آفاق المستقبل

تصحيح مفاهيم وتكوين رؤى

الأطر العقدية لاستشراف المستقبل الإسلامي

إن الإسلام صبغة متميزة تخرِّج إلى عالم الواقع نماذج عملية حية تتحرك في دنيا الناس لتحقق رسالته السامية. فهو دينٌ محرَّك. وهو الذي أخرج للعالم وقدم للتاريخ تلك النهضة الشاملة التي صبغت البشرية صبغة لم يسبق لها مثيل ولم يكن لمثلها بديل. (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً).[1]

والانتساب الصحيح، المعترف به، إلى هذا الدين إنما هو بالتحقق بالصفات المذكورة في القرآن والسنة والتي هي الميزة التي ميز الله بها المؤمنين من غيرهم. كقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ  زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى  رَبِّهِمْ يتوكلون. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)[2].

قال سيد قطب رحمه الله تعالى: “إن حقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب ، فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها لسان ، ومن ورائها واقع يشهد شهادة ظاهرة بعكس ما يقوله لسان ! إن التحرج ليس معناه التميع ! والشعور بجدية الحقيقة الإيمانية أوجب ، والتحرج في تصورها ألزم . وبخاصة في قلوب العصبة المؤمنة التي تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع ، التي غلبت عليها الجاهلية ، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة !”[3]

إن الاستفادة من هذه المنظومة العقدية إنما هي للمؤمن الذي يعتنق هذا الدين صادقا ويعمل به مجاهدا نفسه. وإن هذه المنظومة لا تتحرك إلا في نفس تتجاوب معها وتتناغم مع أنغامها. وقد كان السلف رضي الله عنهم يحرصون كل الحرص ويبذلون قصارى جهدهم لتحقيق كل متطلبات الإيمان. ولم يكونوا يكتفون بمجرد انتسابهم للإسلام وكينونتهم في الدنيا مع المؤمنين.

فهذا عمر الفاروق رضي الله عنه لما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم معبرا عن شعوره فقال: “والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.”

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.”

فقال عمر: “فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي.”

فقال رسول الله: “الآن يا عمر”[4].

وهذا أبو ذر[5] رضي الله عنه غيَّر سلوكه فور عتاب رسول الله صلى الله له. كان يلبس مثل ما يلبس خادمه لما سئل عن ذلك قال: “إني ساببت رجلا فعيَّرته بأمه فقال لي النبي  صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر أعيرته بأمه! إنك امرؤ فيك جاهلية! إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم.”[6]

وهذا ثابت بن قيس بن شماس[7] لما سمع قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)[8] احتجب في بيته وظل يبكي لأن لـه صوتـا جهورا قد يرفع به فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم. يخاف على نفسه أن تحبط أعماله وهو لا يشعر. لما سمع حاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّره بأنه غير مراد في الآية، وأنه من أصحاب الجنة[9]… إلى مئات الأمثلة من هذا القبيل.

فالعقائد في الإسلام ليست مجرد معارف وقناعات تحشو الأذهان وتملأ الأفواه، وهي عاجزة عن دفع صاحبها إلى دائرة الواقع العملي. ليس المطلوب من دراسة العقيدة الإسلامية تقديم تصورات غيبية بعيدة عن تكوين الشخصية، مفصولة عن الحركة الفعلية. (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[10]. و”ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال.”[11]

وقد أنكر الله على قوم اكتفوا بمجرد الانتساب واعتقدوا أن هذا الانتساب العاري من التحقق نافعهم. (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).[12] هؤلاء قوم ظنوا أن انتماءهم إلى إبراهيم أو موسى أو عيسى -عليهم الصلاة والسلام- كافيهم لدخول الجنة. ثم قرر الله أن المستحقين لهذا الشرف إنما هم الذين تحقق فيهم صفات تؤهلهم لذلك، وليسوا منتسبين مجردين (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[13].

وكذلك نتائج العمل لا تراعي غير هذا القانون، وليس هناك اعتبار للدعاوى والأماني الفارغة (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً)[14].

وأخرج الله قوما من دائرة المؤمنين، معهم كينونة ثابتة مع المؤمنين ولهم ظاهر الانتساب إلى الإسلام، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)[15].

ما المشكلة فيهم؟

إنهم لم يكونوا صادقين بالموقف الإيماني الصحيح. (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)[16]. إن خللا نفسيا في داخلهم يحول دون تحققهم بالصفات الإيمانية (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً)[17]. والمشكلة الأكبر من ذلك هي عدم استعدادهم للإصلاح والعلاج (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونََ)[18]. إلى آخر ما قال الله في شأن المنافقين. أعاذنا الله جميعا من النفاق.

وصنف آخر صح إسلامهم ولم يُردّ انتسابهم، غير أن المقدار المطلوب الذي يحرص الشرع على تحقيقه لم يصلوا إليه بعد. فهذا الصنف لا يمكن أن يعتمد عليه في بناء الحضارة، ولا يكون رصيدا أساسيا لجهاد العدو. قال الله تعالى في مثل هذا الصنف (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)[19].

لم يصل الإيمان إلى كيانهم الداخلي الأعمق بحيث تخالط بشاشته القلوب. ومن ثم لم يكونوا من المؤمنين الصادقين. ولم يحظوا بالإيمان المطلق الذي به يضمن به نصر الله في قوله (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)[20] وقوله (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)[21]. إنه ضمان للمؤمنين حقا لهم وصف ثابت بالاسمية وليس بفعل طارئ.

قال القرطبي[22]: “فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا، وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص[23] لما قال له: أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أو مسلم؟” الحديث خرجه مسلم[24].”[25]

“والمؤمنون هم من يكونون مؤمنين بأوصاف ومقاييس ومعاني الإيمان التي بينها الله في كتابه الغزيز والتي بينها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته النبوية الكريمة المطهرة، لا أن يكونوا مؤمنين بمقاييسهم وتخيلاتهم وأمانيهم.”[26]

فالمؤمنون هم المؤمنون. والشرف الموعود لهم، لهم فقط لا لأشباه المؤمنين ولا لأدعياء الإيمان.


الفصل الأول

عقيدة الإيمان باليوم الآخر والتكليف والجزاء والحساب، دافعا ومحورا لجهود الإنسان المسلم

 

لقد جاء الإسلام بتصور كامل للحياة التي يعيشها الإنسان. صور المراحل التي مر بها الإنسان والمراحل التي سيمر بها، وبيَّن طبيعة كل مرحلة ومتطلباتها. وبيَّن الهدف من الوجود ثم يخصص مهمة الإنسان والواجبات المطلوبة ثم وضح معايير النجاح والفشل ومقادير الترقي ومقاييس التردي. وبين كيفية المحاسبة والتقويم للعمل والنتائج للأعمال المتفاوتة. ووفر دوافع وحوافز للعمل الطيب من جانب ومحذِّرات وزواجر عن العمل السيئ من جانب آخر.

والإيمان باليوم الآخر أقوى ما يؤثِّر في سلوك المؤمن الصادق ويحدِّد موقفه من مستقبله. وهو مجموعة من المعتقدات المترابطة المتكاملة توضح مهمة الإنسان ومبدأ الجزاء والعقاب ثم الحساب واليوم الأخير الذي هو نتيجة أخيرة من عمل الإنسان في هذه الحياة. وضوح في الهدف، ووضوح في الطريق، ووضوح في المعايير، ثم وضوح في المصير المترتب على عمله.

 المبحث الأول: الإنسان والتكليف

لقد صرح القرآن أن على الإنسان مهمة يجب تحقيقها في هذه الحياة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[27]. والعبادة معنى شامل لكل ما يطلبه الله من الإنسان من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[28]. إنه معنى شامل شمول ربوبية الله لعباده، شمول قدرة الله عليهم، وشمول علم الله بشؤونهم.

قال ابن تيمية[29] رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما بحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.[30]

إلا أن التكاليف مراتب، منها فرائض لازمة ومنها نوافل مفتوحة. بامتثال الفرائض يدخل الإنسان في دائرة النجاة والسلامة. وبالنوافل يترقى الإنسان إلى سلَّم المعالي والكرامة، يصعد بها المجتهد، ويترخص فيها المقتصد.

وهناك منهيات، منها محرمات ومنها مكروهات. باجتناب المحرمات ينجو الإنسان من الهلاك المحقق والعذاب المؤبد. وباجتناب المكروهات يسمو الإنسان عن الرذائل المستقبحة إلى الفضائل المستحسنة.

وليس التكليف في الإسلام ركاما من الأعباء الثقيلة الشاقة التي تُنقض ظهر الإنسان.

قد بين القرآن أن التكليف لا يتجاوز مقدار وسع الإنسان.

قال الله تعال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)[31]. بقدر ما أعطاه الله من إمكانية يكون التكليف عليه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا)[32].

بل كشف الإمام الشاطبي[33] رحمه الله حقيقة أبعد من ذلك، حيث أثبت أن التكليف في الحقيقة أقل وأخف من قدرة الإنسان المتاحة له. فإن الشارع يرفع عن المكلف المشقة وإن كانت داخلة في نطاق القدرة إذا كانت خارجة عن المعتاد بحيث يشوش على النفوس في تصرفها ويقلقها في القيام بما فيه تلك المشقة.[34]

وهو أمر تقرر في شرعنا الحنيف أن الحرج مرفوع، وأن المشقة تجلب التيسير. قال الله في خصائص الرسالة المحمدية (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )[35] وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )[36] وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً)[37]. وقال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[38].

لكن التكليف في الحقيقة إنما يعود نفعه على الإنسان نفسه. فإن الله لا يأمر إلا ليجزي، ولا يحرم إلا ليعطي. (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).[39] وقد بيَّن العلماء أن مقصد الشرع – باستقراء جزئيات الشريعة – إنما هو جلب المصالح للعبد ودرء المفاسد عنه. فهو أرحم بعباده منهم بأنفسهم وأعلم بمصالحهم.

قال الله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)[40] وقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[41].

وكانت التشريعات كلها جملة وتفصيلا مبنية على المصلحة قال الله في شأن هذا القرآن (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[42] وقال في شأن خاتم رسله عليه الصلاة والسلام (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[43].

وفي الحكمة من الصيام قال (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[44] وأحكام الزواج قال عز وجل (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)[45]. وفي أحكام الطهارة قال (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[46] وفي القصاص قال (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[47]. وهكذا في كل جزئيات الشريعة.

وهذا التكليف حق طبيعي ومنطقي لله عز وجل. هو الذي خلق وهو الذي ملك. هو سبحانه المعطي وهو كذلك الآخذ. فله سبحانه أن يأمر بما يشاء، ويحكم ما يريد. لكنه رب كريم، رحيم حكيم. فالذي طلبه من العبد أقل –ولا مقارنة- من الذي أعطى. والذي منعه منه أيسر بكثير من الذي منحه له.

فلم يتحرك الإنسان المسلم في حياته على فراغ. إن له رسالة عظيمة وأمانة جسيمة تتلاءم مع التكريم الذي كرم الله به بني آدم.

ولله عباد لهم نفوس راقية لا تستثقل التكاليف لأنها نفوس مشربة بحب الله (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ)[48] فهي تحب ما يحبه ربها (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)[49] فبقدر قوة إيمان المؤمن يكون حبه للطاعات وكرهه للمعاصي، ويكون أكثر الناس رشدا.

ولذلك يكون الدعاء المأثور : “اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك.”[50]

 المبحث الثاني: الجزاء والحساب

بين الله أن التكليف مقابل بالجزاء المكافئ له، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)[51].

و أبت رحمة الله إلا أن تغلب غضبه. فهو سبحانه يضاعف جزاء المحسن ولا يعاقب المسيء إلا بقدر عمله.

(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).[52]

ورحمته سبحانه وتعالى أضعاف عدله سبحانه.

(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).[53]

وقد يضاعف الله الجزاء إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).[54]

بل وقد يجازي الله بعض عباده بلا حد ولا حساب قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).[55]

وهذا الجزاء قد يحصل في الدنيا وقد يكون في الآخرة. قد يكون ماديا محسوسا وقد يكون معنويا معقولا. وسنتكلم عنه بتفصيل أكثر عند الكلام عن قاعدة الجزاء من جنس العمل في الباب الثالث إن شاء الله.

الجزاء العاجل

من الجزاء ما يكون في الدنيا عاجلا. من ذلك ما ذكر الله في جزاء الاستغفار (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)[56]. وقال سبحانه في سورة هود (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)[57] وقال على لسان هود عليه السلام (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)[58]

وقال عليه الصلاة والسلام : “من لزم الاستغفار  جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب.”[59]

وكذلك جزاء التقوى منه ما يكون عاجلا في الدنيا قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)[60] وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)[61].

وإذا كانت التقوى تظهر في صورة جماعية فالجزاء جماعي أيضا (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).[62]

و قد يكون الجزاء معنويا بأن يوفق الله العبد ويعينه على الطاعة أكثر. وهذا أفضل بكثير من الجزاء المادي. لأن هذه الدار دار عمل فالإعانة على العمل في الدنيا أهم وأنفع من اللذة الفانية.

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[63].

وقال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[64]

ومن أعظم الجزاء في الدنيا التمكين لدين الله ورفع أصحابه في الدنيا قال عز وجل (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)[65]

وكذلك –في المقابل- من العقوبة ما يكون معجلا في هذه الدار. فالمصائب التي تصيب الإنسان منها ما يكون بسبب الذنوب (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[66]. وقال: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[67].

لذلك لما تساءل المسلمون يوم أحد عن سبب هزيمتهم، ذكر الله أن ذلك بسبب ما ارتكبوه من الأخطاء. (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[68] وقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)[69].

لما أنزل الله قوله (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)[70] قال أبو بكر[71] رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)؟ فكل سوء عملنا جُزِينا به! فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللَّأْوَاء[72]؟ قال: بلى. قال: فهو ما تجزون به.[73]

وكذلك هلاك الأمم قبلنا كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم هو من أعظم الجزاء المعجل. ولكن الله يرحم هذه الأمة من الهلاك العام. قال صلى الله عليه وسلم: سألت ربي  ثلاثا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة[74] فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.[75]

وروى الطبري[76] في تفسيره عن أبي سعيد الخدري[77] رضي الله عنه قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة، ثم قرأ قوله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)[78]. [79]

من الجزاء المعجل أيضا تسليط الذل على قوم قال عليه الصلاة والسلام: “ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب.”[80]

وعن ابن عمر[81] قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”.[82]

والوهن الذي أصاب المسلمين إنما هو من هذا النوع ولا يرفعه الله عنهم إلا إذا رجعوا إلى دينهم.

قال صلى لله عليه وسلم: “إن الله زوى[83] لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم[84]، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا.”[85]

فكان كل ما أصاب المسلمين اليوم إنما هو بسبب ظلمهم لأنفسهم. جزاء وفاقا.

النتيجة النهائية

ولكن هذه الدار دار عمل وإنما يوفى الجزاء يوم القيامة. وما ظهر في هذه الدار من البلاء والمصائب إنما هي للتذكير حتى يرجع الإنسان إلى رشده. كما قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).[86]

أو يكون تخفيفا للعقوبة. فعن عبادة بن الصامت[87] رضي الله عنه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ونحن في مجلس: “بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله في الدنيا فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.” قال: فبايعناه على ذلك”.[88]

فالجزاء الحقيقي هو في تلك الدار الآخرة التي هي آخر المطاف لحياة الإنسان، قال الله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[89].

فيكون هنالك الحساب الدقيق يوم القيامة في كل صغيرة وكبيرة قال الله تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)[90].

فالفلاح كل الفلاح لمن جاء بالحسنات الوفيرة. والخسارة كل الخسارة على من لم يأت بما يطلبه الله منه. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ)[91]

 

 المبحث الثالث: مقياس الربح والخسارة

ولكن مع وضوح هذا المبدأ، فإن هذا المسرح الحياتي يشهد مفارقة عجيبة؛ فإن أكثر الناس لم يحظوا بالربح المطلوب مع سخاء العطاء ونصاعة البيان. قال الله تعالى (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).[92] لا سلامة إلا بهذه الأربعة. وما أقل الحائزين لها !

إنه ضعف البصيرة الذي يجعل الإنسان يحرص على الدنيا الفانية تاركا الآخرة الباقية. (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ). وفي يوم (لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[93].

إنما المال والبنون تنفع إذا كان قلب الإنسان سليما. سليم من الشرك، فلا يعبد إلا الله. سليم من الكفر، فلا يرتكب ما نهى الله. سليم من البخل فلا يمنع الخير. سليم من الكبر فلا يفتخر ولا يحتقر.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم  جلس ذات يوم على المنبر فقال: “إني مما  أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها،

فقال رجل: يا رسول الله أويأتي الخير بالشر؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم النبي صلى الله ولا يكلمك! فرأينا أنه ينزل عليه. قال فمسح عنه الرحضاء[94] فقال: أين السائل؟

وكأنه حمده، فقال: إن الخير لا يأتي بالشر، وإن مما ينبت الربيع[95] ما يقتل أو يلم[96]، إلا آكلة الخضر[97]، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل -أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة.”[98]

إن الله جعل معايير للربح والخسارة، ورفع أقواما ووضع آخرين بهذه المعايير: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).[99]

إن الرابحين بهذه المعايير هم الذين سخت نفوسهم، وفاض عطاؤهم.

قال عليه الصلاة والسلام : “إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح[100] فيه يمينه وشماله ومن بين يديه ووراءه.”[101]

وعن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنها ذبحت شاة فقالت: “يا رسول الله تصدقنا بها إلا كتفها.” فقال: “هي لكم كلها إلا كتفها.”[102]

وقد نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن تتطلع نفسه إلى هذه الزهرة الفانية (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[103].

فالنفس المؤمنة التي تزن بميزان رباني لا تتطلع إلى سراب زائل. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسد إلا في أمرين اثنين، في العلم النافع والإنفاق في سبيل الطاعة. قال عليه صلاة الله وسلامه : “لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله مالا وسلَّطه على هلكته في الحق.”[104]

لما ظهر قارون على قومه بما آتاه الله من حظوظ الدنيا وهو عارٍ عن العمل الصالح قال بعض القوم (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[105]. ولكن الذين أوتوا بصيرة وعلما استبصروا القضية وزجروهم على ذلك الموقف الذي ينبئ عن طمس البصيرة وضعف الإيمان، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)[106].

إن أمل المؤمن الحق هو العطاء دائما، وهاجسه أبدا هو العمل الصالح الذي يقربه إلى الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء.”[107]

وقال رسول لله صلى الله عليه وسلم : “نعم المال الصالح للرجل الصالح”[108]. فهذا ربح في الدنيا وربح في الآخرة.

هكذا يقاس على سائر الإمكانات والفرص المتاحة للإنسان إنما تكون مربحة إذا وظِّفت في طاعة الله وسبل الخير.

قال عليه الصلاة والسلام: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ.”[109]

 

 المبحث الرابع: اليوم الآخر

إن الحياة بعد الموت حقيقة من أكثر الحقائق تأكيدا وتكريرا في القرآن. إنها حقيقة كبرى، وعلى كل إنسان أن يضعها نصب عينيه. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أكثروا من ذكر هاذم اللذات، يعني الموت.”[110] نعم، إنه لحري بالإنسان الذي يريد أن يسلم وينجح، أو يغنم فيربح، أن يكون في حسبانه دائما هذا الأمر الجلل.

إنه يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. الخسارة الحاصلة فيه لا تعوض، والحسنة لا تبخس. (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[111]

 إنه يوم يواجه الإنسان عمله فقط لا ينفعه شفاعة الشافعين إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا. وكل امرئ محاسب على نفسه فقط. قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً)[112]، وقال تعالى: (واخشوا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً)[113]

إنه الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة.

ولكن مع كل ذلك أغلب الناس في غقلة شديدة عن هذه الحقيقة العظيمة. (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)[114]

 

 المبحث الخامس: من ثمار هذه العقيدة في حياة المسلم

إن الإيمان بهذه العقيدة له آثار طيبة في حياة المسلم، نذكر من بينها ما تيسر منها:

1.    إنقاذ الحياة من الضياع

إن الإنسان الذي يؤمن باليوم الآخر يعرف أن عليه من ربه تكاليف، يعرف معنى حياته وإلى أين يوجه جهوده. لم تكن حياته حيرة في البحث عن أصله ومصيره.

إن البحث عن حقيقة الحياة وحقيقة الإنسان أمر يشغل كثيرا من البشر، وهو من الأهمية بحيث ليس هناك ما ينجي حياة الإنسان إلا معرفة هذه الحقيقة. ولكن يخسر الإنسان الذي ينفق جزءا من عمره و يبذل جهده في هذا الأمر ثم لا يصيب عين الحق فيه. كم من الناس يحار وقد يصيبه قلق نفسي خطير. كم من الناس خسر العمر من أجل البحث عن نقطة الصفر التي يجب أن ينطلق منها.

إن ضياع الحقيقة عن الإنسان هو أول مصيبة مني بها المُنكِر أو الجاهل باليوم الآخر. وهو أول انحراف يؤدي به الزمان إلى أن يتباعد يوما بعد يوم عن خط سلامة حياته. كلما امتدت حياته ازدادت معه خسارته، وتفاقمت معه بلاياه.

فالإنسان المؤمن يعيش في النور ويمشي على هدى مستقيم. غايته واضحة، وطريقه بينة.

2.    قوة الاندفاع إلى العمل والمسارعة إلى الخير

إن الإنسان لا يتحرك إلا من أجل جلب مصلحة يبتغيها أو دفع مضرة يكرهها، وبحسب حجم تلك المصلحة أو المضرة تكون قوة الاندفاع. وكل المصالح تتضاءل كلما قورن بالمصلحة الأخروية كذلك كل المضار والمخاطر لا تساوي شيئا إذا ما قورن بالمضرة الأخروية.

فالغبن كل الغبن أن يجتهد الإنسان في غير هذا الأمر. والفلاح أيما فلاح لمن سعى له ولا يأل جهدا من أجل تحصيله. إن نعيم الحياة الدنيوية كلها لا تساوي ذلك النعيم الأبدي، وبؤس الدنيا بأجمعه لا يقارن بشقاء الآخرة.

إن الإنسان المؤمن الذي يوقن بوعد الله، ويخاف عذاب الله، ينطلق بقوة نحو العمل الصالح. أي رادع أشد من تلك المهالك الأخروية. مضرة محضة، وبؤس سرمدي بحت. وأي دافع أقوى من المصلحة المطلقة في الآخرة. نعيم صاف لا يكدره شيء، ولذة أبدية لا يحدها زمن.

3.    الاستفادة القصوى من الحياة الدنيوية

إن معرفة الإنسان بالرسالة التي جيء به من أجلها، ثم معرفته بالعواقب التي يترتب على كيفية أدائه لتلك المهمة، سيجعل هذا الإنسان المؤمن بهذه الأمور يتحرك تحركا مضبوطا بتلك المعطيات. وبالتالي كل تصرفاته محسوبة بهذا المعيار المستقيم.

فلا يضيع جهده في الشيء الضائع الفاني. ولا يغترّ ببهرج الحياة الدنيا. إن المؤمن على بينة تماما، ما هو الشيء الذي يفيد، وما الذي يضر، وكيف يستفيد وكيف يتجنب الضرر.

 

4.    سعة الصدر وعدم التزاحم على حظوظ الدنيا

لم يكن للنفس التي تعرف قيمة الحياة الدنيا ذلك اللهث على حطام الدنيا، الذي يقتل كرامة الإنسان وسيادته على هذه الكوكبة الصغيرة. إنها تعرف جيدا أن هذه الدنيا ما هي إلا ممر اختبر فيها الإنسان، فلا يستحق أن يتهالك عليها.

بناء على هذه المعرفة يكون مبدأ الزهد في الدنيا عند المسلم الواعي. إن عمل المسلم لا يبنى على نيل المصلحة القريبة الزائلة. بل يكون تطلعه إلى أفق بعيد. على ذلك يفهم حث الرسول صلى الله عليه وسلم على غرس الفسيلة مع وشك قيام الساعة[115]، إن المسلم يعمل من أجل ما وعد الله لعباده من الأجر الجزيل، فلا يتوقف عمله على الفائدة القريبة.

فليس هناك ما يحوج المؤمن إلى أن يزاحم الناس في دنياهم، فلا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، ولا يحسد أحدا في الوجود.

5.    الاستعداد النفسي للتضحية

ما الذي يرجوه إنسان يعرف تماما أن الحياة الدنيا مزرعة الآخرة، لا أقل ولا أكثر؟ هل سيتشبث بهذا العرض العاجل؟ أم يسترخصه ويبذله في سبيل غرض أسمى؟ لا شك أن هذا الإنسان لا يستكثر أي ثمن في هذه الدنيا إذا ما بذل من أجل نعيم الآخرة. والنفس المشربة بحب الله يتلذذ ببذل الغالي والنفيس لإرضاء الله عز وجل. إن هذه النفس ستقبل عرض ربه السخي من فوق سبع سماوات، (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )[116].

بل تطرب هذه النفس إذا ما أتيحت له فرصة البذل وفتح له باب العطاء، وتستبشر بما ستناله من الأجر العظيم،

“ولست أبالي حين أقتل مسلما      في أي أرض كان لله مصرعي

وذاك في ذات الإلـه وإن يشأ         يبـارك علـى كل شلو ممزع”[117]


الفصل الثاني

عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، صرف وتمحيض للاهتمام نحو النفع وطمأنة للضمير عن الماضي الفائت

 

الإيمان بالقدر هو ركن ركين من أركان الإيمان الذي يكوّن شخصية المسلم ويصوغ تصوره للأشياء والأحداث، إلا أن  غبشا كثيفا حال دون الاستفادة القصوى من هذه العقيدة. إن هذا الاعتقاد هو الذي دفع المسلمين الأوائل للخوض في معركة صناعة الحياة. إنها صياغة رائعة للشخصية التي تواجه الواقع المتقلب وتقوِّي النفس التي تذوق الوضع المرير بثبات.

ولكن مع ذلك، فقد أسيء فهم هذه العقيدة كثيرا حتى تحول أثره عكسيا مما يولِّد تصرفات غير مقبولة ولا معقولة استنادا إلى الإيمان بالقدر.

المبحث الأول: معنى الإيمان بالقَضاء والقدر

          القضاء: الحكم والصنع والحتم والبيان.[118] وكل معانيه ترجع إلى انقطاع الشيء وتمامه والفراغ منه .

قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).[119]

وقال عز وجل : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ).[120]

فإيجاد الكائنات وتسييرها من حيث ما قدر لها، قضاء. وشروق الشمس وغروبها على هذا النظام قضاء. ونزول المطر من السماء قضاء. ونمو النبات والشجر على حسب السنة قضاء. وتفتح الأزهار وذبولها وسقوطها، قضاء. ومرض من يمرض إذا تعرض لأسباب المرض قضاء. وموت من يموت إذا جاء أجله المسمى المرتبط بالأسباب المقدرة ، قضاء. وشفاء من يشفى إذا تعاطى أسباب الشفاء قضاء. ودخول المؤمن الجنة قضاء. ودخول الكافرين والعاصين النار – والعياذ بالله – قضاء.

والقدر: القضاء والحكم ومبلغ الشيء.[121] ومعناه أن الله تعالى قضى على الأشياء وحكم عليها وقدَّرها في القدم، وعلم الله سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله تعالى.

روي أن كفار قريش جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[122] أي بتقدير سابق عليه.[123]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.”[124]

وعن ابن مسعود[125] رضي الله تعالى عنه أنه قال : “الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره.” فسمعه رجل فأتى حذيفة بن اليمان[126] فأخبره بذلك فقال: كيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له حذيفة: أ تعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها.ثم قال : أي رب أ ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم قال : أي رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد ما أمر ولا ينقص.[127]

وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد وكل بالرحم ملكا ، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه؟[128]

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : “حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها”.[129]

وعن طاووس[130] أنه قال : “أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : كل شيء بقدر الله تعالى.

قال وسمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كل شيء بقدر حتى العجز والكيس”.[131]

وفي حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.[132]

فالله تعالى فاعل مختار لا يحدث في ملكه إلا ما يريد، وكل ما يقع في الكون معلوم له قبل وقوعه، وموافق لما أراده.

فإن الله عز وجل قدر الحبة الصالحة إذا ألقيت في التربة الطيبة وأجري عليها الماء نبت منها نبات. وقدر أن نواة التمر تنبت نخلة ولا يمكن أن تنبت غير نخلة . وقدر أن يولد الإنسان طفلا ، ثم يصير صبيا فمراهقا، فشابا، فكهلا، فشيخا، فهرما، إذا امتد به عمر. وقدره أن يمنح قدرة وإرادة يزاول بهما -بإذن الله- مصالحه، ويسعى في كسب رزقه، وجلب ما ينفعه، ودفع ما يضره. وقدر أن يمنحه أنواعا من الهدايا يميز بها النافع من الضار ، والخير من الشر ، والهدى من الضلال. وقدر أن يرسل إليه رسلا ، يرشدونه إلى ما فيه خيره وصلاحه، وربط باتباعهم وطاعتهم سعادته، وبمعصيتهم والمخالفة عن أمره شقاوته. وقدره أن يكلفه أنواعا من التكليف، كلها في إمكانه ، فإن نهض بها أثابه وإن لم يفعل عاقبه. وقدره أن يجعله مختارا ، فيما يأتي وما يدع ، وأن يجعل هذا الاختيار أساسا للتكاليف الشرعية، حتى إذا ذهب الاختيار ذهب التكليف.

 

النهي عن ترك العمل

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم ، وفي يده عود ينكت به، أي في الأرض، فرفع رأسه فقال: “ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة أو النار.”

قالوا : يا رسول الله ! فلما نعمل ؟ أفلا نتكل؟

قال: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له.”

ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)[133]. وهي النار والعياذ بالله.

وعن عمران بن حصين[134] رضي الله عنه أنه قال : إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه؟ أشيء قضي عليهم ومضى، أم فيما يستقبلون به؟

فقال: “لا بل شيء قضي عليهم. وتصديق ذلك كتاب الله عز وجل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).”[135]

 

المبحث الثاني: تحريم التنازع في القدر

عن أبي هريرة[136] رضي الله عنه أنه قال : خرج علنيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر ، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما قفئ في وجنتيه الرمان ، فقال : “أبهذا أمرتم؟!!أم بهذا أرسلت إليكم؟!! عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه!!”[137]

وفي الحديث الشريف “لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.”[138]

 

المبحث الثالث: دفع الأقدار بالأقدار

نحن مطالبون شرعا بأن ندفع أقدارا بأقدار. فالجوع مثلا من القدر ونحن ندفعه بقدر الطعام. والعطش من القدر ونحن ندفعه بقدر الشراب. والمرض من القدر ونحن ندفعه بقدر الدواء، وهو من القدر أيضا. ولو أن المرء استسلم لقدر الجوع والعطش، مثلا وهو قادر على دفعه ثم مات، مات عاصيا لله تعالى الذي نهاه عن أن يلقي بنفسه إلى التهلكة. قال تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).[139]

وقد أفصح الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا كل الإفصاح، وأوضحه كل الإيضاح حين قيل له: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟

قال صلى الله عليه وسلم : “هي من قدر الله.”[140]

فانظر إلى هذا الجواب الحكيم الذي يحفز الهمم إلى العمل النافع، ويهيب بالناس إلى اتخاذ الأسباب، والإمعان في الحذر.

وقال أبو عبيدة بن الجراح لعمر بن الخطاب حين أراد الرجوع من الشام لما فيها من الطاعون: “أفرارا من قدر الله!”

فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟[141]

وقد أمرنا الله بإعداد المستطاع من العدة إرهابا للعدو. والمستطاع هو ما يدخل في قدرة الإنسان ومكنته واختياره. وذلك من باب دفع اللأقدار بالأقدار. وهو في وسع الإنسان وصميم إمكانه.

وقال الله عز وجل: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً).[142]

فلو لا أن اتخاذ الحذر مستطاع، وفي الإمكان، وفي مقدور الإنسان، ما أمر الله العليم الحكيم به، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

فلا تتم مصالح العباد في معاشهم إذن إلا بمدافعة الأقدار بعضها ببعض.

ومدافعة الأقدار على نوعين[143]:

الأول : مدافعة أقدار قد انعقدت أسبابها ولم تقع، بأقدار تدفعها وتحول دون وقوعها. كمدافعة عدو مغير بالإعداد له.

وإلى هذا يشير قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ).[144]

والثاني: مدافعة أقدار قد وقعت ، بأقدار تدفعها. كمدافعة مرض بالدواء .

وإليه يشير قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “قال تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وقد أنزل له شفاء إلا هذا الهرم.”[145]

أما القعود عن مدافعة الأقدار مع القدرة عليها فهي من العجز الذي نهينا عنه.

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، وإن أصابك شيء،  فلا تقل لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.”[146]

نهى النبي عن العجز، وهو القعود عن العمل وعنده القدرة عليه كسلا وتهاونا. فإذا بذل الإنسان جهده، وخرج الأمر من يده وأصبح في يد الأقدار التي لا يمكن دفعها يقول: قدر الله وما شاء فعل. ويرضى حينئذ بقدر الله صابرا. ويخضع لمشيئة الله تعالى ولا يستسلم للهم والحزن.

والحرص على ما ينفع هو مدافعة الأقدار بالأقدار. والعجز المنهي عنه هو الاستسلام للأقدار مع القدرة على مدافعتها. فلا ينبغي أن يحول الإيمان بالقدر بيننا وبين اتخاذ الحيطة والحذر والنظر في العواقب بالنظر والحرص على الخير، والعمل على الظفر به، والفرار من الشر ولاعمل النجاة منه.

وقد علم الله ضعف الإنسان أمام قوة الغرائز أو أثر البيئة أو الوراثة. وعلم سبحانه أنها قد تطغى عليه، فتورطه في ألوان من الفتون. فاقتضت رحمته أن يمحو بالتوبة النصوح أثر هذا الطغيان. وأمر بالتوبة ليمحو بها قدر المعصية التي دفع إليها قدر الغريزة أو غيرها.

فمن دفع بقدر التوبة قدر المعصية –كما يدفع بقدر الطعام قدر الجوع الهلاك- فقد استمسك بالعروة الوثقى. فمن لجّ في عتوه ونفوره فعلى نفسه جنى. وما ربك بظلام للعبيد.

وقدر الله سبحانه وتعالى أن الجد سبب الظفر. وأن العمل الصالح سبب الفوز بالنجاة في الآخرة. فإن قصرنا في العمل وحاق بنا سوء تقصيرنا، كنا جديرين باللوم والتثريب، مستحقين لما أعد الله للمقصرين من الخيبة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

ولا ينبغي أن نحتج بالقدر إذا قصرنا في عمل كان في وسعنا أن نعمله فلم نعمله، فحاق بنا ما يستوجبه التقصير، لأننا مأمورون بأن نأخذ بالحذر وأن نحتاط في الأمر ، وأن نجلب لأنفسنا الخير. وأن ندفع الشر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

كل امرئ يدرك إدراكا تاما الفرق بين ما يأتيه وما يدعه طوعا واختيارا وبين ما يصيبه وليس له فيه اختيار. ومن أنكر ذلك فقد سفه نفسه وأنكر عقله.

وإنا لنرى الإنسان إذا أخفق في الحصول على مطلب التمسه لتقصير منه، عاد باللائمة على نفسه ثم عاود الطلب بعد إحكام وسائله، وإتقان ذرائعه، واتخاذ الأسباب التي يعتقد أنها كفيلة بأن تحقق أمله، وتظفره بحاجته. ومن العجب أن القدر لا يخطر بباله في ذلك. ولا يخطر بباله إلا إذا اقترف سيئة، ليحمل الأقدار تبعة ما جنى، وجريرة ما اقترف.

ولولا أن الإنسان يشعر كل الشعور بأنه مختار فيما يأتي وفيما يدع، ولولا أن الطاعات في وسعه وفي مكنته، ما نزلت الشرائع ولا جاءت الأوامر والنواهي ولا أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب ولا بشر ولا أنذر، ولا رغب ولا حذر، ولا جعل جنة ونعيما ولا نارا ولا جحيما.

ولو كان القدر سالبا لاختيار الناس أعماله الاختيارية، لبطل الثواب والعقاب, والتأديب والتهذيب، والنصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والصد عن الشر.

المبحث الرابع: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر

والمذهب الوسط بين الذين فرطوا في إثبات القدر والذين أفرطوا فيه، هو مذهب أهل العلم والاعتدال من أهل السنة والحديث، الذين لم يرجعوا في هذه القضية إلى مصدر غير الإسلام، ولم يحتكموا إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وخلاصة هذا المذهب تصوره الحقائق التالية:

1-              أننا نرى بضرورة العقل والحس أن لنا أفعالا اختيارية تستند إلى قدرتنا وإرادتنا. وأننا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة. إذا أردنا أن نأكل الخبز لم نأكل التراب. وإذا أردنا الصلاة في المسجد لم نذهب إلى الحانة. وأننا نفرق بين حركة الصاعد على السلم والساقط منه. ونعلم أن الأول مختار في حركته، والثاني غير مختار.

2-      ونعلم أن بضرورة الشرع – الذي جاء كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم – أن الله هو الذي خلق فينا الإرادة والقدرة اللتين بهما نحدث أفعالنا. وهذه الإرادة والقدرة المخلوقة فينا هي أساس تكليفنا ومناط مسؤوليتنا عن أعمالنا في الدنيا والآخرة. وعليه ترتب المدح والذم وكان الثواب والعقاب، وقامت سوق الجنة والنار، ودلت على ذلك النصوص الشرعية.

3-      وهذا لا ينافي الاعتقاد بأن الله خالق كل شيء، وأن كل ما في الكون حادث بمشيئته وقدرته. ذلك أن الله تعالى هو خالق الإنسان بكل ما فيه من قوى وطاقات، وصفات مادية ومعنوية. ومن جملة هذه القوى: الإرادة والقدرة اللتان يوجد الإنسان بهما جميع أفعاله الإرادية. والله تعالى هو الذي جعلهما سببا لإحداث الفعل حسب سننه تعالى في الخلق. ولا ريب أن خالق السبب التام خالق لمسببه, ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق السبب الموجد له.

4-      وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقول: إن الله هو خالق أفعال العباد، لأن سنته تعالى أن يخلق الأشياء بوسائط وأسباب. ومن هذه الوسائط ما خلقه الله تعالى في الإنسان من قدرة وإرادة واختيار. كما أن الإنسان هو محدث أفعاله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة.

وهذا هو القول المعتدل الموافق للنصوص، وبه نخلص من ورطات المعتزلة والجبرية كلتيهما. ونثبت للإنسان إرادة مرجحة، وقدرة مؤثرة في مقدور ها بإقدار الله وتمكينه سبحانه.

 

 

دلالة القرآن والسنة على هذا المذهب

فالذي يستقرئ النصوص الواردة في هذه القضية يجد:

أولا: أن القرآن والسنة قد أسندا الأفعال إلى العباد في عشرات ومئات من الآيات والأحاديث، تارة بالاسم العام مثل: (يعملون – يكسبون – يصنعون) ونحوها، تارة بأسمائها الخاصة (يتقون – يعبدون – يؤمنون – يكفرون – يشركون – ينفقون – يجاهدون – يقتلون – يصلحون – يفسدون) وما إلى ذلك.

والأصل في إسناد الفعل إلى فاعله أن يكون على سبيل الحقيقة لا على المجاز. بخاصة أن بعض هذه الأفعال يستحيل أن يسند إلى الله تعالى مثل: الزنا والسرقة والإفساد ونحوها، ومثل التقوى والعبادة والصلاة نحوها.

ثانيا: أن القرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتيب حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة على أعمال العباد ترتب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع كما قال ابن القيم[147]. وذلك مثل (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)[148]، (بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)[149], (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[150]، (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا)[151]، (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً)[152]، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)[153]، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).[154]

فلو لا الإنسان هو فاعل الفعل والمسؤول عنه ما حاسب الله عليه ولا آخذه به وعاقبه عليه. من ظن أن الله تعالى يعذب عبده بما لا إرادة له فيه ولا قدرة له عليه ولا تأثير له في فعله، بل يعذبه على فعله هو سبحانه، فقد ظن بالله تبارك وتعالى ظن السوء، وجعل له مثل السوء.

ثالثا: أن الآيات القرآنية قد أثبتت للإنسان مشيئة وإرادة بها يختار ويرجح. كما أثبتت له قوة واستطاعة بها يفعل ويؤثر. ولكن هذه القوة وتلك المشيئة مستمدتان من قدرة الله وليستا مستقلتين عن الله أبدا.

قال الله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[155]، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً)[156]، (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)[157]، (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)[158]

وفي سورة أخرى ذكرت هذه الآية نفسها ثم أعقبها قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)[159]، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)[160]، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).[161]

فللإنسان بنص هذه الآيات مشيئة وإرادة، ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته، فهو يشاء أعماله ويريدها لأن الله هو الذي شاء له أن يكون حرا مريدا فمشيئته ليست من ذاته ولا بذاته، ولكنها من الله وبالله.

وكذلك للإنسان قوة وقدرة ولكنها ليست من ذاته ولا بذاته بل من الله وبالله. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً )[162].

ولهذا كان المجمع عليه بين المسلمين كافة أن “لا حول ولا قوة بالله” وقال القرآن: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)[163]، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ).[164]

فالإنسان كما تصوره نصوص القرآن والسنة مخلوق حر مريد، له قدرة إيجابية فاعلة. ولكن من الذي خلقه كذلك؟ من الذي وهبه العقل الذي يدبر، والإرادة التي ترجح، والقدرة التي تنفذ؟ ولو شاء ما منحه شيئا من ذلك، ولو شاء لسلبه ما أعطاه. إنه الله.

هذا هو التوازن الذي اتسمت به عقيدة الإسلام في شأن الإنسان كما اتسمت به شريعته وأخلاقه. فليس هو آلة تنفعل ولا تفعل، تتأثر ولا تؤثر، كما يتوهمه بعض الناس. وليس هو إلها يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد بإطلاق، كما ظن آخرون. لكنه مخلوق إيجابي فعال. كرمه الله وجعله في الأرض خليفة، واستعمره فيها، ومنحه من الطاقات والمواهب ما يستطيع به السيادة في الكون، والخلافة في الأرض، والعمارة لها، والانتفاع بما سخر الله له في السماوات وفي الأرض. لكن كل ذرة فيه إنما هي بخلق الله. وكل ما يقدر عليه إنما هو بإقدار الله، وكل ما يشاءه ويختاره إنما هو بتمكين الله، وكل ما يفعله إنما هو في دائرة سلطان الله، وفق سننه تعالى التي نصبها في الكون. ورتب عليها آثارها. وجعل من شأنها العموم والثبات. فلا تحابي ولا تتبدل. فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

المبحث الخامس: من ثمار هذا الإيمان

إن هذا الإيمان المتوازن يثمر في حياة المسلم كفرد ويشكل تصرفات الأمة كجماعة، وهذا الإيمان هو الذي حرك المسلمين الأوائل قبل أن تصاب عقيدة الأمة بأدواء الأمم. فأصبح لسلفنا الصالح تاريخهم المجيد وإنجازهم العظيم. فنذكر هنا ما تيسر من فوائد يجنيها المسلم ببركة هذا الإيمان:

1- القوة في مواطن البأس والخطر

أما القوة في مواطن البأس والخطر، وعند ملاقاة الأعداء في الحروب، فهو أمر معروف، حدثنا عنه التاريخ، وأنبأنا به الواقع.

فإيمان المسلم بأن ما قدر الله له أو عليه نافذ لا محالة، وأنه لن يموت قبل قبل أجله المحدود، وأن أحدا لا يستطيع أن يزيد في عمره، أو ينقص منه، كما قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)[165] (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)[166]

قال السيد جمال الدين في مقال بمجلة (العروة الوثقى):

“الاعتقاد بالقضاء والقدر – إذا تجرد عن شناعة الجبر – يتبعه الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة، يبعث على اقتحام المهالك التي توجب لها الأسود، وتنشق منها مرائر الأهوال، ويحليها بحلل الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج عن كل ما يعز عليها، بل يحملها على بذل الأرواح والتخلي عن نضرة الحياة…. كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة.

الذي يعتقد بأن الأجل محدود، والرزق مكفول، والأشياء بيد الله، يصرفها كيف يشاء، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمته أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك.

اندفع المسلمون في أول نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلطون عليها، فأدهشوا العقول، وحيروا الألباب، بما دوخوا الأمم، وقهروا الدول، وامتدت سلطته من جبال بيرينيه – الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا – إلى جدار الصين، مع قلة عدتهم وعددهم، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة وطبائع الأقطار المتنوعة، أرغموا الملوك، وأذلوا القياصرة والأكاسرة، في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، إن هذا ليعد من خوارق العادات وعظائم المعجزات.”[167]

2- الثبات في مواجهة الطغيان

ومن ثمار الإيمان بالقدر: أنه يهب صاحبه ثباتا ورسوخا في مقاومة الباطل ومواجهة الظلم والطغيان وإنكار المنكر، لا يهاب فرعونا متألها ولا طاغوتا متجبرا، شعاره قول الله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).[168]

كما روي في الحديث: “ولا يمنعنّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه، ويذكر بعظيم، فإن ذلك لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق.”[169]

ذلك أن الناس عادة يخافون على أمرين نفيسين عندهم وهما: العمر والرزق. والعمر محتوم والرزق مقسوم.

وكما لا يستطيع أحد أن ينتقص من عمرك ساعة لايستطيع أن ينتقص من رزقك لقمة.

ولذلك وقف المسلمون في وجه الطغاة والجبارين ولم يعبهوا بجبروتهم ولم يهنوا أمام قوتهم وطغيانهم.

هدد الحجاج[170] الأمام الفقيه سعيد بن جبير[171] بالقتل فقال له: لو علمت أن الموت والحياة بيدك ما عبدت إلها غيرك!

وقال لامرأة من الخوارج: لأحصدنكم حصدا! فقالت له: أنت تحصد والله يزرع، فانظر أين قدرة المخلوق من قدرة الخالق؟

إن المؤمن لا يخاف على عمره لأنه يعلم أنه أيام معدودة وأنفاس محدودة في صحف مكتوبة كما قال تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ).[172]

3- الصبر عند نزول المصائب

ومن ثمرات الإيمان بالقدر: الصبر عند نزول المصائب. فالمؤمن بالقدر لا يسيطر عليه الجزع والفزع، ولا يستبد به السخط والهلع. بل يستقبل مصائب الدهر بثبات كثبات الجبال، قد استقر في أعماقه قول الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)[173].

فإيمان المسلم بقدر الله تعالى يمنحه الثبات عند صدمة المصيبة، لأنه يعلم أنها مقدرة مكتوبة من قبل أن تخلق. ومن هنا لا يستخفّه الأسى والحزن على ما فات، والفرح بما هو آت. بل هو ثابت متوازن.

ولهذا مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن، فقال: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.”[174]

والمراد بالمؤمن هنا “المؤمن القوي” وهو خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وإن كان في كل مؤمن خير. والمؤمن القوي هو الذي إذا حل به ما يكره من شدائد الدنيا وكرباتها، قال في يقين وثقة: قدر الله وما شاء فعل. كما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عزّى عليٌ رجلا مات ابنه وكان شديد الحزن عليه. فقال له: يا أبا فلان إنك إن صبرت نفذت فيك المقادير ولك الأجر، وإن جزعت نفذت فيك المقادير وعليك الوزر.

فالمقادير نافذة في كلا الحالين، ولكن العاقل هو الذي يختار أن تنفذ المقادير فيه وهو مأجور ولا موزور، ليبشَّر مع الصابرين: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[175]

4- الرضا والقناعة بما قسم الله

ومن آثار الإيمان بالقدر، رضا المؤمن بما قسم الله، وقناعته بما رزق الله. وهذا يثمر ثمرات طيبة في نفس المؤمن وحياته.

أولها: غنى القلب، فمن الناس من لو أوتي واديا من ذهب لابتغى به ثانيا، ولو أوتي ثانيا لتمنى به ثالثا.

والغنى الحقيقي ليس إلا غنى النفس، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: “ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس.”[176]

وقال: “ارض بما قسم الله تكن أغنى الناس.”[177]

وثانيتها: الإجمال في الطلب. فهو يسعى إلى رزقه ويكدح في حياته ولكن بإجمال واعتدال. وليس كأولئك الذين يلهثون أثناء النهار والليل، مكدودي الأجسام، مشتَّتي القلوب، مهمومي النفوس، لايشعرون بهدوء بال، ولا براحة نفس، ولا بطمئنان فكر. فإن حصلوا على المزيد، ازدادوا لهثا وهما. وإن أخفقوا امتلئوا نكدا وغما.

وفي الحديث: “إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.”[178]

وثالثنها: ألا يتطلع إلى ما ليس في وسعه، وليس من شأنه، ويرضى بما وهب الله له، مما لا يستطيع تغييره، وفي حدود ما قدر له يجب أن يكون نشاطه وطموحه. فلا يعيش متمنيِّا ما لا يتيسر له، متطلعا إلى ما وهب لغيره ولم يوهب له. وذلك كتمني الشيخ أن يكون له قوة الشباب. وتطلع المرأة الدميمة إلى الحسناء في غيرة وحسد. ونظرة الشاب القصير إلى الرجل الطويل في حسرة وتلهف. وكما حدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حين تمنى النساء أن يكون لهن ما للرجال، فأنزل الله: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ).[179]

الرضا مصدر القوة لصاحبه

والرضا بما قسم الله، والقناعة بما رزق الله وإن قل، مصدر من مصادر القوة للمؤمن الراضي القانع. إنه ينظر إلى قصور الأمراء وخزائن الملوك ورياش المترفين كما ينظر راكب الطائرة المحلقة في أعالي الفضاء إلى القرى والمدن والناس. إنه يرى القصور الشاهقة كالعلب الصغيرة، ويرى البشر كالنمل في جحوره.

وهذا يقوي صاحب الرسالة في مواجهة الباطل، ويجعله كالطود الأشم، لا تؤثر فيه العواصف الهوج. إنه يتغنى بما يتغنى به الإمام الشافعي[180]:

 “أنا إن عشت لست أعدم قوتا    وإذا مت لسـت أعدم قبرا

همتي همة الـملوك ونفســي   نفس حر ترى المذلة كفـرا

وإذا ما قنعـت بالقوت عمري        فلمـاذا أزور زيـدا وعمرا”[181]

5-  العزة في طلب الحوائج

ومن ثمار الإيمان بالقدر: أن يطلب المؤمن حاجته عند من هي عنده بعزة نفس، لا يطأطئ رأسه، ولا يذل نفسه، ولا يحني ظهره لمخلوق، كما في الأثر: “اطلبوا الحوائج بعزة أنفس، فإن ما قُدر كائن.”

إن الله كتب العزة للمؤمن، فلا ينبغي أن يفرط فيها، قال عز وجل: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).[182]

فلا يحل لمؤمن أن يذل نفسه لمخلوق مثله من أجل حاجة له عنده.

فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه – عبد الله بن عباس[183] وكان غلاما – كلمات تزرع العزة في قلب المؤمن فقال: “احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتب الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتب الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.”[184]

6- السكينة وراحة النفس

ومن أعظم ثمار الإيمان بالقدر: شعور المؤمن به براحة النفس، وسكينة القلب، فقد علم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما كتبه الله له من عافية لا بد أن يدركه، وما قدر له من بلاء لن يفر منه. فلا تعبث به رياح الشك، ولا عواصف القلق، الذي أصبح آفة الحضارة الغربية المادية الحديثة، وأمسوا يقولون عنه: مرض العصر.

لقد نجا المؤمن بالقدر من هذا المرض، وعاش معافى النفس، مرتاح البال، فإن الله عز وجل بقسطه وحكمته جعل الفرج والرَّوح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك.

المؤمن لا يعيش بين “لو” و”ليت”

وإن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي، وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.

إن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل شهورا وأعواما يجتر آلامها، ويستذكر ذكرياتها القاتمة، متحسرا تارة، متمنيا أخرى. شعاره ليتني فعلت، ليتني تركت، لو أني فعلت كذا لكان كذا.

لذلك ينصح الأطباء النفسانيون والمرشدون الاجتماعيون ورجال التربية أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولى لايعود.

ما مضى فات، والمؤمل غيب         ولك الساعة التي أنت فيها

وقد صور هذا المعنى أحد الحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تصويرا بديعا لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة أصابعهم. فعاد يسألهم: كم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم أصبعه. وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة أصلا.

وكذلك الحال مع الماضي، فعندما ينتابكم القلق لأمور حدثت في الماضي فاعلموا أنكم تمارسون نشارة الخشب!!

ولقد نقل هذا التصوير (ديل كارنيجي) في كتابه الشهير “دع القلق وابدأ الحياة”، كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئا تماما، كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة. وكل ما يجديك إياه القلق هو: أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو يصيبك بقرحة في المعدة.[185]

7- الاتجاه إلى العمل والبناء

وبعد هذه الثمرات الطيبة التي يجتنيها المسلم في نفسه وحياته من خلال الإيمان بقدر الله تعالى، وبعد شعوره براحة النفس، وسكينة الفؤاد، وسلامته من التحسر على الماضي، والجزع من الحاضر، والقلق من المستقبل، لا يجد المؤمن سيبلا إلا الاتجاه إلى الإيجابية والبناء والعمل المثمر، في تزكية النفس، وعمارة الأرض، وإصلاح المجتمع، وهداية العالم.

وهذا شأن المؤمن القوي الذي همه امتثال المأمور، واجتناب المحظور، والرضا بالمقدور. وهو الذي جاء فيه الحديث الصحيح المعروف: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.”[186]

أمر المؤمن في هذا الحديث بالحرص على ما ينفعه، سواء في دينه أو في دنياه، والاستعانة بالله على ذلك، فهو الذي يهيئ له الأسباب، ويزيل من طريقه العوائق، كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، وقال الشاعر الصالح:

إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

ومن العجز المذموم هنا: إلقاء الأحمال على القدر والاحتجاج به في الإعفاء من المسؤولية، وقديما قيل: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير.

وقد روي أن بعض الصحابة، في زمن الفتوح الإسلامية، سأله أحد قواد الفرس: من أنتم؟ ما حقيقتكم؟ فقال له: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا وابتلانا بكم، فلو كنتم سحابة في السماء لصعدنا إليكم أو لهبطتم إلينا!

وقد ورد في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل.[187]

كره النبي صلى الله عليه وسلم من الرجل المغلوب أن يستسلم ويعجز، وله حيلة في المغالبة والمدافعة. فإذا أتاه ما لا طاقة له بدفعه، وما هو فوق قدرته، ولا حيلة له فيه، فهنا يكون التسليم، ويحسن أن يقول “حسبي الله ونعم الوكيل.”

اعتبر الرسول الكريم استسلام الرجل من العجز الذي يلوم الله عليه. وأمره بالكيس وهو العقل والفطنة وحسن التصرف.

كما أوصى هذا الحديث المؤمن القوي إذا أصابه شيء من شدائد الدنيا وابتلاءاتها –وما أكثرها- الا يسلم نفسه للتحسر والأسى على ما فاته، فيصبح ويمسي وهو يمضغ كلمات الأسى والأسف، ويقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، على سبيل التحسر والتمني. ويجترّ الذكريات الحزينة. بل أمره أن يرد الأمر هنا إلى قدر الله، ويسلم لأمره وقضائه قائلا: “قدر الله وما شاء فعل”، معتبرا أن الخير فيما اختاره له، ثم هو لا يقدر على غير ذلك، فما فات مات. والماضي لا يعود.

وقال أحد الحكماء: الأمور أمران، أمر لك فيه حيلة، فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة لك فيه، فلا تجزع منه.

فليكن إيجابيا، وليتجه إلى المستقبل، ليعمل ويبني وينتج، لا إلى (اللولوة) التي يقول فيها (لو أني فعلت، لو أني تركت)! فإن لو هذه (لو) المتمنية والمتحسرة تفتح عمل الشيطان. وعمله ليس وراءه إلا الضياع والخسران.


الفصل الثالث

عقيدة التوكل، اعتماد على مصدر القوة الحقيقية

 

المبحث الأول: حقيقة التوكل

ذكر القشيري[188] في رسالته عدة تعريفات ذكرها أرباب السلوك ونقلها ابن القيم في مدارجه وعلق عليها تعليقا حسنا يحسن بنا أن نورد أهمه هنا، قال:[189]

قال الإمام أحمد[190]: “التوكل عمل القلب، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات.”

ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: “هو علم القلب بكفاية الرب للعبد.”

ومنهم من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب فيقول: “التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار.”

قال سهل[191]: “التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد.”

ومنهم من يفسره بالرضا فيقول: “هو الرضا بالمقدور.”

وقال بشر الحافي[192]: “يقول أحدهم توكلت على الله، يكذب على الله، ولو توكل على الله رضي بما يفعل الله.”

وسئل يحيى بن معاذ[193]: “متى يكون الرجل متوكلا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا.”

ومنهم من يفسره بالثقة بالله، والطمأنينة إليه، والسكون إليه.

وقيل: “التوكل نفي الشكوك والتفويض إلى ملك الملوك.”

وقال ذو النون[194]: “خلع الأرباب وقطع الأسباب. يريد قطعها من تعلق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها.”

ومنهم من جعله مركبا من أمرين أو أمور.

فقال أبو سعيد الخراز[195]: “التوكل اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب. يريد حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكون إلى المسبِّب، وركون إليه، ولا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه.”

وقال أبو تراب النخشبي[196]: “هو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر وإن منع صبر.”

فيجعله مركبا من خمسة أمور: “القيام بحركات العبودية، وتعلق القلب بتدبير الرب، وسكونه إلى قضائه وقدره، وطمأنينته وكفايته له، وشكره إذا أعطي وصبره إذا منع.”

وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب. فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد.

قال سهل بن عبد الله: “من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.”

فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته. وهذا معنى قول أبي سعيد: “هو اضطراب بلا سكون، وسكون بلا ضطراب.” وقول سهل أبين وأرفع.

وقيل: “التوكل قطع العلائق بغير الله.”

وسئل سهل عن التوكل: فقال: “قلب عاش مع الله بلا علاقة.”

وقيل: “التوكل هو هجر العلائق، ومواصلة الحقائق.”

وقيل: “التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال. وهذا من موجباته وآثاره لا أنه حقيقته.”

وقيل: “هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبَّب، حتى يكون الحق هو المتولي لذلك. وهذا صحيح من وجه، باطل من وجه. قترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق إيصال العبد بها. وأما ترك الأسباب المباحة: فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح، وإلا فهو مذموم.”

وقيل: “هو إلقاء النفس في العبودية، وإخراج من العبودية. يريد استرسالها مع الأمر، وبراءتها من حولها وفوتها، وشهود ذلك بهابل بالرب وحده.”

منهم من قال: “التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه.”

ومنهم من قال: “هو التفويض إليه في كل حال.”

ومنهم من جعل التوكل بداية والتسليم واسطة و التفويض نهاية.

قال أبو علي الدقاق[197]: “التوكل ثلاث درجات: التوكل ثم التسليم ثم التفويض. فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه. فالتوكل بداية، والتسليم واسطة، والتفويض نهاية. فالتوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين.”

قال ابن القيم معلقا عليه: “هذا كله كلام الدقاق. ومعنى هذا التوكل: اعتماد على الوكيل، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه، وإرادة وشائبة منازعة. فإذا سلَّم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوض فوق هذا. فإنه طالب مريد ممن فوض إليه، ملتمس منه أن يتولى أموره، فهو رضا واختيار، وتسليم واعتماد. فالتوكل يندرج في التسليم. وهو والتسليم يندرجان في التفويض. والله سبحانه وتعالى أعلم.”[198]

وقال الغزالي[199] في الإحياء في بيان حيقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل:

“اعلم أن التوكل من باب الإيمان، وجميع أبواب الإيمان لا ينتظم إلا بعلم وحال وعمل، والتوكل كذلك ينتظم من علم هو الأصل، وعمل هو الثمرة، وحال هو المراد باسم التوكل.

فلنبدأ ببيان العلم الذي هو الأصل وهو المسمى إيمانا في أصل اللسان، إذ الإيمان هو التصديق، وكل تصديق بالقلب فهو علم، وإذا قوي سمي يقينا، ولكن أبواب اليقين كثيرة، ونحن إنما نحتاج منها إلى ما نبني عليه التوكل، وهو التوحيد الذي يترجمه وقولك: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له”، والإيمان بالقدرة التي يترجمه قولك: “له الملك”، والإيمان بالجود والحكمة الذي يترجمه قولك: “وله الحمد”، فمن قال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”، تم له الإيمان الذي هو أصل التوكل، أعني أن يصير معنى هذا القول وصفا لازمالقلبه غالبا عليه، فأما التوحيد فهو الأصل والقول فيه يطول.”[200]

وقال عن “الحال”: “فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه. وإنما العلم أصله والعمل ثمرته. وقد أكثر الخائضون في بيان حد التوكل، اختلفت عباراتهم، وتكلم كل واحد عن مقام نفسه، وأخبر عن حده، كما جرت عادة أهل التصوف به، ولا فائدة في النقل والإكثار، فلنكشف الغطاء عنه فنقول:

التوكل مشتق من الوكالة، يقال: وكل أمره إلى فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه. ويسمى الموكول إليه وكيلا. ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه، مهما اطمأنت إليه نفسه، ووثق به، ولم يتهمه فيه بتقصير، ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا،فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده.”[201]

فالتوكل  -مثل سائر أبواب الإيمان ومقامات الارتقاء الروحي- يشتمل على الجانب المعرفي الإدراكي والمعبر عنه بالعلم، والجانب الوجاني العاطفي (والمعبر عنه بالحال) والجانب الإرادي السلوكي الذي يعبر عنه بالعمل.

المبحث الثاني: مجالات التوكل

مجال التوكل واسع ومتعلقه شامل لكل ما يطلبه الخلق ويحرصون عليه من أمور الدنيا ومطالب الدين.

قال ابن القيم: “ومنزلة التوكل أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار.

فأهل السماوات والأرض في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم.

فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله، فارغا عن الناس.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه، من رزق أو عافية، أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك.”[202]

ومن طريف ما ذكره: “أن هناك من يتوكل على الله في حصول الإثم والفواحش، فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غلبا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه. بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات. ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك، معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم.”[203]

 

  • ·       التوكل في الرزق

ولكن كثيرا من الناس إذا ذكر التوكل لم يخطر في بالهم إلا الرزق، فهو يتوكل على الله في أمر الرزق الذي ضمنه لعباده. كما ضمنه لكل دابة في الأرض. (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).[204]

(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ).[205]

وإذا دعي إلى الإنفاق أنفق وهومطمئن إلى أن الله سيرزقه خيرا مما أنفق كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).[206]

وحين تحدث الإمام الغزالي في كتابه منهاج العابدين عن العوارض التي تعرض لسالك الطريق إلى الله، جعل في مقدمتها الرزق ووصف العلاج لها في التوكل.

ولا ريب أن أمر الرزق قد أهم الناس وشغلهم، كما شغلهم أمر الأجل، بيد أن المتوكلين على الله قد فرغوا من هذين الأمرين. فقد اطمأنوا إلى أن الرزق مقسوم والأجل معلوم، فلا يملك أحد أن ينقص من رزقهم مثقال حبة ولا يقدم أجلهم مقدار لحظة.

وهذا لا يعني أن يهمل السعي لرزقه بل يسعى ويكدح وهو مطمئن أن أحدا لا يأكل رزقه كما لا يأكل هو رزق غيره وأن ما أصاب من رزق لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

  • ·       التوكل في أمور الدنيا الأخرى

ورغم أهمية أمر الرزق لدى أكثر الناس فهو ليس كل ما يطلب الناس من أمر الدنيا. هناك من يطلب الزوجة، وهي من أهم ما يطلب من دنيا الناس وفي الحديث الصحيح: “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة.”[207]

وهناك من يطلب الذرية التي تكون له قرة عين وترثه من بعده وهو مطلب مشروع دعا به الأنبياء والصالحون.

قال إبراهيم: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ).[208]

وقال زكريا: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً).[209]

وهناك من يطلب العافية وهي أهم ما يطلب الأفراد لأنفسهم.

وفي الحديث: “سلوا الله العفو والعافية فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية.”[210]

وفي دعاء القنوت: “وعافني فيمن عافيت.”[211]

وهناك من يطلب الانتصار على عدو ظلمه، فهو يريد أن يشفي غلته بأخذ الله له. وهذا لا حرج فيه، فهو من طبائع البشر. وقد رخص الله للمظلوم أن يجهر بالسوء من القول في حق ظالمه رعاية لحاله: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً).[212]

وهذه كلها مطالب دنيوية مشروعة، ومن متعلقات التوكل على الله تعالى.

فالمؤمن يتوكل على ربه أن يرزقه الزوجة الصالحة والأولاد الصالحين، كما دعا بذلك عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)[213]، ويتوكل عليه حتى يمنحه العافية وينصره على ظالمه.

  • التوكل في أمر الدين

ولكن هناك ما هو أعظم من هذا. وهو من يتوكل على الله تعالى حتى يأخذ بيده، ويعينه على سلوك الصراط المستقيم، ويثبته عليه، ويجعله من الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[214] ويمنع عنه المشوشات وقواطع الطريق من النفس والشيطان والدنيا والناس. كما قال العبد الصالح:

إني بلـيت بأربـع يرمينـني     بالنبـل عن قـوس له توتـير

إبليس والدنيا والنفي والورى          يا رب أنت على الخلاص قدير

وهناك ما هو أعلى من هذه المرتبة في متعلقات التوكل، وهي مرتبة من يتوكل على الله تعالى في إعلاء كلمته ونصرة دعوته وتأييد شريعته وتبليغ رسالته وجهاد أعدائه والتمكين لدينه في الأرض حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويقوم العدل وينقشع الظلم ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبذلك لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

وهذا توكل الرسل والأنبياء، وهو الذي حكاه عنهم القرآن حيث تحداهم أقوامهم متعنتين فواجهوهم بقوة التوكل متثبتين (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).[215]

وهذا هو موقف ورثة الأنبياء من العلماء والدعاة في كل عصر، ولا سيما في عصرنا الذي احتشدت فيه القوى المعادية للإسلام من يهودية غادرة وصليبية ماكرة وشيوعية كافرة ووثنية فاجرة.

أمام هذه المحن الضارية والهجمات المتتالية والضربات الباغية ليس أمام الدعاة إلا التوكل على الله، يقفون على بابه ويلوذون بجنابه ويعتصمون بحبله (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).[216]

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).[217]

قال ابن القيم: “وأفضل التوكل توكل الأنبياء في إقامة دين الله ورفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم.

ثم الناس بعد في توكلهم على حسب هممهم ومقاصدهم فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف.”[218]

المبحث الثالث: التوكل ورعاية الأسباب

التوكل الذي أمر به القرآن والسنة لا ينافي رعاية الأسباب التي أقام الله عليها نظام هذا الكون وأجرى عليها سنته ومضت بها أقداره وحكم بها شرعه.

قال القرافي[219]: “التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلب من خير أو يدفعه من ضر أي سواء كان مع ملابسة الأسباب أو مع عدم ملابستها نعم قال المحققون والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول.

أما المنقول فإن الله تعالى قد أمر بملابسة أسباب بالاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)،[220] فأمر بالاستعداد وأمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار بقوله تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً)[221] أي تحرزوا منه مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).[222]

وقد كان رسول لله صلى الله عليه وسلم وهو سيد المتوكلين يطوف على القبائل ويقول: “من يعصمني حتى أبلغ كلام ربي”. وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[223] ودخل مكة مظاهرا بين درعين من الحديد في كتيبته الخضراء. وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر قوت سنته لعياله. وروى الترمذي[224] عن أنس بن مالك[225] رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اعقلها وتوكل.”[226] أي شد ركبة ناقتك مع ذراعها بحبل واعتمد على الله.”[227]

يقول أبو القاسم القشيري في رسالته:

” واعلم أن التوكل محله القلب والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى فإن تعسر شيء فبتقديره وإن اتفق فبتيسيره.”[228]

واستدل لذلك بالحديث المشهور عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل؟ أو أرسلها وأتوكل؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل.[229]

وهذا نص صريح حاسم في مراعاة الأسباب وأنها لا تنافي التوكل.

وقال صلى الله عليه وسلم: “لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا”[230] وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطانا إلا بعد أن غدت خماصا، والغدو حركة وانتشار.

وأحاديثه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس والصناعة والتجارة والاحتراف –ولو بالاحتطاب- كثيرة وشهيرة. وحسبنا منها قوله: “ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”[231]

وحديثه الآخر: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.”[232]

وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم يعد العدة ويهيء الأسباب في غزواته وسراياه ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بين لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه صلى الله عليه وسلم.

ومن روائع ما قرأناه في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب، استخدامه “أسلوب الإحصاء” منذ وقت مبكر من إقامة الدولة الإسلامية، أي بعد الهجرة إلى المدينة. وقد روى البخاري[233] ومسلم[234] عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “احصوا لي كم يلفظ بالإسلام”[235] حتى لفظ “الإحصاء” استعملها.

وفي رواية البخاري في صحيحه أنه قال: “اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس”. قال حذيفة: فكتبنا له ألفا وخمس مائة رجل.[236]

وليس هذه سنته صلى الله وسلم فقط بل هي سنة رسل الله وأنبيائه من قبله.

فهذا نوح عليه السلام يصنع الفلك كما أمره الله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)[237] لتكون أداة الإنقاذ له ولمن آمن معه إذا جاء الطوفان، وكان في قدرة الله أن يحجز الماء عنه وعمن معه، أو أن يحملهم فوق الماء بغير سفينة، ولكن الله أراد أن يعلم أن قدرته تعمل من خلال الأسباب التي أوجدها أيضا. قال تعالى: عن نوح (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ).[238]

وهذا يعقوب عليه السلام يقول ليوسف بعد أن ذكر له رؤياه: (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[239] ونراه بعد ذلك يخاف العين على بنيه عند توجههم إلى مصر، فيوصيهم قائلا: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[240]. وسواء أكان يخشى عليهم العين – كما قيل – أو يخشى أمرا آخر يتعلق بالسياسة، فقد أعطى الأسباب حقها وترك النتائج لله تعالى، ولحكمه الكوني في الخلق وهنا يكون التوكل حقا: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).

وهذا يوسف الصديق عليه السلام يضع لإنقاذ مصر من القحط والمجاعة خطة خمس عشرية، وقام هو على تنفيذها، وأساسها زيادة الإنتاج في سنوات الخصوبة السبع، مع تقليل الاستهلاك، وخزن القمح في سنبله (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ)[241] ثم الاستهلاك بقدر وحساب من المخزون خلال سنوات الجدب بحيث يكفي السبع الشداد كلها كما أشار إلى ذلك القرآن: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ).[242] وفي قوله تعالى (مَا قَدَّمْتُمْ ) يفيد أن الاستهلاك مقدر ومحسوب، مثل التوزيع بالبطاقات ونحو ذلك، وفي قوله: (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) إشارة إلى استبقاء بعض الحبوب لتسخدم بذورا عندما يجيء الغيث ويبعث لله الماء وإلا لم يكن للماء فائدةإذا انعدمت البذور.

وقد قام يوسف بهذه المهمة ونجى الله على يديه مصر وما حولها من البلاد ببركة هذا التخطيط المحسوب، ولا يضير ذلك إن كان أساسه رؤيا صادقة، فالمهم أن الرؤيا أفادت علما بمشكلة وأزمة فطلبت حلا. وكان خطة يوسف هي الحل ولم يكن في ذلك ما ينافي التوكل على الله. كيف وقد قام عليه نبي مرسل وسجله الله في أعظم كتبه.

وهذا موسى عليه السلام حين سار بأهله من مدين، راجعا إلى مصر آنس من جانب الطور نارا فقال لأهله: (امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)[243] وسعى إلى موضع النار ولم يجلس حتى يأتيه الخبر أو الجذوة اتكالا على الله تبارك وتعالى.

ونجده عليه السلام حين سار ومعه فتاه ليلقى العبد الصالح عند مجمع البحرين يصحب معه زاده وغداءه ويقول لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)[244]. وحين أمره الله بالخروج من مصر قال له: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)[245] وذلك ليكون الليل ستارا له من فرعون وملئه.

ويحدثنا القرآن عن داود عليه السلام فيقول: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)[246] (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ)[247] فعمله في صناعة الدروع السابغات التي تحصن لابسيها وتحفظهم من بأس العدو وضرباته ولم ير القرآن عمل داود هذا مناقضا للتوكل على الله.

وقد أمر الله تعالى الصديقة البتول مريم عليها السلام أن تهز بجذع النخلة ليتساقط عليها الرطب رعاية للأخذ بالأسباب ظاهرا وإن كان الأمر كله آية وكرامة لمريم عليها السلام، قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً).[248]

والقرآن يأمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)،[249]

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).[250]

جاء عن ابن عباس أن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا …)[251] الآية.

استدلالات مردودة

فقد استدلوا هنا بموقف الخليل إبراهيم حين ألقي في النار فسأله جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.[252] فاعتبروا هذا إعراضا عن الأسباب. والحق أن هذه القصة لم يصح بها سند ولو صحت فالواضح أن الأسباب هنا قد انقطعت، ولم يبق إلا الله وحده، وتوسيط جبريل هنا لا ضرورة له، فعلم الله تعالى بحال الخليل عليه السلام يغني عن توسيط جبريل. وكفى الخليل عليه السلام أنه لم يفتأ  منذ ألقي في النار يقول: حسبي الله ونعم الوكيل. وهذا ما جاء في الصحيح عن ابن عباس.[253]

واستدلوا بموقف آخر للخليل عليه السلام حين ترك هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع وترك عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء فلما تبعته هاجر وقالت له: إلى من تدعنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيت بالله .[254] وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه كما قال الحافظ ابن رجب.[255]

وفي رواية لهذه القصة في البخاري: أن إبراهيم حين ترك أم إسماعيل وابنها وقفى منطلقا تبعته فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت : آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لن يضيعنا، ثم رجعت.[256]

وما كان بأمر الله ووحيه يجب أن يطاع تعبدا، ولو لم يعرف وجهه ومعناه. كأفعال الخضر عليه السلام، ولكن لا يقاس عليها، فلو أن رجلا وضع امرأته وطفلها الرضيع في برية وتركهما كان مسيئا.

متى تذم الأسباب؟

إنما تذم الأسباب إذا تعلق القلب بها وحدها، وجعل كل اعتماده عليها ونسي مسببها وخالقها وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها. فربما أهمل سببا بعيدا أو خفيا، أو أغفل شرطا لازما، أو كان هناك مانع قوي يعوق سببه ويبطل تأثيره. فإنه إذا بذر الحبة في الأرض الخصبة وتعهدها بالري والتسميد ونحو ذلك، لا يملك تعهد البذرة في أعماق التربة، ولا يملك تصريف الرياح ودرجات الحرارة والبرودة التي تؤثر فيها ولا الآفات السماوية التي يمكن أن تحيق بها، فلا يملك المؤمن هنا إلا أن يقول بعد سببه واجتهاده: نبذر الحب ونرجو الثمر من الرب.

وقد ذكر القرآن نموذجا من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها فإذا هي لا تحقق نتائجها وذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).[257]

لقد خذلوا وهم كثرة حيث غرهم الكم وأذهلهم عن التوكل، على حين انتصروا وهم قلة، إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا.

 

ما تعجز عنه الأسباب تكمله القدرة الإلهية

وثمرة التوكل هنا أن المتوكل على الله حين يقدم من الأسباب التي أمر بها ما يقدر عليه ويدخل في وسعه تكمل القدرة الإلهية العليا ما يعجز عنه ولا يدخل في وسعه.

انظر إلى موسى عليه السلام وقد أوحى الله إليه (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)[258] فخرج بقومه في جنح الليل فارين من فرعون وملئه متجهين ناحية البحر. والظاهر إنه خليج السويس. وشعر فرعون وجنوده بخروجهم فاتبعوهم مشرقين، يريدون أن يفتكوا بهم. فهم يملكون العدد والعُدَد مع الغيظ والغضب (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)،[259] (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ , قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).[260]

لقد نظر أصحاب موسى إلى الأسباب وحدها، فقالوا: (إنا لمدركون) سيدركنا فرعون وجنوده وينكلون بنا ولا طاقة لنا بهم ولا نجاة لنا منهم فالبحر أمامناوهم من خلفنا.

ولكن كليم الله موسى لم يقف عند ظوهر الأسباب، بل رنا ببصيرته إلى ما هو أعلى منها إلى خالق الأسباب وواضع السنن. وقد هداه لله إلى المخرج من المأزق بأمر لم يكن في حسبانه ولا في حسبان أحد (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً).[261]

هذه هي ثمرة التوكل إذا انقطعت الأسباب.

وانظر إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة كيف أخذ بكل الأسباب الممكنة للبشر، خطط فأحكم التخطيط، رتب فأحسن الترتيب، وأعد لكل أمر عدته المناسبة، ومع ذا كله، استطاع قومه أن يصلوا إلى الغار وأن يتوقفوا عنده وهو ما جعل أبا بكر رضي الله عنه يقول مشفقا على مصير الدعوة، إن مس رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيرد النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ أو كما قال تعالى: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[262].

المبحث الرابع: من ثمار التوكل[263]

التوكل على الله تبارك وتعالى شجرة طيبة لا تؤتي إلا ثمارا طيبة في النفس وفي الحياة، حياة الفرد وحياة الجماعة من خلاله.

1- السكينة والطمأنينة

أولى هذه  الثمار سكينة النفس وطمأنية القلب، التي يشعر بها المتوكل على ربه ويحس بها تملأ أقطار نفسه فلا يشعر إلا بالأمن إذا خاف الناس والسكون إذا اضطرب الناس واليقين إذا شك الناس والثبات إذا قلق الناس والأمل إذا يئس الناس والرضا إذا سخط الناس.

إنه أشبه بجندي أوى إلى حصن حصين فيه فراشه وطعامه وذخائره وسلاحه، يرى منهم ولا يُرى، يرمي ولا يُرمى، فلا يهمه ما يدور في الخارج من صخب الألسنة أو اشتجار الأسنة.

إنها الحالة التي وجدها موسى عليه السلام حين قال له أصحابه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)[264] قال: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)[265].

إنها التي وجدها النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين أشفق عليه أبو بكر فقال له: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[266].

إنها الحالة التي وجدها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في لنار فلم يشتغل بسؤال مخلوق من إنس أو ملك! ولم يشتغل إلا بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[267].[268]

إنها الحالة التي وجدتها هاجر حين وضعها إبراهيم مع ابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع في مكة عند مكان البيت المحرم ولا أنيس ولا جليس. ثم ودعها قافلا فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: هو إذن لن يضيعنا!

2- القوة

ومن هذه الثمار: القوة التي يحس بها المتوكل على الله. وهي قوة نفسية روحية، تصغر أمامها القوة المادية، قوة السلاح، وقوة المال، وقوة الرجال.

نجد ذلك في شيخ الأنبياء نوح، وقد كذبه قومه واتهموه بالجنون وأصروا واستكبروا استكبارا واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا. فواجههم بقوله (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).[269]

ونلمس هذه القوة من موقف نبي الله هود عليه السلام أمام قومه عاد الذين أنكر عليهم شركهم وفسادهم وتجبرهم، وهم الذين بنوا بكل ريع آية يعبثون. واتخذوا قصورا ومصانع لعلهم يخلدون، وإذا بطشوا بطشوا جبارين، وهم الذين استكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا: من أشدمنا قوة؟

لقد جابههم هود عليه السلام ودعا هم إلى التوحيد والاستقامة وتقوى الله فـ (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)[270]. ولم يبال بهذا الهراء ووقف يقول في يقين القوي وقوة الموقن (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ).[271]

فهو يقف موقف التحدي للمشركين وآلهتهم المزعومة معتمدا على ربه ورب كل شيء. فهم جميعا في جانب وهو وحده في جانب معهم القوة والعدد وليس معه من الخلق أحد. بيد أن معه القوة التي لا تقهر، قوة الله الغالب، الآخذ بناصية كل دابة، الحكيم في في صنعه وتدبيره، فلا يفعل شيئا عبثا ولا يدع شيئا اعتباطا (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).[272]

ونشاهد هذه القوة في موقف سيدنا شعيب حين (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).[273]

ونبصر هذه القوة في موقف المؤمنين من أصحاب طالوت وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا (عدة أهل بدر) وقد لقوا عدوا أكثر عددا وعدة، وهو جالوت وجيشه الكثيف، حتى قال من قال من رجال طالوت (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ).[274] وهنا تجلى توكل الفئة المؤمنة وقوتها النفسية (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .  وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ).[275]

وندرك هذه القوة في موقف صحابة رسول الله صلى لله عليه وسلم ورضي الله عنهم. يوم الأحزاب وقد تجمعت جيوش المشركين وحاصرت المدينة، فلم يفت ذلك في عضد المسلمين، بل كانوا كما وصفهم الله (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)،[276] ثم ذكر لنا نموذجا منهم فقال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).[277]

3- العزة

ومن ثمار التوكل: العزة التي يحس بها المتوكل فترفعه مكانا عليا، وتمنحه ملكا كبيرا، وهي قبس من عزة المتوكل عليه، كما قال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)،[278] (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[279]

فالمتوكل هنا عزيز بغير عشيرة غني بغير مال ملك بغير جنود ولا أتباع.

إن العزة لا تطلب عند أبواب السلاطين، بل هي لا تطلب إلا من باب واحد ذكره القرآن (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً).[280]

وبين أن طلب العزة من عند غيره إنما هو شأن المنافقين المدخولين في إيمانهم (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً . الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً).[281]

وروى ابن عطاء الله السكندري[282] عن شيخه أبي العباس المرسي أنه سمعه يقول: ” والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق”.

قال: وكان يقول رحمه لله: “للناس أسباب، وسببنا نحن الإيمان والتقوى قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)[283]. يعني ليس من الإيمان والتقوى مد اليد والأعين إلى ما عند الخلق.

قال ابن عطاء الله: “اعلم أن رفع الهمة عن الخلق شأن أهل الطريق وصفة أهل التحقيق.”

ويقول ابن عطاء الله: “ورفع الهمة إنما ينشأ عن صدق الثقة بالله.”

وصدق الثقة إنما ينشأ عن الإيمان بالله على سبيل المعاينة والمواجهة فيوجب لهم إيمانهم الاعتزاز بالله قال الله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).[284]

والنصر من عند الله، قال سبحانه (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).[285]

والنجاة من العوارض الصادة عن الله قال سبحانه (كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ).[286]

ومن أقوال ابن عطاء الله: “قبيح منك أن تكون في دار ضيافته وتوجه وحه طمعك لغيره.”

“لا تتطلب ممن هو عنك بعيد، وتترك من مولى هو أقرب إليك من حبل الوريد.”[287]

 

4- الرضا

ومن ثمار التوكل على الله: الرضا الذي ينشرح به الصدر وينفسح له القلب. قال بعضهم: “متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا.”

وبعضهم جعل الرضا جزءا من ماهية التوكل أو درجة من درجاته.

قال بعضهم التوكل هو الرضا بالمقدور.

وقد ذكرنا قول بشر الحافي: يقول أحدهم توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله رضي بما يفعل الله.

وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلا؟ قال: إذا رضي بالله وكيلا.

والراجح ما ذهب إليه ابن القيم: أن الرضا ثمرة التوكل. من فسر التوكل به فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.[288]

قال: وكان شيخنا (ابن تيمية) رضي الله عنه يقول: “المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.”[289]

ومن لوازم الرضا وتوابعه: الفرح والروح، وهو ما روي في حديث ابن مسعود مرفوعا: “إن الله عز وجل بقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك.”[290]

 

5- الأمل

ومن ثمار التوكل: الأمل في الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه وانقشاع الغمة وانفراج الكربة وانتصار الحق على الباطل والهدى على الضلال والعدل على الظلم.

فالمتوكل على الله لا يعرف القنوط إلى قلبه سبيلا ولا يغلبه اليأس. فقد علمه القرآن أن القنوط من لوازم الضلال اليأس من توابع الكفر.

قال تعالى على لسان إبراهيم (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).[291]

وقال على لسان يعقوب (يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).[292]

وقد وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس أملا في الغد، ورجاء في النصر، حتى في يوم الهجرة وهو راحل من بلده مطاردا من قومه يقول لسراقة بن مالك[293] الذي يطارده رغبة في جائزة قريش: “كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى؟” فيقول الرجل: “كسرى بن هرمز؟” فيقول: نعم كسرى بن هرمز.[294]

وقال لخباب[295] وقد جاءه يشكو من شدة ما يلقى من العذاب، ويسأل أن يدعو الله على المشركين فيدمر عليهم، ويريح المؤمنين من شرهم وأذاهم، فينتفض النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويبين ما حدث لمن قبلنا من المحن، ثم يقول مبشرا: “والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.”[296]


الفصل الرابع

ذم طول الأمل، مسارعة إلى الخير وعدم التواني

 

لقد كان من حرص نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم أن يربي أمته تربية دقيقة حتى وصل بهم إلى أن يضبطوا آمالهم ويحددوا تطلعاتهم. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.” وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.[297]

المبحث الأول: الأمل في ميزان الشرع

هكذا كانت النفسية تصاغ والرؤية تكوَّن. وما ذلك إلا لأن يندفع المسلم نحو تحقيق الهدف دون تواني وبدون تثاقل. ومن هذا الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوصية: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.”[298] . وفي رواية لمسلم “يبيت ثلاث ليال” قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي.[299]

والرسول صلى الله عليه وسلم حث الأمة على العمل بالحزم خاصة وأن طبيعة الحياة الدنيوية متقلبة، فيبادرون الأحداث ويستغلون الفرص.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر.”[300]

وقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم تصويرا رائعا يبين فيه حال من يطيل أمله في الدنيا. فعن أنس  رضي الله عنه قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط، فقال: “هذا الإنسان وهذا أجله محيطا به أو قد أحاط به،  وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا.”[301]

لذا على المسلم أن يضع نصب عينيه ذلك المصير الذي لا بد أن يلقاه وهو الموت، حتى يستعد له ويعمل جاهدا من أجله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هاذم اللذات، يعني الموت.[302]

ومن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تعميق هذه العقيدة أن صاح في أصحابه كل ليلة بهذا الأمر. عن أبي بن كعب[303] رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله!!!  جاءت الراجفة تتبعها الرادفة!!! جاء الموت بما فيه!!![304]

فجزاه الله عنا خير ما جازى نبيا عن أمته. ما من خير إلا قد دلنا عليه بأنصع بيان، وما من شر إلا وقد حذرنا منه أيما تحذير.

إن طول الأمل داء خطير، يقتل المبادرة، ويجهض النشاط. لذا اشتد نذير الوعاظ عليه.

قال ابن الجوزي[305] رحمه الله: كم خطر على قلب يهودي أو نصراني حب الإسلام، فلا يزال إبليس يثبطه ويقول: لا تعجل وتمهل في النظر، ويُسوِّفه حتى يموت على كفره. وكذلك يسوف العاصي بالتوبة فيجعل له غرضه من الشهوات ويمنيه الإنابة، كما قال الشاعر:

لا تعجل الذنب لما تشتهي           وتأمل التوبة من قابل

وكم من عازم على التوبة سوفه! وكم ساع إلى فضيلة ثبطه! فلربما عزم الفقيه على إعادة درس فقال: استرح ساعة. أو انتبه العابد في الليل يصلي فقال: عليك وقت.

ولا يزال يحبب الكسل ويسوف العمل ويسند الأمر إلى طول الأمل. فينبغي على الحازم أن يعمل على الحزم.

والحزم تدارك الوقت وترك التسويف، والإعراض عن الأمل. فإن المخوف لا يؤمن والسبب لا يبعث.

وسبب كل تقصير في خير أو ميل إلى شر: طول الأمل.

فإن الإنسان لا يزال يحدث نفسه بالنزوع عن الشر والإقبال على الخير إلا أن يعد نفسه بذلك. ولا ريب أنه من أمل أن يمسي بالنهار سار سيرا فاترا، ومن أمل أن يصبح عمل في الليل عملا ضعيفا. ومن صور موتا عاجلا جدّ. وقد قال صلى الله عليه وسلم: “صل صلاة مودع.”[306]

وقال بعض السلف: أنذركم “سوف”، فإنها أكبر جنود إبليس.

ومثل العامل على الحزم و الساكن لطول الأمل كمثل قوم في سفر، فيدخل قرية، فمضى الحازم فاشترى ما يصلح لتمام سفره، وجعل متأهبا للرحيل. وقال المفرط: سأتأهب، فربما أقمنا شهرا. فضرب بوق الرحيل في الحال. فاغتبط المحترز، واعتبط الآسف المفرط.”[307]

وقال رحمه الله: “فهذا مثل الناس في الدنيا: منهم المستعد المستيقظ، فإذا جاء ملك الموت لم يندم، ومنهم المغرور والمسوف، يتجرع مرير الندم وقت الرحلة.

فإذا كان في الطبع حب التواني وطول الأمل ثم جاء إبليس يحث على العمل بمقتضى ما في الطبع صعبت المجاهدة. إلا أنه من انتبه لنفسه علم أنه في صف حرب، وأن عدوه لا يفتر عنه. فإن فتر في الظاهر بطّن له مكيدة، وأقام له كمينا.”[308]

وقال الإمام أبو حامد الغزالي: “اعلم أن من له أخوان، وينتظر قدوم أحدهما في غد، وينتظر قدوم الآخر بعد شهر أو سنة، فلا يستعد للذي يقدم إلى شهر أو سنة، إنما يستعد للذي ينتظر قدومه غدا. فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار. فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل بالمدة، ونسي ما وراء المدة. ثم يصبح كل يوم وهو منتظر للسنة بكاملها، لا ينقص منها اليوم الذي مضى. وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا. فإنه أبدا يرى لنفسه متسعا في تلك السنة، فيؤخر العمل”.[309]

وقال ابن الجوزي في صيد الخاطر: “يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدا، ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:

يعمر واحد فيغرّ قوما       وينسى من يموت من الشباب

ومن الاغترار طول الأمل. وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلا. وإنما يقدم والمعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل، وتبادر الشهوات وتنسى الإنابة لطول الأمل”.[310]

 

المبحث الثاني: قصر الأمل والتخطيط للمستقبل

ولكن هل يعني ذلك أننا لا نفكر إلا في الحاضر القريب؟ وبالتالي لا يكون لنا أي اهتمام بالمستقبل ولا نخطِّط للأعمال بعيدة المدى؟ ولا يكون لنا أهداف استراتيجية بعيدة في هذه الحياة؟

ليس بالصحيح أبدا أن يفهم الأمر هكذا. ليس معنى ذم طول الأمل أن يكون المسلم لا يفكر بعيدا في الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى، وليس من الحكمة أن يكون حياة المسلم كلها مبنية على الارتجال. إن المسلم حتى ولو عرف أن القيامة ستقوم قريبا مأمور أن يعمل، حتى ولو تحقق أن الحياة الدنيا منتهية.

قال صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.” [311]

فأهداف المسلم تتجاوز الحياة الدنيوية، وتفكير المسلم لا يقف عند حدود حياته الفردية. هو عمل دؤوب من أجل إرضاء الله. سيعمل المسلم حتى ولو علم أن نفعه الدنيوي لن يأكله في الدنيا.

ومن يتأمل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف كيف كان حياته وجهاده ودعوته مبنية على التخطيط المحكم. وسنفرد الكلام عن هذا في الباب القادم إن شاء الله.


[1]  سورة البقرة: 138

[2] سورة الأنفال: 2- 4

[3] في ظلال لقرآن، سيد قطب، ج3 ص1478، دار الشروق ط سنة 1408هـ – 1988م

[4] أخرجه البخاري (6/2445 رقم 6257)

[5]  أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة صحابي جليل توفي سنة 32 من الهجرة (شذرات الذهب 1/39)

[6] أخرجه البخاري (1/20 رقم 30، 2/899 رقم 2407، 5/2248 رقم 5703) ومسلم (3/1282 رقم 1661)

[7]  ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن خطيب الانصار كان من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم واستشهد في معركة اليمامة (سير أعلام النبلاء 1/308-313)

[8]  سورة الحجرات: 2

[9] صحيح مسلم (1/110 رقم 119) ذكره الطبري في تفسيره للآية (26/199) .

[10] سورة الحجرات: 15

[11] أخرجه البيهقي في الشعب (1/80 رقم 66) موقوفا على الحسن البصري.

[12] سورة البقرة: 111

[13] سورة البقرة:  112

[14] سورة النساء: 124

[15] سورة البقرة:8

[16] سورة البقرة: 9

[17] سورة البقرة: 10

[18] سورة البقرة: 11

[19] سورة الحجرات: 14

[20]  سورة الروم:47

[21]  سورة النساء:141

[22]  الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج  الأنصاري الخزرجي  القرطبي صاحب كتاب التذكرة بأمور الآخرة والتفسير الجامع لأحكام القرآن الحاكي مذاهب السلف كلها وما أكثر فوائده وكان إماما علما من الغواصين على معاني الحديث حسن التصنيف جيد النقل توفي بمينة بني خصيب من صعيد مصر رحمه الله تعالى سنة 668هـ (شذرات الذهب 3/335، كشف الظنون 1/383)

[23]  أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص الزهري، أحد العشرة، ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، مجاب الدعوة، وفداه النبي صلى الله عليه وسلم بأبويه، وما دعا قط ألا استجيب له، ومناقبه جمة توفي سنة 55هـ (شذرات الذهب 1/61)

[24] بل الحديث أخرجه البخاري في كتاب الإيمان رقم 27 ومسلم في كتاب الإيمان رقم 150

[25] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، ج2 ص134، دار الشعب ط سنة 1372هـ

[26]  السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، د. عبد الكريم زيدان، ص 55، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1993م

[27] الذاريات: 56

[28] الأنعام: 162

[29]  هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد  بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الحنبلي بل المجتهد المطلق ولد بحران يوم الإثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، أثنى عليه العلماء منهم ابن الزملكاني حيث قال:

مـاذا يقـول الواصـفون لـه      وصفاته جلت عن الحصر

هــو حجـة لـله بـاهـرة           هو بيننـا أعجوبة الدهـر

هـو آيـة لـلخلق ظـاهـرة         أنوارها أربت على الفجـر

وكانت وفاته في سحر ليلة الإثنين عشرى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (شذرات الذهب 3/80-85)

[30] العبودية ص38، لشيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي.

[31] سورة البقرة: 286

[32] سورة الطلاق: 7

[33]  هو الإمام العلامة الحبر الفهامة إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي أبو إسحاق الشاطبي أصولي حافظ من أهل غرناطة كان من أئمة المالكية صاحب المؤلفات النافعة منها الموافقات في أصول الشريعة، والاعتصام والإفادات والإنشاءات في الأدب والتاريخ توفي في شعبان سنة 790 هـ-1389م (الأعلام ا/75)

[34] الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي، (2/82)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ-1999م

[35] سورة الأعراف: 157

[36] سورة الحج: 78

[37] سورة النساء: 28

[38] سورة المائدة: 6

[39] سورة الذاريات: 57

[40] سورة طه: 123

[41] سورة النحل: 97

[42] سورة الأنعام: 155

[43] سورة الأنبياء: 107

[44] سورة البقرة: 183

[45] سورة النساء: 26-27

[46] سورة المائدة:  6

[47] سورة البقرة: 179

[48]  سورة البقرة: 165

[49][49]  سورة الحجرات: 7

[50] أخرجه أحمد (5/243 رقم 22162) والترمذي (5/368 رقم 3235).

[51] سورة البقرة: 286

[52] سورة القصص: 84

[53] سورة الأنعام: 160

[54] سورة البقرة: 261

[55] سورة الزمر: 10

[56] سورة نوح: 10 – 12

[57] سورة هود: 3

[58] سورة هود: 52

[59] أخرجه أبو داود واللفظ له (2/85 رقم 1518) وابن ماجه (2/1254 رقم 3819) والبيهقي (3/351 رقم 6214) والطبراني في الكبير (10/281 رقم 10665)

[60] سورة الطلاق: 2-3

[61] سورة الطلاق: 4

[62] سورة الأعراف: 96

[63] سورة الأنفال: 29

[64] سورة العنكبوت: 69

[65] سورة النور: 55

[66] سورة الشورى: 30

[67] سورة الروم: 41

[68] سورة آل عمران: 165

[69] سورة آل عمران: 155

[70] سورة النساء: 123

[71] هو عبد الله وقيل عتيق بن أبي قحافة واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أول الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين بالجنة توفي سنة 13هـ بالمدينة (شذرات الذهب 1/24)

[72]  اللأواء: الشدة وضيق المعيشة (النهاية 2/578)

[73] أخرجه أحمد (1/11 رقم 68) وابن حبان (7/170 رقم 2910) والبيهقي (3/373 رقم 63 28) والحاكم (3/78 رقم 4450) وصححه

[74]  السنة: الجدب (النهاية 1/816)

[75] أخرجه مسلم (4/2216 رقم 2890)

[76]  هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الإمام العلم الحافظ أبو جعفر  الطبري، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف الطوال، قال الخطيب: كان أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرا بأيام الناس وأخباهم، له تاريخ الإسلام والتفسير الذي لم يصنف مثله، توفي عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة (طبقات الحفاظ 1/310-311)

[77] سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها، روى عن النبي الكثير، قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين، وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكري: مات سنة خمس وستين (الإصابة 3/79)

[78] سورة القصص: 43

[79]  جامع البيان (20 /80) الطبري، دار الفكر بيروت سنة 1405هـ

[80] أخرجه الطبراني في الأوسط (4/149 رقم 3840)

[81]  هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوى، ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي فيما جزم به الزبير بن بكار، كان له يوم بدر ثلاث عشرة وبدر كانت في السنة الثانية، وأسلم مع أبيه، وعرض على النبي ببدر فاستصغره، ثم بأحد فكذلك، ثم بالخندق فأجازه وهو يومئذ بن خمس عشرة سنه، كما ثبت في الصحيح، وهو من المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري في التاريخ: حدثني الأويسي حدثني مالك أن بن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة، وقال غير مالك عاش أربعا وثمانين والأول أثبت وقال ضمرة بن ربيعة في تاريخه مات سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين وجزم مرة بثلاث وكذا أبو نعيم ويحيى بن بكير والجمهور وزاد بعضهم في ذي الحجة وقال الفلاس مرة سنة أربع (الإصابة 4/181 رقم 4837)

[82] أخرجه أحمد (2/84 رقم 5562) وأبو داود (3/274 رقم 3462) والبيهقي (5/316 رقم 10484)

[83]  زويت لي الأرض أي جمعت (النهاية 1/737)

[84]  أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم وبيضة الدار وسطها ومعظمها، أراد عدوا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم (النهاية 1/173)

[85] أخرجه مسلم (4/2215 رقم 2889)

[86] سورة الروم: 41

[87]  عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الإمام القدوة أبو الوليد الأنصاري أحد النقباء ليلة العقبة ومن أعيان البدريين سكن بيت المقدس، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وقال يحيى بن بكير وجماعة مات سنة أربع وثلاثين وقال ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة قال قبر عبادة ببيت المقدس وقال الهيثم بن عدي مات سنة خمس وأربعين رضي الله عنه (سير أعلام النبلاء 2/5-11)

[88] أخرجه البخاري (4/1857 رقم 4612)

[89] سورة آل عمران: 185

[90] سورة الكهف: 49

[91] سورة الأعراف: 8 -9

[92] سورة العصر: 1- 3

[93] سورة الشعراء: 88 – 89

[94]  الرحضاء هو عرق يغسل الجلد لكثرته وكثيرا ما يستعمل في عرق الحمى والمرض (النهاية 1/644)

[95]  الربيع النهر الصغير ( النهاية 1/628)

[96]  أي يقرب من القتل (النهاية 2/616)

[97]  الخضر بكسر الضاد نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها، وثلط البعير يثلط إذا ألقى رجيعه سهلا رقيقا. ضرب في هذا الحديث مثلين: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا، والمنع في حقها، والآخر للمقتصد في أخذها والنفع بها. فقوله “إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أويلم”، فإنه مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وأما قوله: “إلا آكلة الخضر”، فإنه مثل للمقتصد، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها الذي ينبتها الربيع، بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب الجنَبة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمرئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، لا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو بنجوة من وبالها، كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال:” حتى إذا امتدت خاصرتاه، استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت”، أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس تستمرئ بذلك ما أكلت، وتجتر وتثلط، فإذا ثلطت، فقد زال عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها، فيعرض لها المرض فتهلك، وأراد بزهرة الدنيا: حسنها وبهجتها، وببركات الأرض: نماؤها وما يخرج من نباتها (النهاية 1/498-499)

[98] أخرجه البخاري (3/532 رقم 1396) ومسلم (2/728 رقم 1052).

[99] سورة المؤمنون: 57 – 60

[100]  أي ضرب يديه فيه بالعطاء. النفح: الضرب والرمي (النهاية 2/771)

[101] أخرجه البخاري (5/2366 رقم 6078) ومسلم (2/688 رقم 94)

[102] أخرجه الترمذي (4/644 رقم 2470) والحاكم (4/151 رقم 7193) والبيهقي في الشعب (3/214 رقم 3356) واللفظ له وفي رواية الترمذي وغيره أن هذه المرأة كانت عائشة رضي الله عنها. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

[103] سورة طه: 131

[104] أخرجه البخاري (2/510 رقم 4737، 6/2612 رقم 2722، 6/2668 رقم 6886) ومسلم (1/559 رقم 816) وفي رواية للبخاري (4/1919 رقم 4738) بلفظ: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل.”

[105] سورة القصص: 79

[106] سورة القصص: 80

[107] أخرجه أحمد (4/231) الترمذي (4/562 رقم 2325) واللفظ له وقال هذا حديث حسن صحيح.

[108] أخرجه أحمد (4/197) وابن حبان (8/6 رقم 2310) والبخاري في الأدب المفرد (1/112 رقم 299) والبيهقي في الشعب (2/91 رقم 1248) واللفظ له.

[109] أخرجه البخاري (5/2357 رقم 6049)

[110] أخرجه ابن حبان (7/259 – 261 رقم 2992 – 2995) والترمذي (4/553 رقم 2307) واللفظ له وقال: هذا حديث حسن غريب.

[111]  سورة يس: 54

[112]  سورة البقرة: 48

[113]  سورة لقمان: 33

[114]  سورة الانبياء:1

[115]  روى أحمد في مسنده (4/41) والبخاري في الأدب المفرد (486) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.

[116]  سورة التوبة: 111

[117]  من قول خبيب بن عدي (البخاري 3/1108 رقم 2880، 4/1465 رقم 3787، 4/1499 رقم 3858، 6/2693 رقم 6967)

[118]  القاموس المحيط، ص1216، دار إحياء التراث العربي، ط1422هـ-2001م

[119]  سورة البقرة: 117

[120]  سورة فصلت: 12

[121]  القاموس المحيط ص428

[122]  سورة القمر: 47-49

[123]  انظر جامع البيان (27/110)

[124]  أخرجه مسلم (4/2044 رقم 2653).

[125]  عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار الامام الحبر فقيه الامة أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري البدري حليف بني زهرة. كان من السابقين الاولين ومن النجباء العالمين شهد بدرا وهاجر الهجرتين وكان يوم اليرموك على النفل ومناقبه غزيرة روى علما كثيرا، وعن عبيد الله بن عبد الله قال مات ابن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين وكان نحيفا قصير شديد الادمة وكذا أرخه فيها جماعة   وعن عون بن عبد الله وغيره أنه عاش بضعا وستين سنة وقال يحيى بن أبي عتبة عاش ثلاثا وستين سنة وقال هو ويحيى بن بكير مات سنة ثلاث وثلاثين قلت لعله مات في أولها وقال بعضهم مات قبل عثمان بثلاث سنين (سير أعلام النبلاء (1/461-499)

[126]  حذيفة بن اليمان العبسي صاحب السر المكنون في تمييز المنافقين ولذلك كان عمر لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة يحشى أن يكون من المنافقين توفي سنة 36هـ (شذرات الذهب 1/44)

[127]  أخرجه مسلم 04/2037 رقم 2645)

[128]  أخرجه البخاري (1/121 رقم 312) ومسلم (4/2038 رقم 2646)

[129]  أخرجه البخاري (3/1174 رقم 3036) ومسلم (4/2036 رقم 2643)

[130]  الإمام طاووس بن كيسان اليماني الجندي الخولاني أحد الأعلام علما وعملا أخذ عن عائشة وطائفة قال عمرو بن دينار ما رايت أحد قط مثل طاووس ولما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه طاووس إن أردت أن يكون عملك كله خيرا فاستعمل أهل الخير فقال عمر كفى بها موعظة توفي حاجا بمكة قبل يوم التروية بيوم وصلى عليه هشام بن عبد الملك سنة 106هـ (شذرات الذهب 1/133)

[131]  أخرجه مسلم (4/2045 رقم 2655)

[132]  أخرجه مسلم (1/37 رقم 8)

[133]  أخرجه البخاري (4/1891 رقم 4666، 6/2745 رقم 7113) ومسلم (4/2040 رقم 2647) واللفظ له

[134]  عمران بن حصين الخزاعي كثير المناقب ومن أهل السوابق بعثه عمر يفقه أهل البصرة وتولى قضاءها وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قدمها خير لهم من   عمران بن حصين   وهو الراوي لحديث وصف المتوكلين الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وكان يسمع تسليم الملائكة عليه حتى اكتوى بالنار فلم يسمعهم عاما ثم أكرمه الله برد ذلك أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر واستقضاه عبد الله بن عامر على البصرة ثم استعفاه فأعفاه توفي سنة 52هـ (شذرات الذهب 1/58)

[135]  أخرجه مسلم (04/2041 رقم 2650)

[136]  هو الإمام الفقيه المجتهد الحافظ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة  الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات، اختلف في اسمه على أقوال جمة أرجحها عبد الرحمن بن صخر، حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا طيبا مباركا فيه لم يلحق في كثرته، قال الواقدي كان ينزل ذا الحليفة وله بالمدينة دار تصدق بها على مواليه ومات سنة تسع وخمسين وله ثمان وسبعون سنة وهو صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وخمسين (سير أعلام النبلاء 2/578-626)

[137]  أخرجه الترمذي (4/443 رقم 2133)

[138]  أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله (4/451 رقم 2144) قال الترمذي: وهذا حديث لا نعرفه إلا من عبد الله بن ميمون. وله شاهد عند الطبراني في الأوسط (2/271 رقم 1955)  عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

[139]  سورة البقرة: 195

[140]  أخرجه ابن حبان في صحيحه (13/465 رقم 6100) واالترمذي (4/399رقم 2065) وصححه وابن ماجه (2/1135 رقم 3437)

[141]  أخرجه البخاري (5/2163 رقم 5397) ومسلم (4/1740 رقم 2219) واللفظ للبخاري.

[142]  سورة النساء: 102

[143]  انظر الإيمان باليوم الآخر والقضاء والقدر، ص132-133 الأستاذ أحمد عز الدين البيانوني، دار السلام، الطبعة الثانية، 1405هـ-1985م

[144]  سورة الأنفال: 60

[145]  أخرجه ابن حبان (2/236 رقم 486) والحاكم وصححه (2/220 رقم 7430)

[146]  أخرجه مسلم (4/2052 رقم 2664)

[147]  العلامة شمس الدين أبو عبد الله  محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق المفسر النحوي الأصولي المتكلم الشهير بابن  قيم    الجوزية   قال ابن رجب شيخنا ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة لازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه وتفنن في علوم الإسلام وكان عارفا بالتفسير لا يجاري فيه وبأصول الدين وإليه فيه المنتهى وبالحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه لا يلحق في ذلك وبالفقه وأصوله والعربية وله فيها اليد الطولى وبعلم الكلام وغير ذلك وعالما بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ومتونه وبعض رجاله. وقال ابن رجب وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والإنابة والافتقار إلى الله تعالى والانكسار له والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته لم أشاهد مثله في ذلك ولا رأيت أوسع منه علما ولا أعرف بمعاني القرآن والحديث والسنة وحقائق الإيمان منه وليس هو بالمعصوم ولكن لم أر في معناه مثله. فمن تصانيفه كتاب تهذيب سنن أبي داود، طريق الهجرتين وباب السعادتين،كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، كتاب زاد المعاد في هدى خير العباد وكتاب جلاء الافهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام، إعلام الموقعين عن رب العالمين، كتاب بدائع الفوائد، الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية وهي القصيدة النونية في السنة، كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وكتاب نزهة المشتاقين وروضة المحبين، كتاب الداء والدواء، كتاب تحفة المودود في أحكام المولود، كتاب مفتاح دار السعادة، كتاب اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو الفرقة الجهمية، كتاب الطرق الحكمية ،عدة الصابرين، كتاب الكبائر،  الروح،  توفي رحمه الله وقت العشاء الآخرة ثالث عشر رجب وصلى عليه من الغد بالجامع الأموي عقيب الظهر ثم بجامع جراح ودفن بمقبرة الباب الصغير سنة 751هـ (شذرات الذهب 3/168-170)

[148]  سورة الشورى: 30

 [149] سورة الأعراف: 39

[150]  سورة المائدة: 105

[151]  سورة الإسراء: 98

[152]  سورة الإنسان: 12

[153]  سورة الروم: 41

[154]  سورة الرعد: 11

[155]  سورة الكهف: 29

[156]  سورة الفرقان: 62

[157]  سورة المدثر: 27

[158]  سورة المزمل: 19

[159]  سورة الإنسان: 20

[160]  سورة المدثر: 55، 56

[161]  سورة التكوير: 27 – 29

[162]  سورة الروم: 54

[163]  سورة الكهف: 39

[164]  سورة النحل: 126

[165]  سورة الأعراف:34

[166]  سورة آل عمران:154

[167]  الإيمان بالقدر، د. القرضاوي، ص 90-91، نقلا عن  مجلة العروة الوثقى نشر دار العرب للبستاني في بيروت ص93.

[168]  سورة التوبة : 51

[169]  قال في مجمع الزوائد (7/ 265): أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري ورجاله رجال الصحيح، غير شيخ الطبراني.

[170]  الحجاج بن يوسف الثقفي الطائفي وكان شجاعا مقداما مهيبا متفوها فصيحا سفاكا، ولى الحجاز سنين ثم العراق وخراسان عشرين سنة،  وذلل أهلها، مات سنة 59هـ، وله ثلاث وقيل أربع أو خمس وخمسون سنة أو دونها، وكان موته بالأكلة في بطنه سوغه الطبيب لحما في خيط فخرج مملوءا دودا، وسلط أيضا عليه البرد فكان يوقد النار تحته وتأجج حتى تحرق ثيابه وهو لا يحس بها، فشكا إلى الحسن البصري فقال: ألم أكن نهيتك أن تتعرض للصالحين!؟ فلما أخبر الحسن بموته سجد شكرا وقال: اللهم كما أمته فأمت سنته (شذرات الذهب 1/106-108)

[171]  سعيد بن جبير الكوفي المقرئ المفسر الفقيه المحدث أحد الأعلام وله نحو من خمسين سنة أكثر من روايته عن ابن عباس وحدث في حياته بأذنه وكان لا يكتب الفتاوي مع ابن عباس فلما عمي ابن عباس كتب وروى أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام وكان يؤم الناس في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وأخرى بقراءة غيرهما وهكذا أبدأ وقيل كان أعلم التابعين بالطلاق   سعيد بن جبير   وبالحج عطاء وبالحلال والحرام طاووس وبالتفسير مجاهد وأجمعهم لذلك   سعيد بن جبير   وقتله الحجاج سنة خمس وستين وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه (شذرات الذهب 1/108)

 [172] سورة فاطر: 11

[173]  سورة الحديد : 22-23

[174]  أخرجه مسلم (4/2295 رقم2999)

[175]  سورة البقرة : 156 –157

[176]  أخرجه البخاري (5/2368 رقم 6081) ومسلم (2/726 رقم1061)

[177]  أخرجه البهيقي في الشعب (6/351 رقم 8477)  وحسنه في صحيح الجامع الصغير (100)

[178]  أخرجه البزار (7/315 رقم 2915) والبيهقي في الشعب (7/299 رقم 10376)

[179]  سورة النساء: 32

[180]  فقيه العصر والإمام الكبير والجليل الخطير أبو عبد الله  محمد بن إدريس الشافعي المطلبي بمصر، أخذ عن مالك ومسلم  بن خالد الزنجي وطبقتهما، وكان مولده بغزة، قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم، وقال اسحق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعالى حتى رأيت رجلا لم تر عيناك مثله، وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى يقيض للناس في كل راس مائة سنة من يعلمهم السنن وينفى عن رسول الله الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر  بن   عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي، قال الأسنوي: الشافعي أول من صنف في أصول الفقه باجماع، وأول من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة من الفقه معروفة، اهـ. توفي سنة 204هـ وله أربع وخمسون سنة (شذرات الذهب 1/9-12)

[181]  ديوان الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، ص86، مكتبة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى سنة 1419هـ-1989م

[182]  سورة المنافقين: 8

[183]  عبد الله بن عباس الهاشمي حبر الأمة، كان يقال له البحر والحبر وترجمان القرآن وذلك أن النبي قال في دعائه له اللهم فقيه في الدين وعلمه التأويل، توفي بالطائف سنة 68هـ عن إحدى وسبعين سنة (شذرات الذهب 1/75)

[184]  أخرجه الترمذي (4/667 رقم 2516) وقال حسن صحيح ، وأخرجه أحمد (1/ 293 رقم 2669) والطبراني في الكبير (11/178 رقم 11416) وأبو يعلى (4/430 رقم 2556)

[185]  دع القلق ص173، ديل كارنيجي، دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي، ترجمة محمد فكري أنور، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1999م

[186]  أخرجه مسلم (4/2052 رقم 2664)

[187]  أخرجه أحمد (6/24 رقم 24029) أبو داود (3/313 رقم3727) والنسائي (6/160 رقم 10462) والبيهقي في الشعب (2/81 رقم 1213)

[188]  الإمام الزاهد القدوة الأستاذ أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك بن طلحة القشيري الخراساني النيسابوري الشافعي الصوفي المفسر صاحب الرسالة، ولد سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، تفقه على أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وابن فورك وتقدم في الأصول والفروع وصحب العارف أبا علي الدقاق وتزوج بابنته وجاءه منها أولاد نجباء. قال القاضي ابن خلكان: كان أبو القاسم علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة صنف التفسير الكبير وهو من أجود التفاسير وصنف الرسالة في رجال الطريقة وحج مع الإمام أبي محمد الجويني والحافظ أبي بكر البيهقي، وكان عديم النظير في السلوك والتذكير لطيف العبارة طيب الأخلاق غواصا على المعاني صنف كتاب نحو القلوب وكتاب لطائف الإشارات وكتاب الجواهر وكتاب أحكام السماع وكتاب عيون الأجوبة في فنون الأسولة وكتاب المناجاة وكتاب المنتهى في نكت أولى النهى. قال أبو سعد السمعاني: لم ير الأستاذ أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته جمع بين الشريعة والحقيقة. قال عبدالغافر توفي الأستاذ أبو القاسم صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربع مئة   قال الذهبي: عاش تسعين سنة (سير أعلام النبلاء 18/227-232)

[189]  انظر مدارج السالكين (2/114)، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي

[190]  الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله  الشيباني، أحد أئمة الإسلام والهداة الأعلام وأحد الأربعة الذين تدور عليهم الفتاوى والأحكام في بيان الحلال والحرام، قال قتيبة بن سعيد لو أدرك أحمد بن حنبل عصر مالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد لكان هو المقدم، مولده سنة أربع وستين ومائة ومات ببغداد في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين وحضر جنازته ثلاثمائة ألف وقيل ثمانمائة ألف وقيل ألف ألف وقيل أكثر(المنتظم 11/286، طبقات الحنابلة 1/4، طبقات الشافعية 2/56)

[191]  القدوة العارف أبو محمد سهل بن عبد الله التستري الزاهد، وله مواعظ وأحوال وكرامات وكان من أكبر مشايخ القوم، ومن كلامه: “وقدر أي أصحاب الحديث,” فقال: “اجهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر.” وقيل له: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت ويصب باقي حبره في قبره. وقال: من أراد الدنيا والآخرة فليكتب الحديث فإن فيه منفعة الدنيا والآخرة. توفي سنة 283هـ (شذرات الذهب 2/36)

[192]  القدوة أبو نصر بشر بن الحرث المروزي الزاهد المعروف ببشر الحافي، سمع من حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد وطبقتهما، وعني بالعمل ثم أقبل على شأنه، وكان في الفقه على مذهب الثوري، عاش خمسا وسبعين سنة وتوفي في المحرم وقيل في ربيع الأول عن نحو من ثمانين سنة  ببغداد سنة 227هـ (شذرات الذهب 1/60)

[193]  يحيى بن معاذ الرازي الواعظ من كبار المشايخ له كلام جيد ومواعظ مشهورة، ومن أقواله: “لا يفلح من شممت رائحة الرياسة منه.” وقال:  “مسكين ابن ادم قلع الأحجار أهون عليه من ترك الأوزار،” وقال: “لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب.” (سير أعلام النبلاء 13/15)

[194]  ذوالنون المصري أبو الفيض ثوبان ويقال الفيض بن إبراهيم أحد رجال الطريقة وواحد وقته، ومن كلامه: علامة محب الله متابعة الرسول في كل أمر، مات في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين وقد قارب التسعين (شذرات الذهب 1/107-108)

[195]  أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز، أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة، وله تصانيف في ذلك، وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد، ومن أقواله: العافية تستر البر والفاجر فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال. وقال: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل. وقال: الاشتغال بوقت ماض تضييع وقت حاضر. وقال: ذنوب المقربين حسنات الأبرار. وقال: الرضا قبل القضاء تفويض والرضا مع القضاء تسليم، وكانت وفاته في سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل في سنة سبع وأربعين وقيل في سنة ست وثمانين والأول أصح (البداية والنهاية 11/58)

[196]  عسكر بن الحصين أبو تراب النخشبي الصوفي، قدم بغداد غير مرة، وكان يحضر مجلس الإمام أحمد، قال أباو عبدالله بن الجلاء: لقيت زيادة على خمسمائة شيخ ما لقيت مثل أربعة أولهم أبو تراب النخشبي. قال عبدالله بن أحمد جاء أبو تراب النحشبي إلى أبي رضي الله عنه فجعل أبي يقول: فلان ضعيف فلان ثقة، فقال: أبو تراب ياشيخ لا تغتاب العلماء. فالتفت أبي إليه وقال له: ويحك هذا نصيحة، ليس هذا غيبة. وقيل مات في البادية نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين (طبقات الحنابلة 1/248-249، حلية الأولياء 1/124)

[197]  أبو علي الدقاق الحسن بن علي النيسابوري، الزاهد العارف شيخ الصوفيه، وقد روى عن ابن حمدان وغيره قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في كتابه الكواكب الدرية في تراجم الصوفيه ما ملخصه: الحسن بن علي الأستاذ أبو علي الدقاق النيسابوري الشافعي لسان وقته وإمام عصره، كان فارها في العلم، متوسطا في الحلم، محمود السيرة، مجهود السريرة، جنيدي الطريقة، سري الحقيقة، أخذ مذهب الشافعي عن القفال والحصري وغيرهما، وبرع في الأصول وفي الفقه وفي العربية حتى شدت إليه الرحال في ذلك، ثم أخذ في العمل وسلك طريق التصوف، توفي في ذي الحجة سنة 604هـ (شذرات الذهب 2/180)

[198]  مدارج السالكين: 2/114-117

[199]  أبو حامد الغزالي زين الدين حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي، أحد الأعلام تلمذ لإمام الحرمين، ثم ولاه نظام الملك تدريس مدرسته ببغداد، وخرج له الأصحاب أي من الشافعية، وصنف التصانيف مع التصون والذكاء المفرط والاستبحار من العلم وفي الجملة ما رأى الرجل مثل نفسه توفي سنة خمس وخمسمائة في رابع عشر جمادى الآخرة بالطابران قصبة بلاد طوس وله خمس وخمسون سنة (العبر في خبر من غبر 4/10)

[200]  الإحياء: 4/245، الإمام أبو حامد الغزالي، دار مصر للطباعة، سنة 1998م

[201]  الإحياء: 4/259

[202]  مدارج السالكين (2/112)

[203]  مدارج السالكين (2/113-114)

[204]  سورة هود: 6

[205]  سورة العنكبوت: 60

[206]  سورة سـبأ: 39

[207]  أخرجه ومسلم (2/1090 رقم 1467)

[208]  سورة الصافات:100

[209]  سورة آل عمران: 38

[210]   أخرجه أحمد (1/7 رقم 34) والحاكم (1/711 رقم 1938) وصحح إسناده.

[211]  أخرجه ابن خزيمة (2/151 رقم 1095) وابن حبان (2/499 رقم 722، 3/225 رقم 945) أحمد (1/199 رقم 1718) وأبو داود (2/63 رقم 1425) والترمذي (2/328 رقم 464) والنسائي في الصغرى 3/248 رقم 1745)  وابن ماجه (1/327 رقم 1178)

[212]  سورة النساء:148

[213]  سورة الفرقان:74

[214]  سورة فصلت: 30

[215]  سورة إبراهيم: 12

[216]  سورة آل عمران: 101

[217]  سورة الحج: 40

[218]  مدارج السالكين: 2/113، 114.

[219]  هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن يلين الصنهاجي البهفشيمي البهنسي المصري الامام العلامة وحيد دهره وفريد عصره أحد الاعلام المشهورين والائمة المذكورين، انتهت اليه رئاسة الفقه على مذهب مالك رحمه الله تعالى، دلت مصنفاته على غزارة فوائده وأعربت عن حسن مقاصده جمع فأوعى وفاق أضرابه جنسا ونوعا كان إماما بارعا في الفقه والأصول والعلوم العقلية وله معرفة بالتفسير، ومن مصنفاته: كتاب الذخيرة في الفقه، من أجل كتب المالكية، وكتاب القواعد الذي لم يسبق الى مثله ولا أتى أحد بعده بشبهة، وكتاب شرح التهذيب، وكتاب شرح الجلاب، وكتاب شرح محصول الامام فخر الدين الرازي، وكتاب التعليقات على المنتخب، وكتاب التنقيح في أصوله الفقه وهو مقدمة الذخيرة، وشرحه كتاب مفيد وكتاب الاجوبة الفاخرة عن الاسئلة الفاجرة في الرد على أهل الكتاب، وكتاب الامنية في ادراك النية، وكتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وكتاب الاحكام في الفرق بين الفتاوى والاحكام، اشتمل على فوائد عزيرة، وتوفى رحمه الله بدير الطين في جمادى الأخيرة عام أربعة وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة (الديباج المذهب 1/62-66)

[220]  سورة الأنفال: 60

[221]  سورة الفاطر: 6

[222]  سورة إبراهيم: 12

[223]  سورة المائدة: 67

[224]  أبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي، صاحب الجامع والعلل، الضرير الحافظ العلامة، طاف البلاد وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين وغيرهم، روى عن محمد بن المنذر شكر والهيثم بن كليب وأبو العباس المحبوبي وخلق ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر   وقال أبو سعد الإدريسي كان أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتاب الجامع والعلل والتواريخ تصنيف رجل عالم متقن كان يضرب به المثل في الحفظ مات بترمذ في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (طبقات الحفاظ 1/282)

[225]  أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله واحد المكثرين من الرواية عنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ودعا له النبي بكثرة المال والولد، اختلف في وفاته فقيل سنة ثلاث وتسعين وقيل إحدى وتعين وقيل سنة تسعين (الإصابة 1/126-128)

[226] حديث أنس أخرجه الترمذي (4/668 رقم 2517) واستغربه، ولكن له شاهد من حديث عمرو بن أمية الضمري  أخرجه ابن حبان في صحيحه (2/510 رقم 731) والحاكم في المستدرك (3/722 رقم 6616) بلفظ قيدها وتوكل، وقال الذهبي: سنده جيد. وأوردها لهيثمي في المجمع (10/303) وقال: أخرجه الطبراني من الطرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير يعقوب بن عبد الله بن أمية الضمري وهو ثقة.

[227] الفروق، للقرافي (3 /241)، الإمام شهاب الدينأبي العباس الصنهاجي القرافي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، 1423هـ-2002م

[228]  الرسالة القشيرية، تحقيق د. عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف (1/368).

[229]  سبق تخريجه ص60

[230]  أخرجه أحمد (1/30 رقم 205، 1/52 رقم 370) الترمذي (4/573 رقم 2344) وابن ماجه (2/1394 رقم 4164) وقال التمذي: حديث حسن صحيح.

[231]  أخرجه البخاري (2/730 رقم 1966)

[232]  أخرجه أحمد (3/191 رقم 13004) والبخاري في الأدب المفرد (1/168 رقم 479) عن أنس بسند صحيح.

[233]  أبو عبدالله  محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم، الحافظ العلم صاحب الصحيح، وإمام هذا الشأن، والمعول على صحيحه في أقطار البلدان، وللبخاري من المؤلفات الجامع الصحيح، التاريخ الكبير، الأدب المفرد، القراءة خلف الإمام، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين (طبقات الحفاظ 1/252)

[234]  الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وردكرشان القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، توفي سنة 261هـ (شذرات الذهب 1/144)

[235]  أخرجه مسلم (1/131 رقم 139)

[236]  أخرجه البخاري (3/1114 رقم 2895)

[237]  سورة هود: 37

[238]  سورة القمر: 10-14

[239]  سورة يوسف: 5

[240]  سورة يوسف: 67

[241]  سوة يوسف: 47

[242]  سورة يوسف: 48

[243]  سورة القصص: 29

[244]  سورة الكهف: 62

[245]  سورة الدخان: 23

[246]  سورة الأنبياء: 80

[247]  سورة سبأ: 10-11

[248]  سورة مريم: 25-26

[249]  سورة النساء: 71

[250]  سورة الأنفال: 60

[251]  سورة البقرة: 197

[252]  ذكره الطبري في تقسيره (17/45)، وأخرجه البهيقي في الشعب (2/29) , وأبو نيعم في الحلية (1/20)

[253]  أخرجه البخاري (4/1662 رقم 4287)

[254]  أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء عن ابن عباس موقوفا، وفيه بعض كلمات مرفوعة (3365).

[255]  انظر جامع العلوم والحكم (2/503) – طبع الرسالة. بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط.

[256]  هذه الرواية في البخاري أيضا عن ابن عباس برقم (3364).

[257]  سورة التوبة: 25

[258]  سورة الدخان: 23

[259]  سورة الشعراء: 54-56

[260]  سورة الشعراء: 61-62

[261]  سورة الشعراء: 63-67

[262]  سورة التوبة: 40

[263]  التوكل (ضمن سلسلة تيسير فقه السلوك)، د. القرضاوي، ص97-106بتصرف

[264]  سورة الشعراء: 61

[265]  سورة الشعراء:62

[266]  سورة التوبة: 40

[267]  سورة آل عمران: 173

[268]  أخرجه البخاري (4/1662 رقم 4287)

[269]  سورة يونس: 71-72

[270]  سورة هود: 53-54

[271]  سورة هود: 54-57

[272]  سورة هود: 56

[273]  سورة الأعراف: 88-89

[274]  سورة البقرة: 249

[275]  سورة البقرة: 249-251

[276]  سورة الأحزاب: 22

[277]  سورة الأحزاب: 23

[278]  سورة الشعراء: 217

[279]  سورة الأنفال: 49

[280]  سورة فاطر: 10

[281]  سورة النساء: 138-139

[282]  أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله أبو العباس وأبو الفضل بن أبي عبد الله بن محمد الجذامي الاسكندري الامام المتكلم الشاذلي كان جامعا لانواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه وغير ذلك وله تآليف مفيدة منها التنوير في اسقاط التدبير والحكم كان رحمه الله تعالى متكلما على طريقة أهل التصوف واعظا انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه وكان شاذلي الطريقة ينتمي للشيخ أبي الحسن الشاذلي وأخذ طريقه عن أبي العباس المرسي رحمه الله عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله وكان أعجوبة زمانه في كلام التصوف وله نظم حسن في الوعظ توفى رحمه الله بالقاهرة سنة تسع وسبعمائة ودفن بالقرافة (الديباج المذهب 1/170)

[283]  سورة الأعراف: 96

[284]  سورة المنافقين: 8

[285]  سورة الروم: 47

[286]  سورة يونس: 103

[287]  التوكل ص103-102، نقلا عن لطائف المنن، لابن عطاء الله السكندري. بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود

[288]  مدارج السالكين (2/122)

[289]  المصدر السابق

[290]  أخرجه أبو نعيم في الحلية (10/41) الطبراني في الكبير وفيه راو متهم كما في مجمع الزوائد (4/71) وربما كان من كلام ابن مسعود نفسه أو بعض السلف كما أخرجه البيهقي في الشعب (1/222 رقم 209) موقوفا على ابن مسعود.

[291]  سورة الحجر: 56

[292]  سورة يوسف: 87

[293]  سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني المدلجي وقد ينسب إلى جده يكنى أبا سفيان كان ينزل قديدا روى البخاري قصته في إدراكه النبي لما هاجر إلى المدينة ودعا النبي عليه حتى ساخت رجلا فرسه ثم أنه طلب منه الخلاص وألا يدل عليه ففعل وكتب له أمانا وأسلم يوم الفتح، فلما أتى عمر –بعد فتح القادسية- بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه وكان رجلا أزب كثير شعر الساعدين فقال له أرفع يديك وقل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة الأعرابي، مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين (الإصابة 3/41)

[294]  ذكره ابن حجر في الإصابة عند ترجمة سراقة بن مالك (الإصابة 3/41)

[295]  خباب بن الأرت التميمي، أحد السابقين البدريين، سأله عمر يوما عما لقي من المشركين فقال لقد أوقدت نار وسحبت عليها فما أطفأها ألا ودك ظهري، ثم أراه ظهره فقال عمر: ما رأيت كاليوم، توفي سنة سبع وثلاثين، وصلى عليه علي بالكوفة (شذرات الذهب 1/47)

[296]  أخرجه أحمد (6/395 رقم 27260) وأبو داود (3/47 رقم 2649)

[297]  أخرجه البخاري (5/2358 رقم 6053)

[298]  أخرجه البخاري (3/1005 رقم 2587) ومسلم (3/1249 رقم 1627)

[299]  أخرجه مسلم (3/1250 رقم 1627)

[300]  أخرجه الترمذي (4/552 رقم 2306) وقال حديث حسن.

[301]  أخرجه البخاري (5/2359 رقم 6054)

[302]  أخرجه ابن حبان (7/260 رقم 2993) الترمذي (4/553 رقم 2307) وقال: حديث حسن.

[303]  أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري أبو المنذر وأبو الطفيل سيد القراء كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرا والمشاهد كلها، وأثبت الأقوال أنه توفي سنة ثلاثين وقيل سنة عشرين وقيل تسع عشرة وقيل اثنتين وعشرين (الإصابة 1/27)

[304]  أخرجه أحمد (5/136 رقم 21279) والترمذي (4/636 رقم 2457) وقال: حديث حسن.

[305]  الإمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن علي بن عبد الله القرشي البكري الصديقي البغدادي الحنبلي، الواعظ صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم وعرف جدهم بالجوزي لجوزة كانت في دراهم لم يكن بواسط سواها ولد سنة عشر وخمسمائة أو قبلها، وله زاد المسير في التفسير وجامع المسانيد والمغني في علوم القرآن وتذكرة الأريب في اللغة والوجوه والنظائر ومشكل الصحاح والموضوعات والواهيات والضعفاء وتلقيح فهوم الأثر والمنتظم في التاريخ وأشياء يطول شرحها، وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط قيل إنه حضره في بعض المجالس مائة ألف وحضره ملوك ووزراء وخلفاء وقال: كتبت بأصبعي الفي مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفا، توفي يوم الجمعة ثالث عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة (طبقات الحفاظ 1/480)

[306]  أخرجه الطبراني في الأوسط (4/358 رقم 4427)

[307]  تلبيس إبليس ص404، لابن الجوزي، دار الفكر، بيروت

[308]  المصدر السابق ص41

[309]  إحياء علوم الدين 4/391

[310]  صيد الخاطر ص178، 179

[311]  سبق تخريجه انظر ص62

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

معلومات

This entry was posted on 30 سبتمبر 2012 by in مقالات.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: