعة من المسلمين، فالصلوات والزكوات والحج والجهاد كلها أسس الإسلام التي لا تكتمل متطلباتها إلا في هيئة منظمة جماعية، فضلا عن متطلبات إقامة العدل وواجب العمران.

لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة  إلا  بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم.”[173]

قال ابن تيمية رحمه الله: “يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض. ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم.”[174] رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم.”[175] فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة.”[176]

إذا افترق الإطاران

وهكذا فإن لزوم الجماعة بمعنى التمسك بعقيدة المسلمين وما اتفق عليه علماؤهم لا يختلف من زمان إلى زمان، ولا من مكان إلى مكان لأن الأسس العلمية للدين الإسلامي ثابتة محفوظة، وهذا هو الذي يشكل جماعة المسلمين بإطارها العلمي القيمي العقدي، أما جماعة المسلمين بإطارها السياسي فيعترضها التغير ويصيبها الانحراف عن مسارها الأول، فإن سلوك الحكام ونظام الحكم الإسلامي بعد عهد الراشدين قد ابتعد شيئا فشيئا عن تعاليم القرآن والسنة وسيرة سلف الأمة.

فلزوم الجماعة في إطارها السياسي المؤسسي لم يكن بجلاء لزوم الجماعة في إطارها العلمي القيمي، لأن الحكام بشر يعتريهم خطأ وشرود عن الحق. ففي حالة مخالفة وانحراف النظام الحاكم فإن واجب لزوم الجماعة اعتراه إشكال مريب، لأن الإطارين لم يكونا متطابقين، إن التزم المسلم بالإطار العلمي المبدئي واجهه ظلم الحكام، وإن وافق الحكام فقد خالف مبادئ الإسلام، ففي هذه الحالة كان التوجيه النبوي الدقيق:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا.[177] في رواية أحمد وابن حبان: قَالَ “لَا مَا صَلَّوْا لَكُمْ الْخَمْسَ.”

فإنكار المنكر واجب ثابت وهو طريق السلامة من الفتن، وليس للمسلم أن يُقر المخالفة الشرعية حتى ولو جاء من قبل حاكم شرعي. ثم إن رفع السلاح لا يلجأ إليه في مواجهة حاكم ظالم إذا حافظ على أركان الدين والتزم بها، وخاصة الصلاة التي هي سلوك يومي وركن عظيم من أركان الإسلام. وهو رأي جمهور العلماء.

ورأى بعضهم أن الخروج على حاكم ظالم مشروع، كما فعله عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وزيد بن علي زين العابدين رضي الله عنهم، ومن بعدهم عبد الرحمن بن الأشعث وأحمد بن نصر الخزاعي من أقران الإمام أحمد بن حنبل، فهؤلاء رأوا مشروعية الخروج على الحكام الظلمة، وهو مذهب للسلف قديم كما قال ابن حجر في تهذيب التهذيب، ولكن استقر رأي الأكثر بعدهم على عدم الخروج.

والحفاظ على استقرار النظام السياسي مطلوب في حالة بقاء الحكام داخل الإطار الإسلامي العام، كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.[178]

وعن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ.

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟

فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ.[179]

ومن البديهي أن معنى الطاعة المطلوبة هنا ليس الطاعة المطلقة، فلا تجب الطاعة المطلقة في الإسلام إلا لله ورسوله، أما الطاعة للبشر فهي مقيدة دائما بحدود الشرع، ففي حالة المخالفة الشرعية فلا تجب فيها الطاعة، كما دل على ذلك رواية الصحيحين عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا،

وَقَالَ: “ادْخُلُوهَا.”

فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا.

وَقَالَ الْآخَرُونَ: “إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا.”

فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: “لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.”

وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: “لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.”[180]

فليس معنى عدم الخروج على الحكام المسلمين هو الاستسلام والإقرار للانحراف الحاصل أو السكوت على الظلم الفاحش، بل يبقى واجب النصح والبيان والإصلاح، وإنما الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو إحداث فتنة داخلية تنسف دعائم الحكم الإسلامي.[181] ويبقى هناك جهاد سلمي في سبيل إصلاح الوضع والنصح بالتي هي أحسن، وبكل الأساليب الممكنة المؤدية إلى صلاح الأحوال.

روى مسلم وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ.[182]

فسمى الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المواجهة السلمية جهادا، بل هو أعظم جهاد كما في روى أصحاب السنن وغيرهم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.[183]

وإذا تعرض هذا المصلح للقتل من قبل الحكام فهو شهيد بل سيد الشهداء بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ».[184]

إن افتراق الإطار السياسي عن الإطار العلمي المبدئي يوقف المسلم على مفترق الطريق ويضعه أمام خيارين أحلاهما مر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وصى أمته بأن تتمسك بالحق مهما كلفها الأمر، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلا إِنَّ رَحَى الإِسْلامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا لا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ:”كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.”[185]

وقد كان علماء الإسلام عبر تاريخنا الطويل يضحون بأنفسهم ويتعرضون للتعذيب والسجن والقتل بسبب معارضتهم تجاه الحكام الظلمة، ولولا تلك المواقف الصلبة لضاع الدين وفلتت الأمة من طريقها، وهذه الأمة أمة مباركة فإنها لم ولن تعدم من يقوم لله بنصرة الحق ومقاومة الظلم، وفي كل عصر هناك جماعات من العلماء والمصلحين قاموا ضد الظلم وضد المنكرات ثابتين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.

إذا صارت الجماعة جماعات

كانت تلك الأحاديث كلها تتحدث على أن المسلمين تجمعهم جماعة واحدة ويتفقون على كيان سياسي واحد، ولكن وقد آلت أمور المسلمين منذ قرون إلى تعدد تلك الكيانات السياسية وتفرقوا في ألوية متعددة، واستمرت الحال إلى ما عشناه في واقعنا الحالي حيث تتعدد الأطر السياسية والمؤسسية للمسلمين، فلا بد من فقه للنصوص يستوعب مكونات الواقع، وينزل النصوص في مناطها الصحيح.

زاد تنوع الأطر الجامعة للمسلمين كلما انحلت عقدة من عقد المنظومة المؤسسية التي تنتظم فيها شؤون المسلمين، كنوع تعويض لما نقص من الدين جراء انحلال عقدة من عقد الإسلام، وقد يكون ذلك تدهورا من حيث عدم الانتظام المؤسسي الموحد، ولكن من الناحية الأخرى يمكن اعتبار ذلك تطورا وترقيا لدور المجتمع المدني في بناء الحضارة. فنشوء المذاهب الفقهية المختلفة التي بذرت بذورها الأولى خارج نطاق مؤسسة الدولة يعتبر ظاهرة صحية بل ارتقاء حضاريا وتقدما علميا، حيث توسع النشاط العلمي وتنوعت الخيارات الفقهية العملية لتغطي مجتمعات مسلمة جديدة لها قضاياها وثقافاتها الجديدة.

وكل ذلك التنوع نشأ ونشط حرا طليقا خارج دائرة المؤسسة السياسية، مع انضباطه والتزامه في ظل الإطار العقدي المشترك وفي ظل الآراء الكثيرة والتصورات الجامعة التي أجمعوا عليها، وبهذا المعنى يكون تفسير الإمام الشافعي لمعنى لزوم الجماعة هو اللائق والممكن، كما قدمنا قوله أن لزوم جماعة المسلمين لا معنى له إلا واحد، يعني  كما قال رحمه الله: “إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وإن وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن، ولأن الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.”[186]

ففي عهد الإمام الشافعي لم يكن لزوم الجماعة بمعنى التزام جماعة واحدة محددة أمرا ممكنا، لأن المسلمين توزعوا على أقطار شاسعة في مشارق الأرض ومغاربها، وكان الإطار السياسي تمثله دولتان متعاديتان العباسية والأموية، وتتابع الانقسام السياسي فيما بعد أكثر فأكثر مما يؤكد أن الالتزام بالإطار السياسي المحدد ليس هو المعنى الممكن تطبيقه. ومع التذكير بالمبادئ التي أسسها الرسول من أهمية وحدة المسلمين وذم التفرق والرجوع إلى القرآن والسنة حالة الاختلاف، وإلا أن المواقف الشرعية التي أُمر المسلمون بها لا تخرج بالمثالية عن الواقعية، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[187]  فقد تبقى المثالية هي القبلة التي نتجه إليها، ولكن الانطلاق والارتكاز لا بد أن يكون على المساس بالواقع، لا يتجاوزه أو يتجاهله.

ثم إن الحالة العلمية العقدية للمسلمين أيضا أصابها ما أصابها من شوائب الفكر واختلاط المفاهيم ثم اختلافها وتضاربها، مما جعلت الإطار العقدي يبتعد عن طبيعته الواضحة الناصعة، فصار مفهوم لزوم الجماعة أكثر تعقيدا. إن معنى الجماعة الذي أشار إليه الإمام الشافعي لا يقدر على تعرّفه إلا العلماء أو من في دائرتهم. فمن يقدر على استيعاب المسائل التي أجمع عليه العلماء غير العلماء؟وبالتالي فإن واجب لزوم الجماعة صار عملا تقريبيا لا تحديديا، لصعوبة تحقيقه بدقة وعلى وجه كامل.

والقاعدة المفيدة في مثل هذه الأمور أنه كلما أوغل الأمر في التفرع والتشعب والتشابك والتشابه رجع إلى الأصل والجذر لا التمادي في التفرع والتشعب، كما أن القرآن علّمنا إرجاع المتشابهات إلى المحكمات. إن الإغراق في فروع المسائل بعيدا عن ركائز القرآن والسنة يؤدي إلى نشوء تصورات غامضة. وقد لا يوجد فيها نص قاطع يحسم المسألة، وإنما هناك فهوم وتفسيرات كلها بشرية الطبع نسبية القيمة. فلا معنى لاعتمادها في سياق التزام الجماعة المسلمة، وإنما العمدة بقواطع النصوص ومحكماتها والأسس العامة الواضحة المجمع عليها مبدئيا، ثم الاختلاف فيما عدا ذلك يمكن التغاضي عنه أو إرجاؤه ومداراته.

فعلى ذلك تقوم فتاوى العلماء الراسخين المحققين، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن تكوين الأحزاب قال رحمه الله: وأما “رأس الحزب ” فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله. فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.[188]

وهكذا أرجع شيخ الإسلام المسألة إلى الأسس الإسلامية العامة، لا تحديد جماعة معينة بمواصفات محددة لا تصدق إلا على أناس معينين. وهذا الرأي يعطي شرعية لتعدد الجماعات ما دامت ملتزمة على أمر الله ورسوله، وكان عمدته رحمه الله هي المبادئ العامة المعروفة من الأمر بالاجتماع والائتلاف والتعاون على البر والتقوى والنهي عن التفرق والاختلاف.

وأبعد من ذلك فإن تكوين مجموعات إسلامية وإن كانت في نطاق صغير يبقى أمرا مطلوبا، وقد سبق نقل كلام ابن تيمية إذ قال: “يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض. ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم.”[189] رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم.”[190] فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة.”[191]

ومثل ذلك قال الإمام الشوكاني: فى نيل الأوطار: “باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما” ثم ساق روايات حديث الرسول “إذا خرج ثلاثة في سفر فليأمّروا أحدهم”  ثم قال: وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى.[192]

وهكذا صار التعدد مشروعا بل مطلوبا. والعبرة في مدى التزام تلك الجماعات بالمبادئ الإسلامية وعدم تصادمها فيما بينها وعدم تعصب أفرادها مما يؤدي إلى التفرق البغيض.

وقد حدث مع الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن تواجه المهاجرون والأنصار وكاد أن يحصل الاقتتال.

عن جَابِر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ، فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ!

وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!

فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ!!

ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟

فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ،

قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ.[193] وفي رواية لمسلم: “فإنها منتنة.”

وفي رواية أخرى لمسلم: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَامٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوْ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!

وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ!

فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟!

قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.

قَالَ: فَلَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرْ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ.[194]

قال ابن تيمية رحمه الله – كما في مجموع الفتاوى: فهاذان الإسمان “المهاجرون” و”الأنصار” اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين من قبل وفي هذا. وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى. ثم مع هذا لما دعا كل واحد منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المحذور من ذلك إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا، فِعل أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب.

فانقسام المسلمين تحت مجموعات صغيرة كانقسامهم بين المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج وتقسيمات أخرى داخل دائرة الأسس الإسلامية الصحيحة لم يضر إذا لم يؤد إلى الانشقاق والتنازع، والله أعلم.

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء المكونة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيسا والشيخ  … عبد الرزاق عفيفي نائب رئيس والشيخ عبد الله بن قعود عضوا والشيخ عبد الله بن غديان عضوا، حيث ورد السؤال: “في هذا الزمان عديد من الجماعات والتفريعات، وكل منها يدعي الانضواء تحت الفرقة الناجية، ولا ندري أيها على حق فنتبعه، ونرجو من سيادتكم أن تدلونا على أفضل هذه الجماعات وأخيرها؛ فنتبع الحق فيها مع إبراز الأدلة؟”

وكان الجواب: كل من هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية إلا من أتى منهم بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفا بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهما وعملا، فاعرف وجهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين إخوتهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل.

وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.[195]

وقد سئلت اللجنة أيضا:  : بناء على قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، يقال إنه يجب التعاون مع كل الجماعات الإسلامية، وإن كانت تختلف بينها في مناهج وطريق دعوتهم، فإن جماعة التبليغ طريق دعوتها غير طريق الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو جماعة الجهاد أو السلفيين. فما هو الضابط لهذا التعاون؟ وهل ينحصر مثلا في المشاركة في المؤتمرات والندوات؟ وماذا عند توجيه الدعوة إلى غير المسلمين؟ حيث قد يكون هناك التباس كبير لدى المسلمين الجدد، فإن كل جماعة من هذه الجماعات سوف توجههم إلى مراكزهم وإلى علمائهم، فيكونون في حيرة من أمرهم. فكيف يمكن تفادي هذه الأمور؟

وكان الجواب: “الواجب التعاون مع الجماعة التي تسير على منهج الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة في الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك والبدع والمعاصي، ومناصحة الجماعات المخالفة لذلك، فإن رجعت إلى الصواب فإنه يتعاون معها، وإن استمرت على المخالفة وجب الابتعاد عنها والتزام الكتاب والسنة، والتعاون مع الجماعة الملتزمة لمنهج الكتاب والسنة يكون في كل ما فيه خير وبر وتقوى من الندوات والمؤتمرات والدروس والمحاضرات، وكل ما فيه نفع للإسلام والمسلمين. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.”

وقع على هذه الفتوى: الشيخ بكر أبو زيد عضوا، والشيخ صالح الفوزان عضوا والشيخ عبد الله بن غديان عضوا والشيخ عبد العزيز آل الشيخ نائب رئيس والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيسا.[196]

و سئل الشيخ بن باز رحمه الله: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية  لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟ قال: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله وأن لا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداها الأخرى ،وتنصح لها وتنشر محاسنها ، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولامانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم.[197]

بين الانخراط والاعتزال

إن الأرض لا تخلو من جماعة من المسلمين تقوم على الحق وتدعو إليه، وهي الحالة الطبيعية لمجريات الحياة فوق هذه المعمورة.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ».[198]

وهذه الحالة من بقاء طائفة منصورة من المسلمين تستمر إلى أن تقترب الدنيا من نهايتها، ولا يبقى قبيل قيام الساعة مؤمن واحد، لأن الساعة لا تقوم حتى يقبض الله كل نفس مؤمنة. وقد كانت هذه المسألة محل إشكال لدى بعض الصحابة حيث استشكل بعضهم كيف يخبر الرسول ببقاء الطائفة المنصورة من أمته إلى قيام الساعة مع أنه أخبر أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق؟ يبين ذلك هذه الرواية في صحيح مسلم:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: “لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم.”

فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر[199] فقال له مسلمة: يا عقبة، اسمع ما يقول عبد الله.

فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك.”

فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة.[200]

ويؤكد ذلك حديث طويل رواه الإمام مسلم في صحيحه عن الأحداث الواقعة قبل قيام الساعة عن النواس بن سمعان[201] رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع[202]، حتى ظنناه في طائفة النخل. فلما رحنا إليه، عرف ذلك فينا.

فقال: ما شأنكم؟

قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل.

فقال: غير الدجال أخوفني عليكم[203]، إن يخرج فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم،

إنه شاب قطط[204]، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزي بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق[205]، فعاث يمينا وعاث شمالا[206]، يا عباد الله! فأثبتوا!

قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟

قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم[207].

قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟[208]

قال: لا اقدروا له قدره.[209]

قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟

قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا، وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر،[210]

ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول: لها أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل[211]،

ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين[212] رمية الغرض[213]، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك،

فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء[214] شرقي دمشق بين مهرودتين[215]، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ[216]،

فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات،[217] ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد[218] فيقتله،

ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم[219] ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: “إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم[220]، فحرز عبادي إلى الطور.”

ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون،[221] فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسي[222] كموت نفس واحدة،

ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم[223]، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر[224] فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة،[225]

ثم يقال للأرض: “أنبتي ثمرتك، وردي بركتك.” فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها،[226] ويبارك في الرسل[227] حتى أن اللقحة[228] من الإبل لتكفي الفئام[229] من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ[230] من الناس،

فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم[231]، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر[232]، فعليهم تقوم الساعة.[233]

فدل هذا الحديث وغيره من الروايات الموافقة له أن خلو الأرض من الجماعة المسلمة لن يحدث إلا قبيل قيام الساعة بعد قتال المسلمين الدجال وبعد نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، وبعد خروج يأجوج ومأجوج، فإذا لم يبق على الأرض مؤمن أو مسلم واحد لم يكن هناك على وجه الأرض وجود إسلامي. وبناء على ذلك فالانخراط في جماعة المسلمين يبقى عملا ممكنا خلال أزمنة طويلة ممتدة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قرب يوم القيامة. وبالتالي سؤال حذيفة رضي الله عنه “فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟” يكون هذا السؤال افتراضا استثنائيا، وليس حالة يقاس عليها ولا أصلا يعتمد عليه. فالأصل في المسلم هو الاختلاط بالناس والانخراط في حياتهم العامة والانضواء في الكيانات الإسلامية القائمة ما داموا متعاونين على البر والتقوى.

ويبقى الاعتزال استثناء يحتاج إلى مبررات معقولة ومقبولة للجوء إليه، فليس من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم الهروب من معترك الحياة، فإن الأمل في إصلاح الناس يبقى قائما، ومقاومة الشر والدعوة إلى الخير تظل مطلوبة ومتاحة رغم الصعوبات والتحديات.

ولكن ينبغي التنبيه هنا أنه ليس معنى بقاء الطائفة المنصورة وظهورها في الناس أنها منتشرة ومتواجدة في كل مكان وفي كل بلد، بل هؤلاء الطائفة قد تقل وقد تكثر، وحالة القلة هي الغالبة، فهنا جاءت مناسبة السؤال: كيف إذا لم يتمكن الإنسان من التوصل إلى جماعة المسلمين القائمين على الحق أو لم يعرف تواجدهم؟ كأن يعيش الإنسان في بلد الكفر وليس فيه مسلم صالح للاجتماع معه والتعاون معه على البر والتقوى، أو يسكن المسلم في بلد يغلب عليه أصحاب البدع والعقائد الفاسدة، ففي مثل هذه الظروف يسوغ الاعتقاد بأنه ليس هناك جماعة المسلمين ولا إمام لهم يلجأ إليهم.

ولكن قبل اللجوء إلى خيار الاعتزال يجب على المسلم الاجتهاد في البحث عن جماعة من المسلمين تتعاون على البر والتقوى تجمعهم عقيدة التوحيد وتربطهم وحدة الانتماء إلى الأمة الإسلامية. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[234]، مع الصادقين في انتمائهم لهذا الدين، والصادقين في العمل ابتغاء رضوان الله. والمسلم الحريص على دينه يحرص على اختيار أصحابه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ.”[235] وإن السلامة من الخسران المحقق محصورة على هؤلاء الذين اجتمعوا على الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر عليه {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.[236]

ثم إذا لم يتسن العيش مع أناس صالحين صادقين يتواصون بالحق والصبر، فعليه أن يبذل جهدا للهجرة إلى أرض الإسلام والمسلمين حيث مكن فيها الإسلام. وقد حكى الله في القرآن عن أناس مظلومين مقهورين في أمرهم، ولم يعذرهم الله إلا إذا عجزوا عن الهجرة إلى أرض تمكنهم من أداء واجباتهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}[237]

فإذا لم يملك الإنسان القدرة على الانتقال إلى مكان يمكنه من الانخراط في جماعة المسلمين أو لم يعرف وجود جماعة المسلمين، وحاصرته الفرق الضالة الداعية إلى أبواب جهنم، فما عليه إلا اعتزال الحياة العامة، وعليه أن يهتم بشؤونه الخاصة، وألا يشارك أهل الباطل في باطلهم. وهذا هو المعنى اللائق لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “اعتزل تلك الفرق كلها”.

والفِرق المأمور اعتزالها هي المشار إليها في الحديث “دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.” والجماعة المأمور التزامها هي جماعة المؤمنين الملتزمين لطاعة الله ورسوله، ومهما قل عددهم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: “إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك.”[238]

والفَرق بين الجماعة التي أمرنا بلزومها وبين الفِرَق التي أمرنا باعتزالها هو أن الأولى تدعو إلى الخير والتمسك بتعاليم الإسلام جملة وتفصيلا والدعوة الكتاب والسنة علما وعملا، أما الثانية فهي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم تدعو إلى أبواب جهنم، فهي تدعو إلى مخالفة أوامر الله ورسوله، ويغلفون دعوتهم بأغلفة مختلفة تغطي باطلهم وتزين ضلالهم.

والأمر الآخر الذي يبرر الاعتزال هو تفاقم حالة اتباع الهوى والأنانية والتمسك بالرأي الباطل مما يجعل النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر مستحيلا. يظل المسلم مطالبا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إذا وجد أن الناس قد استحكمت فيهم الأهواء واستعصوا على النصح فما على المسلم إلا أن يعكف على نفسه ويعتني بنجاة نفسه عن الفتن ويتمسك بالحق رغم إعراض الناس عنه.

وصفة علاجية لا تصلح إلا في محلها

إن الإسلام يحبذ المشاركة الفعالة في معترك الحياة، والمسلم الحاضر الصابر على الناس أفضل من غيره الغائب المدبر عن الحياة الفاعلة، روى ابن وماجه عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ.[239]

فتلك العزلة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي إلا وصفة لمعالجة واقع استثنائي، وهو واقع كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم “فتنة عمياء صماء” وتغلب فيها “دعاة على أبواب جهنم”. فهذه الفتنة – التي تكلم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم- عمياء وصماء، قال الملا علي القاري رحمه الله: هو فتنة عظيمة وبلية جسيمة (عمياء) أي يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق، (صماء) أي يصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحق أو النصيحة.

قال القاضي عياض رحمه الله: المراد بكونها “عمياء صماء” أن تكون بحيث لا يرى منها مخرجا ولا يوجد دونها مستغاثا، أو أن يقع الناس فيها على غرة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويصمون عن تأمل قول الحق واستماع النصح.

قال القاري رحمه الله: ويمكن أن يكون وصف الفتنة بهما كناية عن ظلمتها وعدم ظهور الحق فيها وعن شدة أمرها وصلابة أهلها وعدم التفات بعضهم إلى بعض في المشاهدة والمكالمة وأمثالها. [240]

وفي معنى قوله عليه الصلاة والسلام “عليها دعاة على أبواب جهنم” قال رحمه الله: (عليها) أي على تلك الفتنة (دعاة) أي جماعة قائمة بأمرها وداعية للناس إلى قبولها (على أبواب النار) حال أي فكأنهم كائنون على شفا جرف من النار يدعون الخلق إليها حتى يتفقوا على الدخول فيها (فإن مت) بضم الميم وكسرها (يا حذيفة وأنت عاض على جذل) أي والحال أنك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال والقناعة بأكل قشر الأشجار والمنام فوق الأحجار (خير لك من أن تتبع) بتشديد التاء الثانية وكسر الموحدة ويجوز تخفيفها وفتح الباء (أحدا منهم) أي من أهل الفتنة أو من دعاتهم.[241]

فهذه الحالة لا تقع في كل الأحوال، فهي حالة تعذر وجود جماعة من المسلمين يدعون الناس إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

كما روى الترمذي وغيره عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟

قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟

قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }[242]

قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فَقَال: “بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ.”[243]

وكما روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنا نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا إذ ذكر الفتنة أو ذكرت عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا رأيت الناس قد مرجت[244] عهودهم وخفّت أماناتهم وكانوا هكذا.”

وشبك بين أنامله، فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل يا رسول الله؟ جعلني الله فداك!

قال : “الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامة”.[245]

فهناك من الناس من عندهم نزعة انطوائية يبررون موقفهم السلبي بالنصوص الدينية، وبالتالي يشجعون المتدينين على الانسحاب والانعزال فتفرغ الساحة للفساد والمفسدين. وعزلة أصحاب الدين عن مواقع التأثير يزيد الناس بعدا عن الدين الحق، فما دام عندهم قبول وإقبال لدينهم فلا يلجأ المؤمن إلى عزلتهم.

فالانسحاب من معترك الحياة وعدم محاولة إصلاح الناس ليس هو الأصل في سلوك المؤمن ولا هو الأصل في هدي الإسلام، بل يبقى المؤمن يبذل جهده في ذلك، حتى إذا وجد أن المسألة أكبر من إمكانيته وإذا بلغ فساد الناس حدا لا يمكن إصلاحه فهنا يحرص على ألا ينشغل بالناس، وعليه ألا يضر نفسه بالاحتكاك بتلك البيئة الفاسدة، ويترك أمر عامة الناس إلى الله، فكل إنسان حسيب نفسه، والله يهدي إليه من ينيب.

ثبات وسط العواصف

فهذه الوصفة الخاصة التي خصها الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتنة الحالكة والفوضى العارمة قَال عليه الصلاة والسلام: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ.[246]

قال الطبري كما نقله عنه ابن حجر: أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها.[247]

وقال الشيخ عبد المحسن العباد[248] في شرحه لسنن أبي داود: إذا كانت الفتن والاضطرابات والفوضى، وليس هناك ولاية تقيم الدين وتردع المعتدين وتقضي على المجرمين، وكان الناس متفرقين فاعتزل تلك الفرق، ولو أتاك الموت وأنت عاض على جذل شجرة، أي: أصل شجرة، تبقى تحتها وتلازمها مبتعداً عن الشرور والفتن التي حصلت بين الناس. اهـ

وفي معنى العض بأصل الشجرة للعلماء قولان، ورجح الإمام البيضاوي أنه كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، ويؤيد هذا القول ما ورد في روايات غير الصحيحين “فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم.” وهذا هو الذي انسجم مع سياق الحديث. [249]

وأما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله من أنه كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا.[250] فهو شرود عن مساق الحديث لأن هذا الجواب من الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بعد سؤال حذيفة: ” فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟” وكذلك قول ابن بطال أن “فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم “دعاة على أبواب جهنم” ولم يقل فيهم “تعرف وتنكر” كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة”[251] فهذا القول مجانب للصواب جدا لأن وصف “دعاة على أبواب جهنم” لا يصح أن يطلق على جماعة المسلمين وإمامهم بحال من الأحوال، فهو مناقض لأسس الدين المعروفة ولكل القيم الإنسانية السليمة، بل لزوم الجماعة وإمام المسلمين هو من أجل الاحتماء من هؤلاء الدعاة الأشرار. فإذا كان جماعة المسلمين وإمامهم هم أنفسهم دعاة الشر فهل من المعقول والمقبول أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلزوم هؤلاء؟! فهذا أمر مرفوض بداهة، بل الحديث واضح في الأمر باعتزال أولئك، وقد سبق أن رأينا النصوص المتظافرة التي تدل على هذا المعنى الذي اخترناه.

والحديث ظاهر في تثبيت المسلم على الحق وتعليمه كيفية اتخاذ القرار الصحيح في المواقف الصعبة، والحديث يبين بوضوح أن المسلم في أحلك الظروف لا بد أن يعرف طريقه ويختار موقفه الصحيح رغم الظروف الصعبة التي تعصف بكل من حوله.

الخلاصة

إن هذا الحديث الشريف يكشف أسرارا خطيرة تخبئها الأزمنة وتبرزها الأحداث. أثبت الحديث أن الأيام دول، والأمور قلّب، وقد حدّث التاريخ بظهور أمم وسقوطها، مجيء الخير وذهابه، وأن زمن الخير في الدنيا مهما بلغ من القوة والسيطرة إلا ويعقبه زمن آخر يمتحن الله فيه المؤمنين ويختبر الصادقين ويميّز فيه الصابرين عن غيرهم. لم يتفاجأ حذيفة رضي الله عنه من إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبره أن هذا الخير الذي هم فيه – مع عمق أثره وسعة انتشاره وقوة مصدره- لا بد أن يشهد تحولا لا تستثنيه سنة الله التي لا تتبدل. لذلك لم يقف حذيفة كثيرا عند هذه النقطة، فإنها معروفة لديه سابقا ومتوقعه عنده قبلا، فبادر بسؤال ما بعده: “وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟”

فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيجاب، وهو متوقع أيضا، ولكن أضافه بمعلومة جديدة مهمة، وهي أن ذلك الخير لا يكون صافيا، بل فيه دخن يشوبه. ما هو ذلك الدخن؟ أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ. وفي رواية لمسلم: قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِر.

نعم يرجع ذلك الخير الذي غطاه شر الفتنة العارمة الحادثة في مرحلة سابقة، ولكن لم يرجع ذلك الصفاء الذي كان في العصر الأول. فظهر الخير وظهر معه أناس يخلطون المعروف بالمنكر، ويلبسون الحق بالباطل. ومع هذا الخلط وعدم صفاء الأمور وعدم تمحُّض الخير فقد وصَفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير، لأن العبرة بالغالب والحكم للأكثر، علّم الرسول صلى الله عليه وسلم التوازن والاعتدال في الحكم على الأوضاع العامة، نعم هناك خلط وفيه شوائب لكن الخير سائد، هو خير في الغالب لكن أيضا ينبغي العلم بوجود الدخن، ويجب الانتباه بوجود أناس يخلطون الخير بالشر ويلبسون الحق بالباطل.

ثم أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمجيء طور آخر أسوأ، وهو زمن شر آخر، سأل رضي الله عنه: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرّ؟ٍ قَالَ عليه الصلاة والسلام: نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا.

قد تكون تلك الدعوة إلى أبواب جهنم “تطوراً” من الخلط الحاصل في المرحلة السابقة، فلما كان عند المسلمين ذلك الخلط وعدم التمييز بين الخير والشر والحق والباطل، جاء بعده أناس يدعون إلى شر مهلك يؤدي إلى الكفر الذي يدخل صاحبه إلى النار. كان الشر من قبل محدودا، والمعروف كان مخلوطا، ولكن في هذه المرحلة تجرأ الناس إلى شر واضح ومنكر صارخ. وليس هذا هو الأسوأ في المسألة، فالأخطر من ذلك أن هؤلاء الدعاة الأشرار “هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا”. فيصعب بذلك تجنب مخاطر تلك الفتنة العمياء إذ الخطر يأتي من داخل البيت الإسلامي ويتكلم أصحابه بلسان المسلمين. تلك فتنة أصعب من الأولى، هي فتنة ضاعت فيها المعالم الواضحة التي كانت الناس يهتدي بها ويقيسون بها الأمور. فلذلك كما في رواية النسائي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم لحذيفة: “فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، وأن تموت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم.”[252]

إذا كانت الدعوة النبوية المباركة قد طردت الكفر من الجزيرة العربية وما لحقها من مناطق المسلمين فإن أعراض الكفر رجعت بلباس آخر جديد لم يعرفه المسلمون. وما ذلك إلا نتيجة الخلط والتلبيس الذي أفقد المسلمين قدرتهم على التمييز وأضعف حساسيتهم تجاه المنكرات.

ولكن هل يعني هذا أنه لا مخرج من هذه المصيبة العاتية؟ بطبيعة الحال لا يصل الأمر إلى ذلك الحد، فإن الله لا يكلف الناس فوق ما يقدرون على فعله. فلذلك سأل حذيفة طريق النجاة في ذلك الوضع الصعب. قال: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ فقَالَ عليه الصلاة والسلام: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ.

إن التمسك بوحدة الأمة وملازمة جماعة المسلمين والحفاظ على ما اجتمع عليه المسلمون هو الحل لتلك الفتنة التي تمزق الكيان الإسلامي وتشتت قواه.

وهذا في حالة ما إذا كان للمسلمين كيان منظم وجماعة قائمة، أما في حالة الضياع العام الذي ليس للمسلمين فيه كيان جامع ولا قائد هادٍ صامد، بل تتشت الأمة في رايات شتى متضاربة وتضيع معالم الدين في وسط جهل عام وعماية غالبة، فكل فرد يتمسك بما عنده من أصل الخير، ويتشدد في الاستمساك بأصل الدين وأساسيات الإسلام المتبقية. قال سيدنا حذيفة رضي الله عنه: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ فقَالَ النبي عليه الصلاة والسلام: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ.

ثم هل بعد هذا الشر من خير؟ ويبدو أن الحديث قد أبرز أنماط التحولات التاريخية التي يمكن القياس عليها.

ومثل ذلك حديث “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء.”[253] فإنه يتحدث عن نمط التحرك التاريخي. فإن سنة التداول بين الخير والشر تسري على كل مراحل التاريخ باطراد. قال العلامة الشيخ يوسف القرضاوي: “والذي أراه أن الحديث يتحدث عن دورات أو (موجات) تأتي وتذهب. وإن الإسلام يعرض له ما يعرض لكل الدعوات والرسالات من القوة والضعف، والامتداد والانكماش، والازدهار والذبول، وفق سنة الله التي لا تتبدل. فهو كغيره خاضع لهذه السنن الإلهية، التي لا تعامل الناس بوجهين، ولا تكيل لهم بكيلين. فما يجري على الأديان والمذاهب يجري على الإسلام. وما يجري على سائر الأمم يجري على أمة الإسلام.”[254]

وخلاصة كل ذلك مبثوثة في كتاب الله وبيان المخرج من كل فتنة مثبت في الذكر الحكيم، لمن تدبره وغاص في أعماقه، والله الموفق إلى أقوم السبيل.


[1] رجال حول الرسول ص48

[2] أخرجه البخاري (11/439 رقم: 3338، 21/478 رقم: 6557) ومسلم (9/386 رقم: 3434)

[3] الخطيب البغدادي : الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج2 ص212 .

[4] المصدر السابق

[5] مقدمة ابن الصلاح ص17

[6] أحرجه النسائي في السنن الكبرى (5/18 رقم: 8033) الحاكم في المستدرك (19/207 رقم: 8448) وقال: “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.” وعبد الرحمن بن قرط صحابي من أصحابة الصفة وكان واليا على حمص في زمان عمر. (الإصابة في معرفة الصحابة: 2/208)

[7] سورة النحل: ٨٩

[8] سورة يوسف: ١١١

[9] سورة الإسراء: ٩

[10] سورة المائدة: ١٥ – ١٦

[11] أقصد تلك الطوائف التي ادعت المناصرة لأهل البيت، أما من كان مع علي رضي الله عنه من الصحابة والتابعين له بإحسان فقد تصافحوا وتصالحوا وأخمدوا الفتن في آخر المطاف.

[12] سورة الجن: 1

[13] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (13/491 رقم: 16587) بسند صحيح إلا عمرو بن واقد فهو متروك (مجمع الزوائد: 7/164 رقم: 11659). وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية (5/253). وهذا أصح الطرق للحديث مع العلم أن أكثر الرواة أخرجوه عن طريق حارث الأعور وهو طريق معضل.

[14] سورة النساء: ٥٩

[15] سورة الحجرات: 1

[16] إعلام الموقعين: 1/66

[17] أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي وأبو يعلى الموصلي (12/111 رقم: 5723) والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/25 رقم: 465) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (3/305 رقم: 1189).

[18] رواه الطبراني في مسند الشاميين وابن جرير وأبو نصر السجزى عن ابن عباس مرفوعا وقال ابن جرير : في إسناده نظر. ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن الانباري في الوقف  موقوفا على ابن عباس ( انظر جامع الأحاديث للسيوطي: 7/64 رقم: 5812، كنز العمال رقم: 3097)

[19] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11/258 رقم: 20484) والخطيب البغدادي في تقييد العلم ص76-80، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله رقم: 255، وابن سعد (3/287).

[20] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/389)

[21] مسند عبد الله بن مبارك (1/238 رقم: 234)، الفقيه والمتفقه (1/261 رقم: 232)، جامع بيان العلم وفضله (4/18 رقم: 1421)، الإبانة الكبرى لابن بطة (1/73 رقم: 68)

[22]  الإمام المشهور الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي، شارح الكشاف، العلامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان. قال ابن حجر: كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلا على نشر العلم، متواضعا حسن المعتقد، شديد الرد على الفلاسفة، مظهرا فضائحهم مع استيلائهم حينئذ، شيديد الحب لله ورسوله، كثير الحياء، ملازما لاشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يجديهم ويعينهم ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده وغيرهم من يعرف ومن لا يعرف، محبا لمن عرف منه تعظيم الشريعة، وكان ذا ثروة من الإرث والتجارة، فلم يزل ينفقها في وجوه الخيرات حتى صار في آخر عمره فقيرا، صنف شرح الكشاف والتفسير، والتبيان في المعاني والبيان، وشرحه وشرح المشكاة، وكان يشغل في التفسير من بكرة إلى الظهر ومن ثم إلى العصر في الحديث إلى يوم مات يوم الثلاثاء 13 شعبان سنة 743هـ (شذرات الذهب 3/137-138)

[23] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: 15/339

[24] المصدر السابق.

[25] فتح الباري: 20/89 رقم: 6557

[26] سورة النور: 11

[27] سورة الأنبياء: 35

[28] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 322) في تفسير سورة الحجرات.

[29] شرح الإبانة في أصول الديانة، أبو الأشبال حسن الزهيري آل مندوه، 13/8 .

[30] أخرجه مسلم (13/424 رقم: 5030)

[31] سورة آل عمران: 140

[32] سورة الرعد: 17

[33]  سورة الاسراء:81

[34]  سورة سـبأ:49

[35]  سورة آل عمران: 140

[36]  سورة آل عمران:141

[37]  شرح النووي (12/238)

[38] مسند أحمد: 47/264 رقم: 22195، وسنن أبي داود: 11/318 رقم: 3706، ومعجم الطبراني الأوسط (16/130 رقم: 7554)

[39] مسند أحمد: 47/403 رقم: 22334

[40] مسند أحمد: 47/264 رقم: 22195، وسنن أبي داود: 11/318 رقم: 3706

[41] عون المعبود (9/288 رقم: 3706)

[42]  شرح النووي (12/236)

[43]  فتح الباري (13/35)

[44] أخرجه أحمد (45/134 رقم: 21139) وابن حبان (27/471 رقم: 6839) والحاكم في المستدرك (16/344 رقم: 7122) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/138 رقم: 572)

[45] صحيح مسلم (9/386 رقم: 3434)

[46] فتح الباري: 20/89 رقم: 6557

[47]  أخرجه مسلم (3/1481 رقم 1854)

[48] سورة الحجر: 47

[49] سورة الحشر: 14

[50] سورة آل عمران: 71

[51] سورة البقرة: 42

[52]  أخرجه البخاري (3/1274 رقم 3269، 6/2669 رقم 6889) ومسلم (4/2054 رقم 2669)

[53]  المستورد بن شداد بن عمرو بن حسل بن الأحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري المكي نزيل الكوفة له وأبيه صحبة. توفي بالإسكندرية سنة خمس وأربعين من الهجرة (الإصابة 6/90)

[54]  أخرجه الطبراني في الأوسط (1/101 رقم 313) قال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 7/261)

[55]  وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (7/479 رقم 37377)

[56] سورة الشورى: 11

[57]  أخرجه مسلم (3/1481 رقم 1854)

[58]  أخرجه الخاري (6/2669 رقم 6888) وأحمد (2/325 رقم 8291، 2/336 رقم 8414، 2/367 رقم 8791) وأبو يعلى في مسنده (11/82 رقم 6292) واللفظ للبخاري.

[59]  فتح الباري (13/301)

[60] مجموع الفتاوى (20/57-59)

[61] سورة المائدة: 100

[62] سورة المائدة: 4

[63] سورة الأعراف: 157

[64] أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/283 رقم: 1036، 7/36 رقم: 9633)

[65] سورة الملك: 10

[66] قواعد الأحكام: 1/5-7

[67] أخرجه مسلم (12/403 رقم: 4632، 12/404 رقم: 4633)

[68] أخرجه أحمد (36/443 رقم: 17320) والدارمي (8/28 رقم: 2588) حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/151 رقم: 1734)

[69] الموافقات: 3/29

[70] إعلام الموقعين 3/149

[71] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/407) ورواه مالك من بلاغاته في الموطإ (2/899 رقم: 3)

[72] سورة الجمعة: 2

[73] مجموع فتاوى ابن تيمية: 19/308

[74] سورة الطلاق: 2

[75] سورة الأنفال: 29

[76] أخرجه البخاري (1/90 رقم: 50، 7/202 رقم: 1910) ومسلم (8/290 رقم: 2996) واللفظ له

[77] قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [سورة الأنبياء: ٧٨ – ٧٩] أخرج البيهقي والحاكم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قَالَ: كَرْمٌ وَقَدْ أَنْبَتَتْ عَنَاقِيدُهُ فَأَفْسَدَتْهُ. قَالَ: فَقَضَى دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: غَيْرَ هَذَا يَا نَبِىَّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَدْفَعُ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ، وَتَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ، فَيُصِيبُ مِنْهَا حَتَّى إِذَا كَانَ الْكَرْمُ كَمَا كَانَ دَفَعْتَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِهِ وَدَفَعْتَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا. (السنن الكبرى: 10/427 باب اجتهاد الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وهو من أهل الاجتهاد. والمستدرك: 9/409 رقم: 4103) وقال البخاري معلقا هذه القضية: “فحمد سليمانَ ولم يَلُم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين، لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.” (صحيح البخاري: 22/82 باب متى يستوجب الرجل القضاء).

[78] انظر سورة الأعراف: 150 وسورة مريم: 92-94

[79] سورة الكهف: 60-82

[80] فقد اختلفوا في رجل قتل مائة نفس ثم تاب ولم يعمل خيرا قط كما روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ لَا فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. (أخرجه البخاري: 11/289 رقم: 3211، ومسلم: 13/338 رقم: 4967)

[81] سورة الشورى: 14

[82] تفسير القرآن العظيم: 7/195

[83] سورة آل عمران : 103

[84] سورة الأنعام : 153

[85] سورة الأنعام : 159

[86] سورة المؤمنون : 1

[87] سورة المؤمنون: 52 – 54

[88] سورة الأنبياء : 92 – 93

[89] سورة الإنبياء : 92

[90] أضواء البيان: 7/160

[91] التحرير والتنوير: 25/56

[92] أخرجه البخاري (1/126 رقم: 69) ومسلم (5/239 رقم: 1719)

[93] التحرير والتنوير: 25/56

[94] سورة المائدة : 48

[95] روح المعاني: 18/248

[96] مجموع الفتاوى: 4/172–173

[97] مجموع الفتاوى: 22/254

[98] سورة آل عمران: 103

[99] سورة الأنعام: 153

[100] سورة الأنعام : 159

[101] سورة هود: 118 ، 119

[102] تفسير المنار: 4/17-23

[103] سورة الأنفال: ١

[104] سورة النساء: ١١٤

[105] سورة الحجرات: ١٠

[106] سورة الحجرات: ٩

[107] سورة آل عمران: ١٠٣

[108] أخرجه مسلم (12/415 رقم: 4642)

[109] أخرجه البخاري (19/11 رقم: 5606) ومسلم (12/421 رقم: 4646)

[110] أخرجه أبو داود (13/78 رقم: 4273) والترمذي واللفظ له (9/49 رقم: 2433) وأحمد (56/44 رقم: 23236) وابن حبان (21/224 رقم: 5183)

[111] سورة آل عمران: 104

[112] سورة آل عمران: 110

[113] التحرير والتنوير: 4/40

[114] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (7/530 رقم: 3775)

[115] أخرجه أحمد (51/251 رقم: 24094) وابن حبان في صحيحه (2/67 رقم: 289)

[116] أخرجه البخاري (8/399 رقم: 2313)

[117]  أخرجه أحمد (4/361)

[118]  أخرجه أحمد (4/192) قال الهيثمي: أخرجه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما ثقات (مجمع الزوائد 7/267)

[119]  الموطأ (2/991 رقم 1799) والبيهقي في الشعب (6/99 رقم 7602)

[120] أخرجه ابن ماجه (12/25 رقم: 4009) والطبراني في الأوسط (10/384 رقم: 4827) والبيهقي في الشعب (7/314 رقم: 3163) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/105 رقم: 106)

[121] أخرجه مسلم (1/168 رقم: 71)

[122] سورة المائدة: ٥٤

[123]  سورة محمد: 38

[124]  سورة إبراهيم: 19-20

[125]  تفسير القرآن العظيم (2/70)

[126]  أخرجه البخاري (6/2667 رقم 7881) ومسلم (3/1523 رقم 1921،1922) بلفظ: “لن يزال قوم من أمتي”

[127]  أخرجه البخاري (6/2667 رقم 6882) ومسلم (3/1524 رقم 1037) واللفظ للبخاري.

[128] أخرجه مسلم (10/36 رقم: 3544)

[129] أخرجه مسلم (1/373 رقم: 225)

[130] أخرجه أبو داود (6/487 رقم: 2125)

[131]  فتح الباري (13/295) بتصرف

[132] أخرجه أبو داود (4/109 رقم: 4291) والحاكم (19/496 رقم: 8738) والطبراني في الكبير (19/467 رقم: 1118) والأوسط (14/293 رقم: 6715) وصححه التبريزي في مشكاة المصابيح (1/53 رقم: 247) والألباني في السلسلة الصحيحة (2/98 رقم: 599)

[133]  فتح الباري (13/295)

[134]  الشيخ شمس الدين محمد بن العلقمي الشافعي المتوفى سنة 929 له الكوكب المنير شرح فيض القدير (كشف الظنون 1/560)

[135]  الحافظ العلامة الشهير أبو بكرأحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير رحل في آخر عمره إلى أصبهان والشام بنشر علمه مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (طبقات الحفاظ 1/289)

[136]  أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني الجزري صاحب الامام أحمد روى عنه وعن أبيه عبد الحميد وجماعة  وعنه النسائي ووثقه أبو حاتم وآخرون مات سنة أربع وسبعين ومائتين (طبقات الحفاظ 1/267)

[137]  عون المعبود (11/260) مختصرا

[138] سورة الأنبياء: ٣٥

[139] مسند أحمد (38/439 رقم: 23449)

[140] صحيح ابن حبان (1/232 رقم: 117)

[141] الرسالة ص20

[142] سنن أبي داود (11/318 رقم: 3706) والنسائي في الكبرى (5/18 رقم: 8032) وأحمد (47/264 رقم: 22195) وابن حبان (24/464 رقم: 6064)

[143]  شرح النووي (12/236-238)

[144]  فتح الباري (13/36)

[145]  أبو جعفر أحمد بن سعيد الداودي وهو ممن ينقل عنه بن التين في شرحه للبخاري (كشف الظنون 1/545)

[146]  أبو الحسن القابسي علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني الفقيه شيخ المالكية أخذ عن ابن مسرور الدباغ وفي الرحلة عن حمزة الكتاني وطائفة وصنف تصانيف فائقة في الأصول والفروع وكان مع تقدمه في العلوم حافظا صالحا تقيا ورعا حافظا للحديث وعلله منقطع القرين وكان ضريرا توفي سنة 403هـ (شذرات الذهب 2/168)

[147]  فتح الباري (13/36)

[148] سورة الرعد: 17

[149] سورة الأنبياء: ١٨

[150] سورة الإسراء: ٨١

[151] أخرجه الترمذي (8/69 رقم: 2091) وقال هذا حديث صحيح حسن غريب ووافقه الذهبي، وأخرجه النسائي في الكبرى (5/389 رقم: 9225) وابن أبي عاصم في السنة (1/98 رقم: 76) وصححه الألباني في ظلال الجنة (2/137 رقم: 897)

[152] أخرجه الترمذي (9/260 رقم: 2582) وابن ماجه (1/267 رقم: 226) وأحمد (26/418 رقم: 12871) والدارمي (1/258 رقم: 234) والحكم وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (1/284 رقم: 269) وابن حبان في صحيحه (2/454 رقم: 480)

[153] أخرجه ابن حبان في صحيحه (19/160 رقم: 4661)

[154] أخرجه أبو داود (12/375 رقم: 4131) والترمذي (10/89 رقم: 2790) وأحمد (35/32 رقم: 16542) والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (1/389 رقم: 369).

[155]  الرسالة : 475

[156]  فتح الباري (13/37)

[157] صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قَوْلِهِ تَعَالَى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ.

[158]  فتح الباري (13/37)

[159]  أخرجه أحمد (4/102)  والحاكم (1/218 رقم 443)

[160]  أخرجه مسلم (3/1477 رقم 1849)

[161]  جماعة المسلمين: مفهومها وكيفية لزومها في واقعنا المعاصر، د. صلاح الصاوي ، دار الصفوة، القاهرة، ط سنة 1412هـ، ص21 .

[162]  المصدر السابق ص23

[163] الاعتصام: 2/776

[164]  جماعة المسلمين ص120

[165] سورة الحجر: ٩

[166] سورة فصلت: ٤١ – ٤٢

[167] سورة القيامة: ١٦ – ١٧

[168] سورة القيامة: ١٩

[169] سورة الحجر: ٩

[170] أضواء البيان (2/251-252)

[171] التحرير والتنوير (14/21)

[172]  أخرجه البخاري (6/2667 رقم 6882) ومسلم (3/1524 رقم 1037) واللفظ للبخاري.

[173]  أخرجه الدارمي في سننه (1/91 رقم 251)

[174]  أخرجه أبو داود (3/36 رقم 2608، 2609) وأخرجه ابن خزيمة عن عمر (4/141 رقم 2541) والحاكم (1/611 رقم 1623) وصححه.

[175]  أخرجه أحمد (2/176 رقم 6647)

[176]  السياسة الشرعية، لابن تيمية ص136-137

[177] أخرجه مسلم (9/400 رقم: 3445)

[178] أخرجه البخاري (21/444 رقم: 6532) ومسلم (9/374 رقم: 3427)

[179] أخرجه مسلم (9/403 رقم: 3447)

[180] أخرجه البخاري (22/53 رقم: 6612، 22/218 رقم: 6716) ومسلم (9/371 رقم: 3424، 9/372 رقم: 3425)

[181] كل هذا الكلام متعلق بالحاكم الذي يقر بالإسلام شرعا ملزما، أما الذي لا يعترف بالإسلام نظاما للحياة فليس له علاقة، لأنه لا يكتسب شرعيته من الإسلام أصلا، فكيف يحتمي به ويسمتد منه بقاء؟

[182] أخرجه مسلم (1/168 رقم: 71)

[183] أخرجه أبو داود واللفظ له (11/419 رقم: 3781) والترمذي وحسنه (8/83 رقم: 2100) والنسائي (13/121 رقم: 4138) وابن ماجه (12/15 رقم: 4001) وأحمد (22/361 رقم: 10716) والحاكم (19/443 رقم: 8685) وصححه الألباني في السلسلة (1/490 رقم: 491)

[184] أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: “صحيح الإسناد ولم يخرجاه” (11/214 رقم: 4872) والطبراني في الأوسط (9/280 رقم: 4227) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/373 رقم: 374)

[185] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (14/499 رقم: 16599) والصغير (20/380 رقم: 750) قال الهيثمى: يزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد: 5/227 رقم: 9153).

[186]  انظر: الرسالة  ص475

[187] سورة البقرة: ٢٨٦

[188] مجموع الفتاوى 11/92

[189]  أخرجه أبو داود (3/36 رقم 2608، 2609) وأخرجه ابن خزيمة عن عمر (4/141 رقم 2541) والحاكم (1/611 رقم 1623) وصححه.

[190]  أخرجه أحمد (2/176 رقم 6647)

[191]  السياسة الشرعية، لابن تيمية ص136-137

[192] نيل الاوطار 8/294

[193] أخرجه البخاري (11/343 رقم: 3257) ومسلم (12/464 رقم: 4682)

[194] أخرجه مسلم (12/463 رقم: 4681)

[195] فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم 7122 .

[196] فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم 18870

[197] من مجموعة فتاوى سماحة الشيخ ابن باز (5/272)

[198] أخرجه الحاكم(19/273 رقم: 8508) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والكبير ورجال الكبير رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 7/288).

[199]  عقبة بن عامر الجهني من أصحاب الصفة كان عقبة بن عامر يقول خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ونحن في الصفة فقال أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان وتوفي بمصر (حلية الأولياء 2/8)

[200]  أخرجه مسلم (3/1524رقم 1924)

[201]  النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب العامري الكلابي له ولأبيه صحبة وحديثه عند مسلم في صحيحه (الإصابة 6/478)

[202]  قال النووي: قوله (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفّض فيه ورفّع حتى ظنناه فى طائفة النخل) هو بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان (أحدهما) أن خفض بمعنى حقر وقوله (رفع) أى عظمه وفخمه. فمن تحقيره وهو أن الله تعالى عوّره، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم “و أهون على الله من ذلك”، وأنه لايقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه, وأنه يضمحل أمره، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه. ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبى إلا وقد أنذره قومه. (والوجه الثانى) أنه خفض من صوته فى حال الكثرة، فيما تكلم فيه، فخفض بعد طول الكلام، والتعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كل أحد(شرح النووي 18/63).

[203]  قال النووي نقلا عن شيخه أبي عبد الله بن مالك رحمه الله: وأما معنى الحديث ففيه أوجه: (أظهرها) أنه من أفعل التفضيل: (الدجال) أخوف مخوفاتى عليكم ثم أضيف إلى الياء، ومنه “أخوف ما أخاف على أمتى الأئمة المضلون.” معناه: أن الأشياء التى أخافها على أمتى أحقها بأن تخاف الأئمة المضلون. (والثانى) بأن يكون أخوف من أخاف بمعنى خوف الدجال أشد موجبات خوفى عليكم. (والثالث) أن يكون من باب وصف المعانى بما يوصف به الأعيان على سبيل المبالغة كقولهم فى الشعر الفصيح: شعر شاعر. وخوف فلان أخوف من خوفك وتقديره الدجال أخوف خوفى عليكم ثم الأول ثم الثانى هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله. ثم قال النووي: ولأفعل التفضيل أيضا شبه بالفعل، وخصوصا بفعل التعجب، فجاز أن تلحقه النون المذكورة فى الحديث، كما لحقت فى الأبيات المذكورة. هذا هو الأظهر فى هذه النون هنا. ويحتمل أن يكون معناه أخوف لى فأبدلت النون من اللام، ككما أبدلت فى لعن وعن بمعنى لعل وعل (شرح النووي 18/64)

[204]  قوله صلى الله عليه وسلم (إنه شاب قطط) هو بفتح القاف والطاء: أى شديد جعودة الشعر، مباعدة للجعودة المحبوبة (شرح النووي 18/64)

[205]  قوله صلى الله عليه وسلم (أنه خارج خلة بين الشام والعراق) هكذا فى نسخ بلادنا: خَلَّة بفتح الخاء المعجمة واللام وتنوين الهاء. وقال القاضى: المشهور فيه حلة بالحاء المهملة ونصب التاء منونة. قيل: معناه سمت ذلك وقبالته. وفى كتاب العين الحلة موضع حزن وصخور. قال: ورواه بعضهم حُله بضم اللام، وبها الضمير، أى نزوله وحلوله. قال: وكذا ذكره الحميدى فى الجمع بين الصحيحين. قال: وذكره الهروى خلّة بالخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحتين، وفسره بأنه ما بين البلدين. هذا آخر ماذكره القاضى.

وهذا الذى ذكره عن الهروى هو الموجود فى نسخ بلادنا، وفى الجمع بين الصحيحين أيضا ببلادنا، وهو الذى رجحه صاحب نهاية الغريب، وفسره بالطريق بينهما (شرح النووي 18/64)

[206]  قوله (فعاث يمينا وعاث شمالا) هو بعين مهملة وثاء مثلثة مفتوحة: وهو فعل ماض والعيث: الفساد أو أشد الفساد، والإسراع فيه، يقال: منه عاث يعيث. وحكى القاضى أنه رواه بعضهم: فعاثٍ بكسر الثاء منونة اسم فاعل، وهو بمعنى الأول.(شرح النووي 18/64-65)

[207]  قوله صلى الله عليه وسلم (يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم) قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور فى الحديث، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم “وسائر أيامه كأيامكم.” (شرح النووي 18/65)

[208]  وأما قولهم (يا رسول الله فذلك اليوم الذى كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره) فقال القاضى وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشرع. قالوا: ولولا هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة فى غيره من الأيام (شرح النووي 18/65)

[209]  ومعنى (اقدروا له قدره) أنه اذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، واذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب وهكذا، حتى ينقضى ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلها مؤداة فى وقتها. وأما الثانى الذى كشهر، والثالث الذى كجمعة فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه. والله أعلم (شرح النووي 18/65)

[210]  قوله صلى الله عليه وسلم (فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا، وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر) أما (تروح) فمعناه ترجع آخر النهار، و(السارحة) هى الماشية التى تسرح أى تذهب أول النهار إلى المرعى. وأما (الذُرَى) فبضم الذال المعجمة وهى الأعالى والأسمنة، جمع ذُِروة بضم الذال وكسرها وقوله (وأسبغه) بالسين المهملة والغين المعجمة أى أطوله، لكثرة اللبن. وكذا (أمده) خواصر لكثرة امتلائها من الشبع (شرح النووي 18/65)

[211]  قوله صلى الله عليه وسلم (فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) هى ذكور النحل. هكذا فسره ابن قتيبة وآخرون. قال القاضى: المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة، لكنه كذا عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها، لأنه متى طار تبعته جماعته. والله أعلم (شرح النووي 18/65)

[212]  قوله صلى الله عليه وسلم (فيقطعه جزلتين رمية الغرض) بفتح الجيم على المشهور، وحكى ابن دريد كسرها، أى قطعتين (شرح النووي 18/66)

[213]  ومعنى (رمية الغرض) أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته. هذا هو الظاهر المشهور. وحكى القاضى هذا، ثم قال: وعندى أن فيه تقديما وتأخيرا، وتقديره فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين. والصحيح الأول (شرح النووي 18/66)

[214]  قوله (فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين) أما المنارة فبفتح الميم. وهذه المنارة قائمة اليوم (شرقى دمشق) ودمشق بكسر الدال وفتح الميم، وهذا هو المشهور. وحكى صاحب المطالع كسر الميم. وهذا الحديث من فضائل دمشق وفى (عند) ثلاث لغات كسر العين وضمها وفتحها والمشهور الكسر (شرح النووي 18/66)

[215]  وأما (المهروذتان) فروى بالدال المهملة والذال المعجمة. والمهملة أكثر. والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم. وأكثر ما يقع فى النسخ بالمهملة، كما هو المشهور. ومعناه: لابس مهروذتين أى ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان والشقة نصف الملاءة (شرح النووي 18/66)

[216]  قوله صلى الله عليه وسلم (تحدر منه جُمَان كاللؤلؤ) الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم هى حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللولؤ فى صفاته فسمى الماء جمانا لشبهه به فى الصفاء (شرح النووي 18/66)

[217]  قوله صلى الله عليه وسلم (فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات) هكذا الرواية “فلا يحِل” بكسر الحاء و(نفَسه) بفتح الفاء ومعنى لا يحل لا يمكن ولا يقع. وقال القاضى: معناه عندى حق وواجب. قال: ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط (شرح النووي 18/66)

[218]  قوله صلى الله عليه وسلم (يدركه بباب لُدّ) هو بضم اللام وتشديد الدال مصروف، وهو بلدة المساجد من بيت المقدس (شرح النووي 18/66)

[219]  قوله صلى الله عليه وسلم (ثم يأتى عيسى صلى الله عليه وسلم قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم) قال القاضى: يحتمل أن هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح على وجوههم تبركا وبرا، ويحتمل أنه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشدة والخوف (شرح النووي 18/66-67)

[220]  قوله تعالى (أخرجت عبادا لى لايدان لأحد بقتالهم فحرز عبادى إلى الطور) فقوله لا يدان بكسر النون تثنية يد. قال العلماء: معناه لا قدرة ولا طاقة. يقال: مالى بهذا الأمر يد، ومالى به يدان، لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد، وكان يديه معدومتان، لعجزه عن دفعه. ومعنى حرزهم إلى الطور أى ضمهم واجعله لهم حرزا. يقال: أحرزت الشىء أحرزه إحزازا اذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. ووقع فى بعض النسخ حزب بالحاء والزاى والباء أى أجمعهم. قال القاضى: وروى حوز بالواو والزاى، ومعناه نحهم وأزلهم عن طريقهم إلى الطور (شرح النووي 18/67)

[221]  قوله (وهم من كل حدب ينسلون) الحدب: النشز، وينسلون: يمشون مسرعين (شرح النووي 18/67)

[222]  قوله صلى الله عليه وسلم (فيرسل الله تعالى عليهم النغف فى رقابهم فيصبحون فرسى) النغف بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم فاء، وهو دود يكون فى أنوف الإبل والغنم، الواحدة نغفة. والفرسى بفتح الفاء مقصور أى قتلى، واحدهم فريس (شرح النووي 18/67)

[223]  قوله (ملأه زهمهم ونتنهم) هو بفتح الهاء أى دسمهم ورائحتهم الكريهة (شرح النووي 18/67)

[224]  قوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن منه بيت مدر) أى لا يمنع من نزول الماء (بيت المدر) بفتح الميم والدال، وهو الطين الصلب (شرح النووي 18/67)

[225]  قوله صلى الله عليه وسلم (فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة) روى بفتح الزاى واللام والقاف، وروى الزُلفة بضم الزاى واسكان اللام وبالفاء، وروى الزَلَفة بفتح الزاى واللام وبالفاء. وقال القاضى: روى بالفاء والقاف وبفتح اللام وباسكانها، وكلها صحيحة. قال فى المشارق: والزاى مفتوحة. واختلفوا فى معناه. فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون معناه: كالمرآة. وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عباس أيضا، شبهها بالمرآة فى صفائها ونظافتها. وقيل: كمصانع الماء أى إن الماء يستنقع فيها، حتى تصير كالمصنع الذى يجتمع فيه الماء. وقال أبو عبيد: معناه كالإجانة الخضراء. وقيل: كالصفحة. وقيل: كالروضة (شرح النووي 18/67)

[226]  قوله صلى الله عليه وسلم (تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها) العصابة الجماعة. وقحفها بكسر القاف هو مقعر قشرها، شبهها بقحف الرأس وهو الذى فوق الدماغ. وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل (شرح النووي 18/68)

[227]  الرِسل بكسر الراء وإسكان السين: هو اللبن (شرح النووي 18/68)

[228]  و(اللقحة) بكسر اللام وفتحها لغتان مشهورتان، والكسر أشهر، وهى القريبة العهد بالولادة، وجمعها لقح بكسر اللام وفتح القاف، كبركة وبرك. واللقوح ذات اللبن وجمعها لقاح (شرح النووي 18/68)

[229]  و(الفئام) بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة، وهى الجماعة الكثيرة. هذا هو المشهور والمعروف فى اللغة وكتب الغريب. ورواية الحديث أنه بكسر الفاء وبالهمز. قال القاضى: ومنهم من لا يجيز الهمز بل يقوله بالياء. وقال فى المشارق: وحكاه الخليل بفتح الفاء، وهى رواية القابسى. قال: وذكره صاحب مهموز فأدخله فى حرف الياء وحكى الخطابى أن بعضهم ذكره بفتح الفاء وتشديد الياء وهو غلط فاحش (شرح النووي 18/68)

[230]  قوله صلى الله عليه وسلم (لتكفى الفخذ من الناس) قال أهل اللغة الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن. والبطن دون القبيلة. قال القاضى: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء فلا يقال إلا بإسكانها، بخلاف الفخذ التى هى العضو، فإنها تكسر و تسكن (شرح النووي 18/68)

[231]  قوله صلى الله عليه وسلم (فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم) هكذا هو فى جميع نسخ مسلم “وكل مسلم” بالواو (شرح النووي 18/68)

[232]  قوله صلى الله عليه وسلم (يتهارجون تهارج الحمير) أى يجامع الرجال النساء بحضرة الناس، كما يفعل الحمير. ولا يكترثون لذلك. والهرج بإسكان الراء الجماع. يقال: هرج زوجته أي جامعها، يهرجها، بفتح الراء وضمها وكسرها (شرح النووي 18/68)

[233]  أخرجه مسلم (4/2251-2254رقم 2937)

[234]  سورة التوبة:119

[235] أخرجه أبو داود (12/459 رقم: 4193) والترمذي (8/383 رقم: 2300) وحسنه وأحمد (16/226 رقم: 7685) والحاكم وقال صحيح إن شاء الله (17/165 رقم: 7427) وصححه الألباني (3/1 رقم: 927)

[236]  سورة العصر:1-3

[237] سورة النساء: ٩٧ – ٩٩

[238]  اعتقاد أهل السنة، هبة الله اللالكائي، 1/109، دار طيبة، الرياض، 1402هـ

[239] أخرجه ابن ماجه (12/39 رقم: 4022) والترمذي (9/47 رقم: 2431) وأحمد (10/316 رقم: 4780) وصححه الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح (3/103 رقم: 5087) والألباني في السلسلة الصحيحة (3/13 رقم: 939)

[240] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (15/361)

[241] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (15/361)

[242] سورة المائدة: 105

[243] أخرجه الترمذي (10/321 رقم: 2984) وقال: “هذا حديث حسن غريب”، وابن حبان في صحيحه (2/261 رقم: 386) والحاكم في المستدرك (18/287 رقم: 8029) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

[244] مرجت : اختلفت وفسدت.

[245] أخرجه الحاكم (18/22 رقم: 7866) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/64 رقم: 564)

[246] أخرجه البخاري (11/439 رقم: 3338، 21/478 رقم: 6557) ومسلم (9/386 رقم: 3434)

[247] فتح الباري: 20/89 رقم: 6557

[248] عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد بن عثمان ال بدر، تولى التدريس في المسجد النبوي بالمدينة المنورة في أول عام 1406 هـ، حيث درس فيه الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وسنن بن ماجه، ودرس أيضا ألفية السيوطي في المصطلح، ودرس مقدمة ابن أبي زيد القيرواني وتطهير الاعتقاد للصنعاني وشرح الصدور للشوكاني، ودري شرح شروط الصلاة وكتاب آداب المشي إلى الصلاة لمحمد بن عبد الوهاب. (عبد_المحسن_العبادhttp://ar.wikipedia.org/wiki/)

[249] انظر: فتح الباري: 20/89 رقم: 6557

[250] المصدر نفسه

[251] المصدر نفسه

[252] سنن النسائي الكبرى 5/18 رقم 8032

[253]  أخرجه مسلم (1/130 رقم 145)

[254]  المبشرات بانتصار الإسلام، د. يوسف القرضاوي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1418هـ-1998م، ص123

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معلومات

This entry was posted on 28 فيفري 2014 by in مقالات.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: